بعد فترة من الاستقرار والانتعاش قاربت ثلاثة شهور تشهد أسواق صرف العملات الأجنبية في مصر بوادر أزمة جديدة بعد أن تجاوزت أسعار الدولار الحد الأقصى للتحرك المسموح به في نظام الآلية المصرفية التي أقرتها السلطات النقدية المصرية في الأسبوع الأول من أغسطس الماضي ويبلغ 427.75 قرشا للدولار.. ونتيجة هذا التحرك المفاجئ سادت سوق الصرف في الأيام العشرة الماضية حالة من الترقب والقلق خاصة بعد أن زاد الطلب على الدولار بنسبة تجاوزت 30% في مقابل تراجع المعروض منه بنحو 45% فضلا عن امتناع بعض شركات الصرافة بيع الفوائض الدولارية لديها للبنوك مثلما كان متبع في الفترة الماضية.. الى ذلك أوضح مصرفيون وخبراء اقتصاد مصريون أن التراجع الحاد في موارد النقد الأجنبي والذي قدرته وزارة المالية بنحو 3 مليارات دولار بسبب انكماش السياحة وانخفاض ايرادات قناة السويس وانحسار عائدات النفط وتقلص الصادرات سيكرس الأوضاع الراهنة ويعزز فرصة ظهور أزمة دولارية جديدة.. وأكد الخبراء ان انحسار تدفق النقد الأجنبي من موارده المعتادة أوجد ضغوطا كبيرة على الجهاز المصرفي قللت من قدرته على الاستجابة لطلبات العملاء الأمر الذي أدى لتجاوز أسعار الدولار للحد الأقصى المسموح به في نظام آلية الصرف وانكشاف المراكز المالية للبنوك من النقد الأجنبي بنحو 650 مليون دولار.. وأتهم المصرفيون بعض شركات الصرافة بالتلاعب في أسعار الدولار واحتجازه لافتعال أزمة والضغط على سلطات النقد لتحريك السعر المرجح أو نسبة التحرك المسموح بها انخفاضا وصعودا.. وكذلك اختلاق طلب وهمي وترويج معاناة السوق من نقص حاد في الدولار. ويرجح الخبراء تدخل البنك المركزي بتحريك سعر الصرف بنحو 5 قروش ليصل الى 420 قرشا.. وأوضحوا أن امكانية تسييل المعونة الأمريكية لمصر في صورة نقدية قد يؤدي لاستقرار السوق المصرفي على المدى القصير ولكن لن يؤدي لانخفاضها. وأكدوا ان أسلوب التعويم المدار للدولار سيؤدي الى اهتزاز صورة الحكومة امام المؤسسات الدولية بجانب تحملها اعباء أخرى نتيجة تداعيات الأحداث الأمريكية على كل قطاعات الاقتصاد المصري.. الى ذلك دعا الخبراء رجال الاعمال والمستوردين الى الاتجاه طواعية لترشيد الاستيراد وقصره على مستلزمات الانتاج والسلع الوسيطة والامتناع عن التعامل مع شركات الصرافة التي تستغل حاجتهم للدولار.. وأشاروا الى أن الحكومة لن تستطيع اتخاذ قرارات سيادية بحظر الاستيراد في ظل التزامها بمقررات الاتفاقيات التي تتمتع بعضويتها سواء في الشراكة مع أوروبا أو منظمة التجارة العالمية أو الكوميسا ومجموعة الـ 15 ومن جهتهم رفض أصحاب شركات الصرافة الاتهامات الموجهة اليهم بالتلاعب واستغلال الأوضاع الراهنة للعودة الى السوق السوداء.. وأوضحوا ان ارتفاع سعر الدولار أمر منطقي في ظل زيادة الطلب وتراجع المعروض وتوقف البنك المركزي عن ضخ دولارات منذ شهرين بالاضافة الى النقص الحاد في موارد النقد الاجنبي بعد انحسار حركة السياحة والخسائر التي لحقت بقطاع الطيران ومعظم قطاعات الاقتصاد المصري.. وشددوا على ضرورة تدخل البنك المركزي قبل تفاقم الأزمة اما بضخ كميات كبيرة من الدولارات