اقرت منظمة التجارة العالمية بإجماع الدول الـ (142) الاعضاء اعمال مؤتمرها الرابع في الدوحة الاسبوع الماضي اطلاق جولة جديدة من المفاوضات التجارية المتعددة الاطراف، وذلك بعد محادثات مضنية استمرت طيلة 6 أيام وحالت خلافات حول العديد من المسائل دون اختتامه في وقته المحدد التي كان ابرزها رفع الدعم عن الصادرات الزراعية واتفاقات حقوق الملكية الفكرية خصوصا فيما يتعلق بالادوية وادراج مسألة البيئة بين القطاعات التي تشملها التجارة.وبهذا يكون مؤتمر الدوحة قد تجنب المصير الذي آل اليه مؤتمر سياتل عام 1999 ولم يكن يتحقق ذلك لولا التنازلات التي اجبرت على تقديمها الدول الصناعية في اللحظات الاخيرة. الا ان الاتفاق الجديد تجنب اطلاق وصف «الجولة الجديدة» من المفاوضات كون ما سبق ان اتفق عليه لا يزال قائما لم ينفذ ويجب ان يتم ربط تنفيذ التعهدات السابقة بالموضوعات الجديدة المزمع ادخالها الى المفاوضات. لذلك فقد اطلق على الجولة الجديدة اسم (برنامج الدوحة للتنمية)، ومن ابرز ملامح المؤتمر انه تبنى اتفاق حقوق الملكية الفكرية المرتبطة بالتجارة بشقها المتعلق بالادوية، وهو اتفاق في مصلحة الدول النامية حيث اقر استثناء عدد كبير من الدول الفقيرة من قواعد التجارة العالمية لاتاحة الفرصة امامها للاستفادة من اتفاق بين الاتحاد الاوروبي والدول النامية مما ازال احدى آخر العقبات امام بدء جولة جديدة من المحادثات التجارية.وطالبت مجموعة السبع والسبعين التي تضم دولا من افريقيا والكاريبي والمحيط الهادي بإعفائها من قواعد لوائح التجارة العالمية التي تنص على المساواة في المعاملة بين جميع الشركاء التجاريين حتى يمكن ان تستفيد من مزايا خاصة تفاوضت بشأنها مع الاتحاد الاوروبي، وكانت المجموعة هددت بالتصويت ضد بدء جولة جديدة من المحادثات التجارية ما لم تحصل على الاستثناء اللازم لتنفيذ اتفاق تجارة ومعونات وقعته مع الاتحاد الاوروبي في يونيو عام 2000. وهكذا فتح مؤتمر الدوحة على ما اطلق عليه «برنامج العمل» وهو بدوره يفتح الطريق لمفاوضات في نهاية المطاف تغطي اربعة مجالات اضافية، ومن اهم القضايا التي سيجري ادراجها من البداية وربما في نهاية يناير هي: مشاكل التطبيق اي طائفة المشكلات التي تعانيها الدول النامية في تطبيق الاتفاقات التي جرى التوصل اليها في المفاوضات السابقة في اطار جولة اوروجواي التي امتدت بين عامي 86 و93 والتي شارك فيها الكثير منها للمرة الاولى.ثم الزراعة حيث ان المفاوضات التي بدأت في العام الماضي في مقر منظمة التجارة العالمية في جنيف لمتابعة وتوسيع الاتفاق بشأن الزراعة الذي جرى التوصل اليه في اطار جولة اوروجواي تم ادخالها ضمن المحادثات الجديدة.والخدمات وهي كما في حالة الزراعة فان المفاوضات التي بدأت في عام 2000 بشأن توسيع نطاق اتفاق سابق يغطي مجالات مثل الاعمال المصرفية والتأمين والاتصالات والسياحة اصبحت جزءا من برنامج الدوحة، ثم التعريفات الصناعية التي تمثل احد الاهداف الرئيسية بالنسبة للقوى الكبرى في العالم مثل دول الاتحاد الاوروبي والولايات المتحدة. وقد هدفت المفاوضات في هذا الشأن الى فرض المزيد من خفض الرسوم الجمركية او الغائها كلية عن أي منتج تود الدول الاعضاء في منظمة التجارة ضمه، وهدفت على وجه الخصوص الى الحصول على تخفيضات او الغاءات للتعريفات الجمركية المرتفعة خاصة تلك التي تفرضها الدول الغنية على سلع واردة من الدول الافقر والمشتريات الحكومية حيث هدفت المحادثات الى تحديد قواعد منظمة التجارة العالمية التي ستلزم حكومات الدول الاعضاء بالانفتاح بشأن الطريقة التي تختار بها الشركات للقيام بمشروعات تمولها الدولة. الا ان تلك المحادثات لا تلزم المشاركين بفتح اسواق مشترياتهم امام الشركات الاجنبية.وفي المقابل فان ملف الملكية الفكرية الذي يحتوي على الادوية والصحة بشكل عام تم تمريره بسهولة بفضل فترة السماح لمدة عشر سنوات للدول النامية بتصنيع ادوية مشابهة لادوية مصنعة في الدول الصناعية دون خضوعها لقواعد الملكية الفكرية.