أكدت المنظمة العربية للتنمية الصناعية في أحدث دراسة اقتصادية لها بعنوان (المناطق الحرة للصادرات في البلدان النامية) آثارها على التجارة وسياسات التصنيع، أن مستقبل المناطق الحرة في ظل المتغيرات الجارية في الوضع الاقتصادي العالمي سيشهد تحولات نوعية من بينها إقامة مناطق حرة لانتاج الخدمات وتصديرها بديلا عن المناطق الحرة لإنتاج السلع علما أن دليل ذلك سعى بعض الدول مثل مصر والإمارات العربية المتحدة لإقامة منطقة إعلامية حرة. وحضت الدراسة على ضرورة الشروع بحوار منسق على الصعيد الدولي بشأن جميع عمليات المناطق الحرة لتعميق كفاءتها في التصنيع والتجارة الدولية وبما يستلزم ذلك من إنشاء غرفة مقامه لتبادل المعلومات وبشكل منظم لزيادة الشفافية في استراتيجيات الاستثمار في هذه المناطق. وبالنسبة لتقييم دور المناطق الحرة في تنمية الصناعة والتصدير نصح الدكتور مجيب حسن محمد بكلية الاقتصاد والمحاسبة جامعة السابع من إبريل بالمغرب معد الدراسة إنه ينبغي أن تحدد البلدان النامية بوضوح الوظيفية والدور المناط بالمناطق الحرة في سياساتها التصنيعية والتصديرية، وأن تأخذ بنظر الاعتبار أن نجاح المناطق الحرة يتوقف على مجموعة من العوامل. وأوضح الدكتور مجيب حسن أن هذه العوامل تتضمن قرب المنطقة الحرة من الأسواق العالمية الرئيسية، وتوافر المقومات الجيو اقتصادية اللازمة لها، وتوافر العمالة المدربة وذات التكلفة المنخفضة نسبيا، والإستقرار السياسي والاقتصادي، علاوة على الإلتزام بمبدأ الإنفتاح في مجال الاستثمار والتجارة. ولفتت المنظمة العربية الصناعية أنه بالنظر لمحدودية الأثر الإنمائي للمناطق الحرة على اقتصاديات البلدان المضيفة للإستثمارات فيها فإن المناطق الحرة بوصفها فرصا إضافية لتوليد الوظائف فإن الدور الذي لعبته المناطق الحرة في هذا المجال لايزال ضعيفا وذلك لأن حجم فرص العمل التي وفرتها المناطق الحرة في هذه البلدان لا تزيد عن 2.6% من حجم القوى العاملة الصناعية المسجلة فيها علاوة على ذلك ضعف آثار التعلم واكتساب الخبرات بين الصناعة المحلية والصناعة في المناطق الحرة بسبب عدم التكامل بينهما نجد أن الآثار التي تتركها المناطق الحرة سواء على مستوى فرص العمل أو تغيير التركيبة المهارية للقوى العاملة مازال ضعيف ولا يعتد به. وأبرز حسن أن المناطق الحرة بوصفها مصدرا إضافيا للعملات الأجنبية ينبغي رصد الحصيلة من العملات الأجنبية التي تستطيع المناطق الحرة توفيرها من خلال التدفقات التي تأخذ شكل إيرادات الصادرات من منتجات المناطق الحرة، ورؤوس أموال الاستثمارات مشيرا إلى أنه لابد من التأكيد على صافي قيمة الإيرادات من صادرات المناطق الحرة ذلك لأن الكثير من هذه الإيرادات سيعاد إنفاقها على شكل موارد بالعملات المحلية والأجنبية لتجهيز وتهيئة المناطق الحرة نفسها «تكاليف عقارات»، وبنية تحتية». وحضت الدراسة على أنه يجب تجنب الإفراط في النفقات غير الضرورية في تجهيز المناطق الحرة ذلك لأن السهولة الإدارية في الإعفاء من رسوم الاستيراد تعتبر أفضل وسيلة في جذب المستثمرين بدلا من تقديم تكاليف تفصيلية لقاء استئجار الأرض أو المصنع أو إمدادات الماء والكهرباء التي تضع على البلدان المضيفة للإستثمار تكاليف لا مبرر لها. وحضت الدراسة البلدان النامية ألا تعطي للمناطق الحرة وزنا أكبر مما تستحق في قطاعات التصنيع ويجب أن ينظر إليها بوصفها أداه تابعة لأشكال أخرى من التنمية الصناعية والتصديرية ذلك لأن المناطق الحرة للصادرات لا تخلق الميزة النسبية للبلد المضيف وإنما كل ما بوسعها عمله هو مجرد البناء والعمل على أساس هذه الميزة النسبية خصوصا أن نصيب صادرات المناطق الحرة إلى مجموع الصادرات من السلع المصنعة، ونصف المصنعة لا