لامتصاص الطلب الزائد أو تحريك سعر الدولار للقضاء على السوق السوداء قبل انتعاشها. تراجع حاد في النقد الاجنبي وعلل المصرفي المصري حسن أبوحلاوة نائب رئيس مجلس ادارة بنك الاسكندرية السابق بوادر الازمة الجديدة للدولار الذي تجاوز السعر في السوق السوداء 435 بزيادة 8 قروش عن الحد الأقصى المسموح به في آلية الصرف المعمول بها بالتراجع الحاد في موارد النقد الاجنبي نتيجة الانخفاض المتوقع في نشاط قطاع السياحة ورسوم المخاطر واعادة التأمين على حركة التجارة سواء الاستيراد أو التصدير فضلا عن انحسار حركة الطيران.. مشيرا الى أن هذه الأوضاع غير الطبيعية الناتجة عن الأحداث الأمريكية قللت المعروض من الدولار الأمر الذي أدى الى الاحساس بعدم توافره وبالتالي زاد الطلب بدون داع ونتج عن ذلك فجوة بين الطلب على الدولار والمعروض منه واستغلتها بعض شركات الصرافة في محاولة لافتعال أزمة جديدة للضغط على السلطات النقدية ودفعها الى تحريك سعر الدولار وزيادة هامش التحرك المسموح به من 3% إلى 4% وذلك بعد أن فشلت الشركات على حمل الحكومة لاتخاذ هذه الاجراءات طيلة الأشهر الثلاثة الماضية بعد ان نجحت آلية الصرف التي بدأ تنفيذها في 5 أغسطس الماضي في تحقيق الاستقرار لسوق الصرف.. وأكد أبوحلاوة أن التدخل المحدود من قبل البنك المركزي بضخ جزء متواضع من طلبات البنوك التي تجاوزت 650 مليون دولار لن تفلح في انهاء هذه المشكلة كما انها تستنزف جزءاً من الاحتياطي من النقد الاجنبي.. موضحا أنه من المفترض أن تواجه سلطات النقد الأزمة الحالية من بدايتها بطرح كميات مناسبة من الدولارات في البنوك لتلبية حاجة عملائها قبل أن يضطر هؤلاء العملاء الى اللجوء لشركات الصرافة والسوق السوداء. وشدد أبوحلاوة على ضرورة مواجهة شركات الصرافة التي تمتنع عن بيع فوائضها الدولارية للبنوك كالمعتاد منذ بداية تفعيل آلية الصرف الجديدة.. وكذا تعمد شركات أخرى رفع سعر بيع الدولار لديها الى أكثر من الحد الأقصى المسموح به من البنك المركزي في ضوء علمها بنقص موارد النقد الأجنبي وتوقف المركزي المصري عن تغطية مراكز البنوك المكشوفة من الدولار الأمر الذي أدى لعجز البنوك عن تلبية احتياجات العملاء واستغلال الصرافات لهذا الموقف من أجل تحقيق أقصى مكسب ممكن وحرمان البنوك من أية مكاسب فضلا عن تعمق الشعور العام بوجود نقص حاد في النقد الأجنبي المعروض. المركزي لن يسمح بالتلاعب ومن جهته استبعد محمد البربري مستشار البنك المركزي حدوث أزمة جديدة في الدولار مثلما حدث قبل أغسطس الماضي.. مؤكدا ان سلطات النقد ممثلة في البنك المركزي لن تسمح بهذه الأزمة وستقف بقوة في وجه شركات الصرافة التي يثبت تلاعبها أو سعيها لافتعال أزمة خاصة في ظل المرحلة الدقيقة التي يمر بها الاقتصاد المصري حاليا.. وأضاف أن البنك المركزي يراقب سوق الصرف عن قرب ويتدخل وفق معايير وضوابط محددة للحيلولة دون فقد الاستقرار الذي تحقق الفترة الماضية.. كما أوضح أن تراجع موارد السياحة والروافد الاخرى التي كان الجهاز المصرفي يعتمد عليها في توفير الجزء الأكبر من النقد الأجنبي وضع البنوك في مأزق امام العملاء.. مشيرا