ان القروض الشخصية التي تقدمها للمواطنين في الامارات ولاسيما القروض الاستهلاكية تشكل فيما بعد خطرا واضحا وتهديدا للمجتمع ككل، فاذا كانت المخدرات هي آفة المجتمع وابتلى بها الكثير من ابناء الامارات، فان القروض الشخصية والاستهلاكية خاصة اصبحت وباء شديد الانتشار في مناخ يفتقر إلى الضوابط الاخلاقية التي يجب ان نتعامل بها في مصارفنا حينما تمنح قروضا لشريحة المتعطشين للتميز! والجانحين في بحر الاستهلاك والهائمين بنزوته، ولعلنا لا نبالغ إلى خطورة الامر الذي اصبح خارج سيطرة السلطات المعنية فالاحصاءات الواردة في التقارير والنشرات المصرفية تؤكد على ان حجم القروض الشخصية قد بلغ في نهاية عام 2000 نحو 32 مليار درهم، (اثنان وثلاثون مليار درهم) نصفها قروض استهلاكية والنصف الاخر قروض تجارية، على الرغم من ان القروض التجارية هي في ظاهره قروضا تجارية وفي حقيقتها قروض استهلاكية، وهذا الحجم من القروض الشخصية يشكل ما نسبته 47.8% من اجمالي حجم ودائع الافراد لدى الجهاز المصرفي التجاري بالامارات اي ان نصف الودائع تقريبا يذهب على هيئة قروض شخصية تقدمها المصارف التجارية لعملائها، فأي تنمية اقتصادية يمكن احداثها؟. لقد استشرت ظاهرة الديون على افراد المجتمع في الامارات بشكل واسع واصبحت هذه الديون تحصد الفرد والاسر نفسيا، واجتماعيا واقتصاديا حتى اضحت هذه الظاهرة مشكلة بل معضلة حقيقية لها انعكاساتها الخطيرة على مجتمع الامارات، واصبح عدد المقترضين من المصارف ومن غيرها في تنام وحسبما نشرنا ان هناك 95% من مواطني الامارات مدينون للمصارف وربما البعض قد ورط نفسه في ديون وبمرور الايام والشهور تأكد له بانه لا فكاك منها فما ان ينتهي قرضه حتى يتقدم لقرض آخر وهكذا ليصبح بعد ذلك مدمنا بالقروض المصرفية وغيرها حيث يصبح يستلذ ان يكون مدينا سواء للمصارف أو للأفراد، فيما البعض الآخر وبدوافع الحاجة الماسة يلجأ إلى المصارف للاقتراض سواء بقصد الزواج أو بناء مسكن لاسرته أو لتغطية نفقات مدرسية أو عائلية معينة، وربما يكون القرض في بداية الامر صغيرا، ولكن مع مرور الزمن يصبح مدمنا للقروض حيث تكون قروضه بعد ذلك استهلاكية وليست ضرورية وهكذا يدخل الجميع إلى نفق القروض المظلم . ومن هذا المنطلق ولمرارة الدين وتأثيراته على الفرد والمجتمع فان الرسول صلى الله عليه وسلم كثيرا ما حذر من الدين بل انه صلى الله عليه وسلم قد رفض ان يصلي على ميت مدين الا بعد ان يسدد دينه من قبل ذويه، كما ان الرسول صلى الله عليه وسلم كثيرا ما يردد في دعائه «اللهم اعوذ بك من غلبة الدين وقهر الرجال»، كما قال صلى الله عليه وسلم في حديث شريف «يغفر للشهيد كل شيء الا الدين» وعلى الرغم من تحذيرات الرسول الكريم الا ان الديون اصبحت ظاهرة يعاني منها المجتمع الاسلامي ككل سواء الدول والحكومات أو الافراده، ومجتمع الامارات جزء من هذا المجتمع الاسلامي، حيث ابتلى افراد بالديون التي وصفها صاحب السمو رئيس الدولة حفظه الله بالآفة حينما قال: «لقد لاحظنا