تتجاوز 5% بأحسن الأحوال. وفيما يتعلق بالمناطق الحرة في البلدان العربية سجلت الدراسة أن إيرادات المناطق الحرة إلى إجمالي الدخل المتحقق من الصادرات لم يتجاوز أكثر من 1.2% في مصر على سبيل المثال لا الحصر فضلا عن أن زيادة القيمة المضافة هل أحد الأهداف التي تسعى المشروعات الاستثمارية إلى تحقيقها إلا أن مقدرة هذه المشروعات على توليد المزيد من القيمة المضافة المحلية. وأشارت الدراسة إلى أنه نظرا لتكامل معظم مشروعات المناطق الحرة رأسيا مع العالم الخارجي وذلك من خلال استخدام مدخلات الإنتاج المستوردة بدلا من إستخدام مدخلات الإنتاج المحلية فإن مقدار الإسهام في خلق القيمة المضافة المحلية سيكون ضعيفا. وكشف حسن أن نصيب القيمة المضافة محليا من صادرات المناطق الحرة لا يتجاوز 20% وتستأثر الأجور المدفوعة إلى العاملين في الإنتاج في صناعات المناطق الحرة بنسبة رئيسية من القيمة المضافة محليا مشيرا إلى أن تكلفة ساعة العمل في البلدان المتقدمة هي أكثر من عشرة أمثال مثيلاتها في البلدان النامية وعلى سبيل المثال فإن تكلفة ساعة العمل في أمريكا بلغت (13 دولاراً) في حين أن تكلفة ساعة العمل للعامل التونسي الماهر بلغت دولار واحد فقط. وإستطرد الخبير الاقتصادي العربي قائلا أن تفاوت الأجور بين البلدان المتقدمة، والنامية يؤدي في النهاية إلى تحويلات للقيمة تصب في النهاية لمصلحة، المستثمرين الأجانب والشركات الدولية خصوصا وأن القيمة المضافة له المحولة للخارج لا يعاد استثمارها لأغراض التوسع الصناعي في البلد المضيف للإستثمار وإنما تستثمر في مناطق أخرى علما أن هناك تنافسا قويا فيها بين البلدان على جذب المستثمرين الأجانب إلى مناطقهم الحرة. وعن دور المناطق الحرة للصادرات في تنمية الصناعة والتصدير ذكرت المنظمة العربية الصناعية أن الهدف الاساسي من إقامة المناطق الحرة في معظم البلدان النامية هو المساعدة في تنمية الصناعة وزيادة القدرة التصديرية لهذه البلدان مؤكدة أن إسهام المناطق الحرة للصادرات في زيادة التنمية الاقتصادية للبلدان النامية كان ولايزال إسهاما مخيبا على الأقل إذا قورن تأثيرها الاقتصادي بالأهداف الطموحة التي كانت البلدان النامية تسعى إلى تحقيقها من وراء انشاء المناطق الحرة وتشغيلها وربطت الدراسة بين ما سبق والخصائص المميزة لهياكل الإنتاج في المناطق الحرة والتي تتسم بإن طبيعة الصناعات فيها هي صناعات غير معقدة، وذات عمليات إنتاجية ليست وضيعة المستوى التقني، كما إنها تتكامل رأسيا مع الصناعات والمشروعات لجأت إلى نقل الصناعات أو المراحل كثيفة العمل من العمليات الإنتاجية إلى المناطق الحرة في البلدان النامية وذلك لرفض اليد العاملة قياسا بالبلدن المتقدمة. كما أشارت إلى أن إسهام الإستثمارات الأجنبية في المناطق الحرة في التكوين الرأسمالي للإقتصاديات المضيفة ضعيفة نسبيا لأن المصانع الموجودة في هذه المناطق تكون في الغالب مجرد وحدات إنتاجية بسيطة لا تتطلب آلات، ومعدات، وباهظة الثمن وتقوم بعمليات صناعية وإنتاجية كثيفة العمل لأن معظم إنتاج هذه المصانع هو من الإلكترونيات، وصناعة ملابس، ومنتجات جلدية، ومنتجات كهربائية، ولدائن، وقطع غيار للسيارات. ونبه حسن إلى أن السمة العامة لصناعات المناطق الحرة في الدول العربية والخليجية تتمثل في عدم وجود مدخرات خارجية هامة فالمناطق الحرة مثلا لم تستطع خلق قوى عاملة مدربة ، ومؤهله للعمل في القطاع الصناعي المحلي عندما تترك العمل في المناطق الحرة كما أن طابع إنغلاق المناطق الحرة والفوارق بين عملياتها الإنتاجية وعمليات القطاعات المحلية قيد إلى حد كبير من تنمية آثار التعلم وإكتساب التجارب والخبرات في البلدان المضيفة للإستثمارات. القاهرة ـ حسين عبد الهادي: