في مقالتنا الماضية قدمنا قراءة أولية للمؤتمر الوزاري الرابع لمنظمة التجارة العالمية وذلك بعد انعقاده في الدوحة بساعات قليلة، والمحنا الى بعض من طالب الدول النامية العادلة والتي لم تحظ باهتمام يذكر في كل مناقشات المنظمة واليوم نعطي صورة أكثر وضوحاً عما تمخض عليه ذلك المؤتمر محاولين تقويمه ونقده. ولاشك ان عوامل اقتصادية وغير اقتصادية تكمن وراء فوران التجارة الدولية في فترة العقود الستة الماضية وبالتحديد في العقود الثلاثة الأخيرة، وأهم هذه العوامل على الاطلاق زيادة الانتاج والكفاءة الانتاجية على المستوى العالمي والمحلي، وهذه الزيادة لم تأت عبثاً وكم تحمل بها الظروف سفاحاً أو اعتباطاً. انها النتاج الشرعي للقوانين العلمية المكتشفة في حقل التجارة الخرجية منذ أكثرمن قرنين من الزمان وأهم هذه القوانين. قانون الميزة المطلقة وقانون الميزة النسبية وقانون نسب التبادل التجاري وجميع هذه القوانين تلح في المقام الأول على ان لكل دولة ميزة مطلقة أو نسبية في انتاج سلعة أو سلع معينة أو خدمة أو خدمات معينة على الدول الاخرى ولذلك فمن الافضل لها ان تتمخض في انتاج هذه السلعة أو تلك الخدمة وتوجه كافة عناصر انتاجها لها وتتجنب الخوض في انتاج السلع الاخرى التي ليست لها ميزة على الدول الاخرى، واذا ما تحقق ذلك من قبل جميع أو أغلب دول العالم، فانه سيؤدي بالضرورة الى زيادة الانتاج وارتفاع معيار الانتاجية. وهذا بدوره سيعمل على رفع مستوى المعيشة للجميع وتتحقق معه الرفاهية الاقتصادية والاجتماعية، ولكن نتائج تطبيق قوانين التجارة الخارجية ليست دائما بركة على اصحابها، فالولايات المتحدة الامريكية المنحازة لفتح الاسواق على مصراعيها والمطالبة دائما بضرورة تحرير التجارة الدولية من كل عوائقها وشوائبها الاقتصادية وغير الاقتصادية، فانها نفسها اضطرت إلى طرد الملايين من العاملين لديها في صناعات الصلب والحديد والسيارات والملابس، لابل إن التجارة الخارجية حولتها من اكبر مقرض في التاريخ إلى اكبر مدين في التاريخ. ان وضع الدول النامية لاشك سيكون الاسوأ مع تحرير التجارة الدولية، ويكمن وراء ذلك اسباب عديدة أقلها ان انتاج هذه الدول وسلعها غير قادرين البتة على دخول سوق المنافسة مع سلع الدول المتقدمة، واكبرها وان ذلك سيؤدي إلى قتل صناعاتها الوطنية، وبالتالي القضاء على املها نهائيا في الخروج من نادي الدول المتخلفة والالتحاق بنادي الاغنياء والكبار. ان قوانين الاقتصاد شأنها شأن كل القوانين الاجتماعية تبقى حقائقها وصحتها نسبية، ولذلك تحاول كل دولة سحب هذه القوانين باتجاهها أو محاولة صرفها نحو الجبهة المرغوبة لديها بطريقة افضل، ولذلك لا غرابة ان وجدنا ان غالبية دول العالم خاصة المتقدمة منها تكيل بمكيالين وتبدو في وجهين في تفسير نظريات التجارة العالمية، فالولايات المتحدة الامريكية بقيت مخلصة لاهدافها في التجارة الدولية في هذا المؤتمر من خلال المطالبة برفع القيود عن الزراعة والغاء الدعم المقدم لها في دول الاتحاد الاوروبي، كي تنساب السلع الغذائية الامريكية إلى السوق الاوروبية بكل سهولة ويسر لا نها ستصبح منافسة لنظيرتها الاوروبية، وكذلك بقيت متمسكة وإلى حد بعيد بمبدأ الحرية الفكرية وما ينجم عنه من حصيلة مادية فائقة ارقامها فلكية - مئات المليارات من الدولارات - لصناعتها الدوائية، وبراءات اختراعها، في حين تطالب الدول النامية بالغاء هذه البراءات أو على الاقل تقليصها أمداً وتخفيضها ان لم يكن بالامكان ابدالها بصناعات أو تراخيص لصناعات محلية غير مكلفة، كان المثل البارز، ادوية الايدز، وكلفتها الخيالية والتي حصدت ملايين من البشر من فقراء العالم خاصة في افريقيا وآسيا (الهند وتايلاند) يموتون قهرا قبل ان تلاحقهم المنية فيروسا، وهنا .. وللأسف.. فان الانانية والمصلحة المادية صارتا تتغلبان حتى على القيم الاخلاقية والانسانية وامريكا تطالب دول العالم الثالث، واحيانا بشروط تعجيزية وجائرة، ان توضب اقتصادياتها لمتطلبات التجارة الخارجية، وفي جوهرها لمتطلبات العولمة الامريكية، لتصبح سوق الدول النامية سوقا للسلع والخدمات