اكدت الاحداث والأزمات العالمية سواء على صعيد الدول أو المناطق أو العالم بأن لها ايجابياتها وفوائدها مثل ما لها من سلبيات وانعكاسات وهذا ما يعزز القول المأثور «مصائب قوم عند قوم فوائد» ولقد اكدت الاحداث والازمات التي حدثت في التاريخ وعلى مختلف العصور والازمان حقيقة ذلك. فالازمات العسكرية والاقتصادية والمالية التي شهدتها منطقة الخليج العربي خلال سنوات الحرب العراقية الايرانية التي استمرت لسنوات طويلة، أو ازمة غزو القوات العراقية للكويت في اغسطس 1990 أو الازمات النفطية في منتصف الثمانينيات، ثم في عام 1997 ان لها ايجابيات وفوائد استفادت منها الدول العظمى خاصة ومختلف الدول الاخرى عامة لانها عرفت كيف تتعامل مع تلك الازمات واستثمارها لتحقيق مصالح ومكاسب مالية اقتصادية واستراتيجية. ومن هذا المنطلق فان الاحداث العالمية المستجدة في هذه الفترة اثر الزلزال الذي حدث في الولايات المتحدة الأمريكية في الحادي عشر من سبتمبر الماضي بقدر مالها من انعكاسات سلبية على الاوضاع الاقتصادية والامنية العالمية فان لها آثارا ايجابية يمكن ان تكون حصيلة ايجابية لدول أخرى، ومنها دول أوروبا الغربية التي تستثمر الازمة لصالح اقتصاداتها، ويمكننا نحن العرب وفي الامارات استثمار هذه الازمة لصالح اقتصادنا الوطني، وهذا ما اشار اليه سمو الشيخ الدكتور سلطان بن خليفة آل نهيان عضو المجلس التنفيذي رئيس ديوان صاحب السمو ولي عهد أبوظبي حينما اكد في كلمته الافتتاحية لندوة سوق الاسهم المحلية «نحو اداء افضل»، خلال اكتوبر الماضي حيث اكد سموه في كلمته على «أن تلك الاحداث قد تدفع ببعض الاموال للعودة إلى الوطن للاستثمار فيه شريطة توافر الافصاح المالي والشفافية ودراسات الجدوى الاقتصادية، واهمية وضرورة توافر المؤسسات المالية المتخصصة لتسهيل عمليات التداول، ثم توحيد الجهة التي يتعامل معها المستثمر وقيام الدولة بطرح المشروعات المملوكة لها للاكتتاب العام ثم الاسراع بربط اسواق المال الخليجية. وفي اطار الازمات المستجدة في العالم سواء في آسيا أو اوروبا أو الولايات المتحدة فانه من الطبيعي ان تعمل مختلف دول العالم لاستثمارها ومنها الامارات العربية التي تتمتع بمقومات استثمارية كبيرة وجيدة ومناخات استثمارية مشجعة ليس لرؤوس الاموال الاماراتية فحسب وانما لرؤوس اموال عربية واجنبية ومن اهم تلك المقومات الاستقرار السياسي والاقتصادي والاجتماعي، وتوفر البنى والهياكل الاساسية التحتية والضرورية لتنمية رأس المال، ثم السياسات الاقتصادية المرنة والمشجعة، ولقد جاء في تقرير المجموعة العالمية (B. R. S) الذي وضع في يوليو 2001 وجاء في سياق الدليل الدولي للمخاطر الاقليمية وتم نشره في النشرة الخاصة للمؤسسة العربية لضمان الاستثمار حيث تبوأت الامارات المرتبة الاولى بين الدول العربية من حيث الاستقرار الامني والسياسي والاقتصادي والاجتماعي، فيما جاءت في المرتبة 13 بين 140 دولة في العالم إذ جاء تصنيف الامارات من الدول ذات درجة المخاطرة المنخفضة جدا وقد اعتمدت تلك المجموعة الدولية في تصنيفها هذا على عدد من المؤشرات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية ووضعت الامارات ضمن القسم الاخير في درجات المخاطرة وذلك من بين الدول التي تقع بين 80 ـ 100 في المئة والتي تتسم بدرجات مخاطرة منخفضة جدا، إذ بلغت قيمة المؤشر المركب للامارات ما نسبته 8،85 في المئة، فيما حلت الكويت في المرتبة التالية للامارات ثم السعودية في المرتبة الثالثة واخيرا سلطنة عمان التي جاءت في المرتبة الرابعة وذلك على صعيد ترتيب الدول العربية بهذا القسم. إنه من الطبيعي ان تتبوأ الامارات هذا الموقع المثالي بين مختلف الدول العربية والعالمية وذلك نظرا لما تتمتع به من استقرار سياسي وامني واقتصادي واجتماعي حرصت القيادة السياسية في الدولة على توفيره ليكون حافزا مشجعا للاستثمارات الوطنية والاجنبية على السواء، وإذا كان هذا التقرير قد اعطى للمخاطر السياسية الوزن الاكبر في ميزان التصنيف إذ وصلت نسبته 50% في تصنيف درجات المخاطرة، فان الامارات بحكم القيادة السياسية الرشيدة قد اولت لهذا الامر اهمية كبرى لادراكها من ان الاستقرار السياسي يمثل حجر الزاوية في أية تنمية واساس الاستقرار العام، فالامارات من اكثر دول العالم استقرارا من الناحية السياسية، خاصة فهي خالية من أية نزاعات داخلية أو حتى خارجية وهناك حرص