وقد جاء مكسب الدول الاوروبية الرئيسية من موضوع البيئة الذي تم ربطه بموضوع التجارة وهذا يعني ان اثارة موضوعات عديدة مثل الاحتباس الحراري وحماية طبقة الاوزون واحتمال فرض ضرائب اضافية لحماية البيئة الذي يعني رفع تكلفة المنتجات في الدول النامية. ان ما حققه مؤتمر الدوحة من تقدم ما كان ليتم لولا التنازلات المتبادلة ما بين الدول الفقيرة والدول الغنية.ويمكن ملاحظة ذلك من سلسلة المطالبات التي اعلنت الدول العربية انها سوف تلتزم بها في المؤتمر الا ان نتائج المؤتمر اوضحت انها لم تنجز. فعلى سبيل المثال كان الموقف العربي المعلن والذي اتفق عليه خلال اجتماع تنسيقي عقد في القاهرة خلال شهر يوليو الماضي هو التضامن مع الدول النامية في الاعلان عن عدم الرضا ازاء عدم التزام الدول المتقدمة بتنفيذ تعهداتها في جولة اوروجواي ولا سيما السماح بالنفاذ الى الاسواق الاوروبية وتخفيف الاجراءات الحمائية ولا سيما على المنتجات الزراعية والصناعية والمساعدات التقنية.ويلاحظ ان هذه المطلب قد تحقق بشكل جيد الا انه في الجانب الاخر لم يتم - وكما تطالب الدول العربية والنامية - ربط الموافقة على اطلاق جولة جديدة من المفاوضات بوضع آلية زمنية لتفعيل تنفيذ تعهدات الدول المتقدمة. وقد وافق المؤتمر كذلك على اضفاء مرونة اكبر على جدول تعهدات تحرير قطاع الخدمات بما يتناسب مع القدرات النامية للدول الفقيرة بدلا من التقيد بجدول التحرير الكامل عام 2004 وهو الموضع الذي تطالب به الكثير من الدول النامية.كما كانت ترفض ايضا بحث عدد من الموضوعات الجديدة التي تروج الدول المتقدمة لادخالها بضمن المفاوضات ولاسيما ربط تحرير التجارة بالاستثمار والمنافسة والبيئة ومعايير العمل الدولية ومنها عمالة الاطفال والاجور وقوانين العمل المحلية.ويلاحظ هنا ان المؤتمر اعترف بأن منظمة العمل الدولية هي المكان الملائم لمناقشة قضايا الاجور وقوانين العمل المحلية وتأثيراتها الاقتصادية.الا انه فيما يخص ربط التجارة بالبيئة والمنافسة فقد تمت الموافقة عليه على الرغم من معارضة الدول النامية كونه يهدف في النهاية الى الحد من القدرات التنافسية لمنتجات الدول النامية وخليجيا وعربيا، من المعروف ان خمس دول خليجية انضمت رسميا الى منظمة التجارة العالمية هي البحرين والكويت (عام 1995) وقطر والامارات (عام 1996) واخيرا سلطنة عمان عام 2000 في حين لا تزال المملكة العربية السعودية التي تمثل الثقل الاكبر في الاقتصاديات الخليجية تتفاوض بشأن جداول تعهداتها حيث ترفض عددا من المطالب غير المنصفة للمنظمة وبشكل خاص تلك التي تتعارض مع مكانتها الاسلامية المقدسة، كذلك الحال بالنسبة للعديد من الدول العربية الاخرى التي تقف في طابور التقدم لطلب العضوية.الا اننا لم نلحظ تحركا عربيا موحدا خلال المؤتمر يهدف الى تكتيل الموقف العربي خلف المطالب السعودية وبقية الدول العربية وعدم تركها وحدها في مواجهة المطالب المتزايدة للمنظمة. والمثال الابرز على ذلك هو ما تعانيه المنتجات البتروكيماوية الخليجية والمنتجات الزراعية العربية من اجراءات حمائية شديدة للنفاذ الى الاسواق الاوروربية، وكذلك شحة المساعدات التقنية وتقنينها بصورة شديدة في حين تصر الدول المتقدمة على التقيد الكامل لفتح اسواق الدول النامية امامها لدرجة تهدد باغراق هذه الاسواق وكذلك لحماية حقوق الملكية حيث وجهت الدول المتقدمة ومنها الولايات المتحدة تهديدات مباشرة لدول الخليجية بفرض عقوبات اقتصادية نتيجة اعمال القرصنة والتقليد والنسخ التي يشهدها بعضها. ويؤكد خبراء اقتصاديون عرب ان مما يزيد الطين بلة هو اصرار الدول المتقدمة على ربط تحرير قطاعها الزراعي بادخال موضوعات جديدة بضمن المفاوضات تستهدف بالنهاية اضعاف القدرة التنافسية للدول النامية.