الامريكية بالدرجة الأولى، وفي المقابل فان المواقف الامريكية المتخندقة خلف قوانين التجارة الخارجية، تعود لتنحرف عن طبيعتها عند تعاملها مع الاقوياء امثال اليابان وكوريا والنمور الآسيوية، لدرجة ان المفاوض الامريكي يطالب نظيره الياباني بان تسرع اليابان في بناء قوتها العسكرية وحتى النووية «احياناً»، كي يصار إلى تعديل الموازين التجارية الامريكية المتدهورة امام غريمتها في بلاد الشمس المتألقة والحارقة، وهنا تتخلى الولايات المتحدة عن علمية القوانين وموضوعية النظريات ومعتمدة على الاجراءات الادارية والحمائية واحيانا البوليسية في تطبيق نظام الحصص التجارية أو ما يعرف باسم «الكوتا»، لقد استخدمت الولايات المتحدة في هذا المؤتمر ليس سلاح الاقناع الذهني والنفسي أو وسائل التهديد المبطن وانما ايضاً عمدت الى تقديم رشوات ـ ان جاز التعبير ـ عن طريق التلويح باعطاء الافضلية في التجارة لمن يركب العجلة الأمريكية. والاتحاد الأوروبي المكون من (15) دولة وان كان مختلفاً مع الولايات المتحدة الأمريكية على طول الخط فيما يخص زراعته الوطنية ودعمها من قبل الدولة إلا انه لم يقطب حاجبيه ولم يمعر وجهه على موت الملايين من دنيا المعمورة الذين حصدهم الفقر واغتالهم الجوع وسحقهم المرض، وقتلهم الجهل. ان مجموعة الدول النامية أو ما يطلق عليها بمجموعة الـ (77) والتي تضم غالبية دول آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية حاولت جاهدة، وناضلت مجتمعة هذه المرة لتحقيق الحد الادنى من مصالحها ـ وبالواقع مطالبها العادلة ـ وفي البداية اطلقت هذه الدول وعلى لسان الهند اشد الانتقادات لمشروع البيان الختامي لدرجة انها وصفته بانه غير عادل لانه تجاهل قضايا اساسية وابرز وجهات نظر دول معينة وتجاهل سواها، لكن نهج التنازلات ادى بها في النهاية الى اضاعة الكثير والقبول بالقليل، وكان ذلك بغية الا يقال عنها انها اوصلت المؤتمر الى السقوط في وحل مؤتمر سياتل السابق، كما فعلت الولايات المتحدة، ورغم مطالبة هذه المجموعة أو بعضها على الاقل في ان تكون محتويات البيان الختامي موجهة اصلاً الى التنمية كهدف اساسي لا التجارة ـ الا ان مطالبها ذهبت أدراج الرياح ولابد ان نشير الى موقف المنظمات غير الحكومية المناهضة للعولمة والتي واصلت حملاتها على منظمة التجارة العالمية في الدوحة ولكن بوتيرة اقل ونبرة اخف مما كانت عليه في المؤتمرات السابقة، كانت حربها هذه المرة ليست بالعضلات ولا بالخناجر والافواج وانما كانت من خلال حرب البيانات والملصقات للوقوف ضد الاتجاه الهادف الى اطلاق جولة مفاوضات جديدة من اجل تحرير التجارة العالمية وهو الغاية الاساسية من اهتمام مؤتمر الدوحة إن المنظمات الأهلية وغير الرسمية والشعبية ومنظمات اصدقاء الارض وعددها بالمئات بالموتمر لم تستطع هذه المرة ان تبرهن على ان الايديولوجيا اقوى من التكنولوجيا، ولا ان الطبيعة البشرية الفطرية احق بالحياه من التطلعات المادية المكتسبة وباستثناء النقد لاسرائيل على لسان أحد معارضي العولمة «جوزي بوفيه» الناشط الفرنسي ووصفها بانها رأس حربة العولمة، وان حملتها العسكرية في فلسطين تمثل حرباً استعمارية جديدة ونموذجاً حقيقياً للابارتايد (الفصل العنصري) فان وفداً اسرائيلياً بالمؤتمر كان يسرح ويمرح لدرجة انه اجرى اتصالات مع بعض الوفود العربية. وقد أكد رئيس روني ميلو وزير التعاون الاقليمي ان هناك رغبة لدى الاطراف العربية في التعاون الاقتصادي مع اسرائيل ومشدداً على أهمية الزراعة ومحاولاً ادخال بلاده في مجموعة الدول النامية رغم انها تصنف في خانة الدول المتقدمة، ان طلباً كهذا يهدف للنفاذ الى أسواق هذه الدول بسهولة أكبر مما هو عليه الحال، نقول انه باستثناء ذلك النقد اللفظي، فان الدول العربية باعتقادنا كانت وحدها الخاسر الأكبر في هذا المؤتمر وان اسرائيل هي الرابح الأكبر، ولو أن الدول النامية ككل لم تكن هذه المرة مستاءة كما كان عليه الحال في المؤتمرات السابقة وخاصة في مؤتمر سياتل الذي عقد بأمريكا قبل سنتين حيث كانت الخلافات داخله عميقة، وآراء الوفود متطرفة وبالتالي نتائجها سلبية.