على تحقيق الاستقرار الداخلي والخارجي وتطوير علاقة الامارات مع مختلف دول العالم ولاسيما دول الجوار، كما ان الامارات خالية من أية اضطرابات عرقية أو اثنية، اما المخاطر الامنية والتي اعطت «المجموعة لها وزنا بنسبة 25%، فان الامارات تعتبر ايضا من اكثر دول العالم من حيث الاستقرار المالي وقد اكدت الازمات الاقليمية والعالمية حقيقة الوضع المالي للدولة وقدرته على امتصاص انعكاسات الازمات وذلك من خلال اتباع الامارات لسياسات مالية مرنة، فالعجز المالي رغم وجوده في الموازنة الاتحادية مازال تحت السيطرة ولم يتجاوز نسبة 4%، فيما لا يوجد هناك دين خارجي مقابل الناتج المحلي الاجمالي، وعليه فانه لا توجد خدمة لهذا الدين يشكل عبئا على الاوضاع المالية للدولة، ويكون له اثرا سلبياً على اجمالي صادرات الدولة من السلع والخدمات، كما ان الميزان التجاري للامارات كان ومازال حتى الآن في وضع فائق بحكم ان الامارات من الدول الكبرى في تصدير النفط الخام، هذا من ناحية، ثم هناك الاستقرار النقدي واستقرار سعر صرف الدرهم مقابل عملات دول العالم، من ناحية اخرى، وهذه السياسات المالية التي انتهجتها الامارات قد حققت استقرارا اقتصاديا وماليا وتجاريا وأوجدت مناخا مشجعا للاستثمار. وحينما ننسب المؤشر لنا الذي اعتمدته «المجموعة» في تصنيفها للدول من حيث درجات المخاطرة والذي اعطته وزنا بلغت نسبته 25%، واسمته بالمؤشر الاقتصادي فاننا نجد ان الاوضاع الاقتصادية في الامارات تتسم بالاستقرار فمعدل دخل الفرد في الامارات يعد من اعلى الدخول في العالم، وربما تأتي الامارات في المرتبة الثالثة عالميا، اما معدل النمو الاقتصادي الحقيقي فيعتبر مرتفعا في الامارات قياسا بالكثير من دول العالم، اما نسبة التضخم فتعتبر محدودة جدا إذا لا تتجاوز 3% والجزء الاكبر من هذا التضخم يعتبر مستوردا، ثم نأتي لوضع الموازنة الحكومية إلى الناتج المحلي الاجمالي حيث يعتبر وضعا مستقرا تؤكده السياسات المالية وسلامة الاوضاع الاقتصادية، من هنا وفي ضوء هذه المعطيات والمؤشرات فان تصنيف «المجموعة» حسب تقريرها للامارات يعد اعترافا دوليا بموقع الامارات في خريطة الاستثمار الدولي الامر الذي يثير في الوقت ذاته استغرابنا لهجرة رؤوس الاموال الوطنية والتي تتسم بالضخامة إلى خارج سوق الانتاج والاستثمار الاماراتي، ومما يزيد الامر استغرابا ايضا دعوة المسئولين والفعاليات الاقتصادية للاستثمارات الاجنبية بفتح الابواب على مصراعيها للدخول إلى سوق الامارات، وقد يخفف حدة الاستغراب هنا غياب المسوحات الشاملة عن الفرص الاستثمارية وغياب التسويق الجيد، ثم غياب المؤسسات الداعمة والممولة لمشاريع الاستثمار طويل الاجل، وهنا يدعونا الامر إلى مناقشة حقيقية وامينة للاسباب الداعية لهجرة رؤوس الاموال، وكيفية استثمار الاوضاع العالمية المستجدة والازمات الدولية المستفحلة والمتزايدة في مختلف دول العالم ليس من اجل استعادة رؤوس الاموال الاماراتية للاستثمار داخل حدود الوطن فحسب وانما لاستقطاب رؤوس اموال خليجية وعربية واجنبية للاستثمار في السوق المحلية بعد دراسة الطاقة الاستيعابية لهذه السوق ووضع ضوابط دقيقة لمجالات الاستثمار الاجنبية خاصة، وحجم رؤوس الاموال التي تحتاج اليها سوق الانتاج لاستثمار الفرص المتاحة، ونوعيتها واجالها وجنسيتها، وقبل كل ذلك يجب ان تكون هناك رؤية اقتصادية مبنية على اهداف واضحة، وآليات محددة تتفاعل فيما بينها لاحداث تنمية اقتصادية حقيقية تتمثل في وجود قاعدة انتاجية متنوعة وصلبة، تفضي إلى تحول اقتصادنا الوطني من اقتصاد الاستهلاك إلى اقتصاد الانتاج، ومن الاقتصاد الريعي «النفطي» إلى اقتصاد التنوع، ومن اقتصاد ذي الجانب الاحادي إلى اقتصاد يتسم بالقدرة على التنوع والتجدد، ومن اقتصاد يعتمد على انتاج الاخرين إلى اقتصاد ذي انتاج وطني، من اقتصاد الاستيراد إلى اقتصاد التصدير، ومن اقتصاد اجنبي إلى اقتصاد وطني برؤوس امواله وعمالته وجنسية انتاجه. اننا في حاجة ماسة لاقتصاديين يقولون كلمتهم في الشأن الاقتصادي، نحن في حاجة إلى فهم طبيعة هذه الازمات وتداعياتها وانعكاساتها وكيفية استثمارها وتجييرها لخدمة الاقتصاد الوطني لتعزيز وضعه وتحصينه من أية ازمات داخلية كانت أم خارجية ولضمان استمرار الاستقرار الاقتصادي والسياسي والمالي والامني والاجتماعي سعيا لتحقيق مكاسب الازدهار والتقدم، والنمو والتنمية الشاملة والدائمة.