الى أن البنك المركزي ضخ جزءاً من طلبات البنوك المتعلقة بالعملاء.. وانه لن يتراجع عن السياسة التي رسمها في دعم ومساندة البنوك من أجل تحقيق الاستقرار في سوق الصرف. شركات الصرافة بريئة ورفض شوقي غنيمي عضو مجلس الشعبة العامة لشركات الصرافة باتحاد الغرف التجارية المصرية الاتهامات التي توجه للصرافات بأنها السبب وراء الأزمة الحالية وانها تحاول افتعال الأزمات من أجل زيادة سعر الدولار وايجاد سوق سوداء لتداوله بعيدا عن الآليات الرسمية المتبعة وكذا تحتجز فوائضها الدولارية لخلق شعور عام بنقص حاد في المعروض من النقد الأجنبي.. مؤكدا ان سوق الصرف المصري يعاني حاليا من تراجع حقيقي في المعروض من العملات الاجنبية بنسبة ربما تتجاوز 45% في الوقت الذي زاد فيه الطلب بنحو 30% نتيجة لنشاط المستوردين في فتح اعتمادات مستندية جديدة.. وأوضح أن شركات الصرافة تعاني مثل البنوك تماما من جراء الازمة الحالية وتسعى لانهائها واستعادة الاستقرار.. كما انها لم تمتنع مطلقا حسبما يردد البعض عن بيع مابحوزتها من دولارات للبنوك.. وأشار الى ان ارتفاع سعر الدولار في شركات الصرافة مسألة محكومة بالعلاقة بين العرض والطلب وأن زيادة الطلب على شراء الدولار خلال الأسابيع الثلاثة الماضية أدى بدوره لارتفاع سعر شراء شركات الصرافة للدولار من العملاء وبالتالي زيادة سعر بيعه للبنوك.. كما رصد غنيمي تراجعا في التحويلات عبر شركات الصرافة خلال الشهر الماضي بنحو 25% وهو ما أدى لنقص فوائض الشركات التي كان يتم بيعها للبنوك بصفة يومية.. وأضاف أن عودة ظهور المستوردين في أسواق الصرافة هو السبب الرئيسي في زيادة الطلب على النقد الأجنبي بعد أن كان المستوردون قد اختفوا طيلة الأشهر الثلاثة الماضية.. مشددا على أن الأوضاع الراهنة تتطلب تخفيف الطلب على الدولار بترشيد الاستيراد علاوة على اعادة سلطات النقد المصرية النظر في هامش التحرك بين بيع وشراء الدولار من 3% إلى 4%، فضلا عن اتخاذ تدابير أخرى من شأنها زيادة المعروض من النقد الاجنبي في السوق وبالتالي القضاء على تعاملات السوق السوداء. واعترف جلال الجوادي مدير عام النقد الاجنبي بالبنك المركزي المصري السابق بأن سوق الصرافة بات غير مستقر ودخل في أزمة جديدة فهناك نقص حاد في موارد النقد الأجنبي مما أدى الى انخفاض كبير في المعروض منه في الصرافة مع عدم تلبية البنوك لطلبات عملائها من العملات الأجنبية واصبح السعر المرجح وهو 427.45 غير واقعي في الوقت الحالي ويحتاج الى تغيير حتى يصبح مواكبا لاتجاهات العرض والطلب حتى لا يؤدي الى ظهور السوق السوداء والسماسرة وتجار العملة الذين اختفوا منذ أغسطس الماضي مع بداية تفعيل آلية الصرف الحالية. واتهم الجوادي بعض شركات الصرافة بالانضمام لطبقة تجار العملة بالتلاعب في الأسعار واستغلال الأوضاع الحالية واحتجاز فوائض الدولار لزيادة الاحساس بالازمة والتحريض على رفع سعر الدولار دون مبررات حقيقية وقال ان هذا الأمر الذي يتطلب سرعة رد فعل من سلطات النقد سواء بتعديل الاسعار المرجحة أو بالتدخل بأدوات اقتصادية أخرى.. محذرا من التباطؤ في معالجة الموقف الحالي وخطورة