كثرة اعداد الذين يلتمسون العون والمساعدة لتسديد ما عليهم من ديون تجاه البنوك مما يدل على ان مشكلة تفاقم الديون قد اصبحت آفة منتشرة بين المواطنين والوافدين في الدولة»، وقد كان سموه محقا في وصف هذه الديون «بالآفة» التي يكتوي بنارها المقترض وذويه والمجتمع ككل، لانها تحصد الفرد والاسرة والمجتمع، وهي فوق ذلك كما قال القائل «هم بالليل وذل بالنهار»، ومهما حاول صاحب السمو رئيس الدولة التخفيف من معاناة الفرد والاسرة في الامارات من خلال الافراج عن 6000 «ستة آلاف سجين» كما حدث مؤخرا فان الاحصائيات تؤكد على ان مدمني القروض المصرفية في تزايد وان الداخلين إلى نفق الديون كثر بل يتزاحمون على الدخول فيه، والمصارف تلعب دورها في اقتناص الفرص السانحة لها وتساهم بزج المقترضين في هذا النفق المظلم لاسيما وان اهم معايير النجاح لدى ادارات المصارف ولاسيما الوطنية منها هو عدد المدينين «المقترضين» وليس عدد المودعين «الدائنين» لذا فان مدراء المصارف العاملة في الامارات ومن يعمل معهم يتسابقون نحو اقتناص العملاء «الفريسة» غير عائبين بما يترتب على ذلك من مآس ومشاكل على الفرد والاسرة والمجتمع وربما في بعض الاحيان على المصارف الدائنة حينما يتعثر المقترض عن السداد بسبب مشاكل تحدث له أو ازمة يتعرض لها أو ربما تعرض لانهاء خدمات بسبب مشاكله المالية حينها تجد هذه المصارف ان هناك قروضا مشكوكا في تحصيلها، وانها امام مشكلة حقيقية، فإذا لجأت إلى المحاكم، فان الفترة سوف تطول، وربما لا تحصل حتى على اصل القروض التي قدمتها لعملائها المغرر بهم، ويصبح التسابق بين المصارف بعد ذلك نحو تحصيل الديون الهالكة أو المشكوك في تحصيلها سواء عن طريق المخاطبة المباشرة والاستجداء والترجي للعملاء مع استعداد للتنازل عن جزء أو كل الفوائد المحتسبة والتي اصبحت أكبر من اصل القرض أصلا، أو عن طريق الشرطة من خلال أسلوب التهديد بالسجن أو عن طريق المحاكم وهذا الحل الأخير هو العلاج الأخير أو الملجأ الاخير حيث القضايا المتراكمة واختلاف المحاكم، وتدخل فيها لعبة المحامين ولغة المساومات، وتصبح هذه المصارف والمديرون (الاذكياء) طرفاً حقيقياً في نفق الديون، وقد يتعرض البعض منهم إلى إنهاء خدماته ويخسر وظيفته بعد ان تسبب في خسارة العديد من العملاء المواطنين لوظائفهم لانه قد منحهم قروضاً أكبر من طاقتهم ومارس (شطارته)، للايقاع بهم في فخ المديونية، أو استغل حاجة البعض ومنحه قروضاً اصبحت بعد ذلك سجناً لا خروج منه، وفي معظم الاحيان فإن بعض المصارف العاملة في الدولة تمارس دوراً سادياً ضد ابناء الامارات لاسيما أولئك المسكونين بالديون الناجمة عن نزعة مغرقة في الاستهلاك ولاسيما وان بعض ادارات تلك المصارف تنجح في اختيار موظفيها القادرين على تنفيذ سياستها في اقتناص أولئك (المسكونين بهاجس الديون)، أو «ذوي الحاجة القاهرة» الطامعين في تحسين مستواهم الاجتماعي وتكوين أسر لهم وهؤلاء الموظفون (الاذكياء) يتقنون فن اللعبة ويستوعبون التوجيهات العامة جيداً لدرجة ان العميل المدين متى ما أراد الخروج من نفق الديون وهو في بدايته ويسدد ما عليه نجد ان ذلك الموظف وربما ذلك المدير يواجهان العميل المتمرد بمزيد من الاغراءات كي يستمر في اقتراض، واذا لم يجد هذا الاسلوب فإنهما يبالغان في الحيلولة دون خروجه من نفق الديون بفرض غرامات عليه، ربما تكون ظالمة في بعض الاحيان مما قد يترتب عليه اشكاليات بين البنك والعميل. لكن ما الحل؟ ـ بداية الحل هو يجب على المصارف التجارية والمحاكم والسلطات الامنية والمؤسسات المعنية الاخرى ثم الافراد ان يقرون بحقيقة وجود هذه المشكلة وبأنها تحولت الى ظاهرة لاتعرض الافراد للمساءلة القانونية فحسب ولاتعرض المجتمع لمشاكل اجتماعية واقتصادية فحسب وانما تعرض المجتمع المصرفي والاقتصادي لمشاكل حقيقية، فإذا كانت التركيبة السكانية أضحت أخطر المعضلات التي تواجه مجتمعنا، فإن مشكلة الديون هي أخطر المشاكل التي تعرض جهازنا المصرفي للمشاكل، ومجتمعنا الاقتصادي لهزات نحن في غنى عنها. ـ ثم لابد وحتماً ان تكون هناك ضوابط قانونية وقواعد تشريعية تحكم العمل المصرفي عامة وسياسة الاقراض خاصة كي تحد من تفاقم هذه المشكلة سواء تلك الضوابط صادرة من المصرف المركزي أو ادارات المصارف التجارية ذاتها وذلك حرصاً على سلامة الجهاز المصرفي وعدم تعرضه لأية هزة تسيء الى السمعة المصرفية وللاقتصاد الوطني بالامارات. ـ يجب على ادارات المصارف ولاسيما المصارف الوطنية ان تراجع آليات العمل الاداري فيها بحيث تمعن في اختيار مدراء فروعها والقائمين على الاقراض وذلك بالتأكيد عليهم للمحافظة على العلاقة القائمة بين المصرف والعميل ويقوم هؤلاء بتقديم النصح والارشاد للعملاء وعدم توريطهم أو اغراقهم في ديون لايستطيعون الخروج منها أو سدادها، وبالتالي توريط مصارفهم في ديون مشكوك في تحصيلها مما ينعكس على وضعية وسمعة القطاع المصرفي . ـ أهمية قيام المؤسسات المعنية ولاسيما الاعلامية بتوعية جمهور المتعاملين مع المصارف وأفراد المجتمع عامة بضرورة الاطلاع والتدقيق على الوثائق والأوراق التي يقومون بالتوقيع عليها عند طلبهم لقروض مصرفية من المصارف التجارية لمعرفة شروط القروض وكيفية احتساب الفوائد وجدولة الاقساط الشهرية وتاريخ السداد وغيرها وذلك تلافيا لحدوث أية اشكاليات بين المصارف والعملاء. ـ اهمية توعية افراد المجتمع بالدولة بعدم اللجوء الى الاقتراض من المصارف إلا عند الحاجة الماسة وعند الضرورة الفعلية، وبحيث لايتم الاقتراض لأهداف استهلاكية بحتة أو كماليات بقصد التبذير أو التقليد،وأهمية قيام الجهات والمؤسسات المعنية بدراسة فرض ضريبة أو رسوم جمركية عالية على السلع والبضائع الكمالية والاستهلاكية للحد من النزعة الاستهلاكية. ـ أهمية توعية المسجونين بسبب هذه القروض وذلك اثناء تواجدهم بالسجن من خلال برامج توعية يستدعى للمشاركة فيها نخبة من الاخصائيين الاجتماعيين والنفسيين والاقتصاديين وذلك للحيلولة دون عودة هؤلاء للاقتراض لأسباب بزخية عند خروجهم من السجن.