الانتظار.. موضحا ان التردد في اتخاذ الاجراءات الصحيحة يزيد من الهوة بين الأسعار المرجحة ونظيرتها في السوق السوداء ويعود بسوق الصرف للخلف وربما يؤدي لوجود ثلاثة أسعار للدولار الأول حكومي تتعامل به البنوك والآخر بعض شركات الصرافة وثالث للسوق السوداء.. كما طالب الجوادي بالتروي قبل ضخ كميات جديدة من الدولار وذلك التأكد من قدرتها على انهاء هذه الأزمة واستعادة الاستقرار.. مشيرا الى أن اللجوء لهذا الاجراء السهل يستنزف احتياطي النقد الاجنبي الذي يجب المحافظة عليه خاصة وان موارده تراجعت بشدة في الفترة الحالية. معطيات كثيرة للازمة ويرى حسين عبدالعزيز نائب رئيس مجلس ادارة البنك الاهلي المصري ان توقف البنك المركزي منذ شهرين عن ضخ دولارات جديدة وانخفاض الفائض الذي لدى شركات الصرافة وتعمد شركات أخرى احتجاز فوائضها من الدولار لاستغلال حاجة البنوك اليها وكذلك تراجع تحويلات المصريين العاملين بالخارج.. فضلا عن ظهور طلب متزايد من أصحاب المديونيات والاعتمادات المستندية القديمة للحصول على الدولار بالاضافة الى تراجع موارد السياحة بنسبة كبيرة كل ذلك شجع هواة التلاعب وافتعال الازمات على استغلال هذه الأوضاع في دفع السوق لازمة جديدة خاصة في ظل اجواء الحرب والقلق التي تسيطر على المنطقة مشيرا الى ضرورة قيام البنوك بالبحث عن موارد اضافية لتلبية احتياجات عملائها والحيلولة دون لجوئهم لشركات الصرافة وحول امكانية وجود بديل لتخفيف الضغط على البنوك من جهة نقص الموارد في العملات الاجنبية يوضح حسين عبدالعزيز ان الوضع الحالي ربما يدفع بعض البنوك الى محاولة الاقتراض من الخارج لتوفير احتياجات العملاء ومنع ظهور السوق السوداء مجددا.. بالاضافة الى احتمال اصدار سندات دولارية وطرحها الا ان ذلك الخيار غير وارد بقوة في ذهن معظم البنوك نظرا لعدم قدرة البورصة على استقبال هذه النوعية من السندات حاليا. كما رصد نائب رئيس مجلس ادارة البنك الأهلي المصري عاملا أخر يكرس تراجع موارد البنوك الدولارية يتمثل في التحويلات السلبية التي يقوم بها المستثمرون الاجانب عند الخروج من البورصة حيث يقومون بزيادة الطلب على الدولار لتحويله للخارج ممايضاعف من حجم الضغوط وشدتها على القطاع المصرفي لتمويل العجز عن هذه الممارسات الضارة. ترشيد الاستيراد طواعية وطالب عبدالعزيز المستوردين المصريين بتفويت الفرصة على المتلاعبين من شركات الصرافة وضرب السوق السوداء بترشيد الاستيراد وقصره على مستلزمات الانتاج الضرورية والسلع الوسيطة والمنتجات التي لا يوجد لها مثيل في السوق المحلي.. بالاضافة الى عدم الهرولة والاستجابة إلى ما يروج له سماسرة العملة من ضرورة شراء الدولار حاليا قبل زيادة سعره حتى وان لم تكن هناك حاجة في الوقت الراهن.. مؤكدا ان هذا السلوك يمكن السوق السوداء من الانتعاش ويساهم في تكريس الأزمة ويوجد طلبا غير حقيقي على الدولار في فترة تشهد تراجعا حقيقيا من موارد النقد الاجنبي.. كما أشار الى أن الأوضاع الراهنة تتطلب من المستوردين ترشيد الاستيراد طواعية ومواجهة استغلالهم من بعض تجار العملة لافتعال الأزمات غير الحقيقية. القاهرة ـ يوسف شاكر: