تناولت أعمال الجلسة الثانية للمنتدى التي أدارها عبدالعزيز الغرير الرئيس التنفيذي لبنك المشرق وكان المتحدث الرئيسي بالجلسة بول كنيدي مدير مركز الدراسات الأمنية الدولي بالولايات المتحدة والاستاذ بجامعة يل الأمريكية. بدأت أعمال الجلسة بكلمة لعبد العزيز الغرير لخص فيها مناقشات المنتدى خلال اليومين الأولين وكيف انه يمكن ان تنجح دبي في تحقيقها رؤيتها المستقبلية في ظل القواعد الجديدة للعبة في عالم متعولم. مشيراً الى ان دبي ليست بمعزل عن العالم وأن المنتدى نجح في طرح القضايا العالمية ووضع الحقائق والمعلومات أمام الحاضرين ليشارك الجميع في رسم الصورة المستقبلية لدبي في ضوء المتغيرات والأحداث العالمية. من جانبه تحدث بول كنيدي عن تعريف القواعد الجديدة التي تشكل وتعيد صياغة العالم معتمداً في ذلك على طرح ثلاثة أبعاد أساسية لرؤيته لهذه القواعد تتمثل في السياسة الجغرافية في العالم وفي المنطقة العربية ومنطقة الشرق الأوسط وأخيراً تحديد الخيارات المتاحة أمام دبي من وجهة نظره في ظل هذه القواعد الجديدة للعبة التي أخذت أبعاداً واتجاهات جديدة بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر الماضي في الولايات المتحدة الأمريكية. وأكد كنيدي في كلمته على ضرورة قيام دبي بتحديد خياراتها في صياغة قواعد اللعبة وفقاً لرؤيتها الخاصة وطرح خيارات خمس لتحديد أفضلها، وتناول كنيدي في كلمته كذلك التيارات العالمية وتأثيراتها على منطقة الشرق الأوسط بشكل عام والامارات بشكل خاص. وأكد ان الآفاق المستقبلية للخارطة الدولية جيدة ما عدا منطقة الشرق الأوسط التي يصعب التوقع بتوجهات المؤشرات بها لأسباب مختلفة بعضها يعود للنمو السكاني المتزايد فيها والاخر يعود الى تراجع معدلات النمو الاقتصادي فضلاً على ان تشكل بؤرة للصراعات في العالم التي تعيق تحقيق النمو. واستثنى كنيدي من منطقة الشرق الأوسط دولة الامارات من الآثار السيئة لهذه الاتجاهات مشيراً الى ان الامارات تملك مقومات وامكانيات تؤهلها للانضمام للعالم الأول في ظل تمتعها بوجود قيادة واعية تدرك آفاق المستقبل وتواكب تطوراته بعزيمة قوية. واستعرض كنيدي في كلمته أيضا الموقف العالمي من هذه القواعد وكيف تتدخل مؤثرات اخرى في تحديدها وكذلك الوضع العربي من ذلك حيث اشار الى ان العالم يعيش حالة من التباعد بين أطرافه ومنقسم الى فريقين الأول يتمثل في الدول المتقدمة والآخر يتمثل في الدول النامية والفقيرة وان هناك فجوات كبيرة بين الفريقين في مجالات مختلفة. العالم العربي وحول نصيب العالم العربي من هذه اللعبة قال كنيدي ان الصورة في العالم العربي ومنطقة الشرق الأوسط ممزوجة ومتقلبة ويصعب التوقع بتوجهاتها التي يعتقد أنها ليست جيدة بشكل عام إلا ان هناك استثناءات من ذلك بالنسبة لدبي التي استطاعت ان تضع نفسها في موقع متقدم بين المدن المتطورة والساعية نحو التميز في شتى المجالات. وأشار كنيدي ان الفجوات بين الدول الغنية والفقيرة آخذة في التفاقم لاسيما الفجوة السكانية التي تمثل عاملاً رئيسياً في تحديد قواعد اللعبة حيث تتميز الدول الغربية والأمريكية بتحكمها في تنظيم عمليات النمو السكاني على عكس الدول النامية التي تتزايد فيها معدلات السكان بشكل يثير المخاوف والقلق على مستقبل اقتصادات هذه الدول التي تعاني أساساً من مشاكل اخرى. وقال ان عدد سكان البشرية يصل الى 6 مليارات نسمة حالياً وخلال الخمسين عاماً المقبلة يتوقع ان يصل عدد سكان العالم الى 9 مليارات نسمة أي بحلول عام 2050 مشيراً الى ان معظم هذه الزيادة سوف يأتي من الدول النامية مما يقلل من نصيب الفرد من الدخل في الدول الفقيرة مقارنة بنصيبه في الدول المتقدمة. وتحدث كنيدي كذلك عن الطاقة السكانية الشابة ونسب زيادتها وما يمكن ان تمثله هذه الزيادة من أضرار أحياناً ونتائج مفيدة أحياناً اخرى عندما يتم استغلالها جيداً مشيراً الى ان 33% من سكان العالم يتألفون من فئة الشباب دون سن الخامسة عشرة وهي نسبة غير صحية في الوقت ذاته ترتفع هذه النسبة في العالم العربي وحدثه الى 42% وهي أعلى نسبة في العالم، مؤكداً أهمية استغلال هذه الطاقة الشابة في الوطن العربي والشرق الأوسط والاستفادة من مواهبهم بطريقة فعالة ومنتجة لتفادي توجههم على تبني سلوكيات سيئة تضر بمجتمعاتهم. وأوضح كنيدي ان الدول الأوروبية والأمريكية لاتعاني من هذه المسألة نتيجة السياسة السكانية المتوازنة التي تتبعها في هذا الاطار. وذكر كنيدي ان 15% من سكان العالم يستحوذون على 85% من ثروات العالم معظمهم في الدول المتقدمة بينما تتوزع نسبة 15% المتبقية من ثروات العالم على 85% من سكان العالم المتمثل في الدول النامية. وتابع كنيدي قوله ان الفجوة السكانية التي يشهدها العالم تجر وراءها فجوات اخرى في مستوى الدخل والنمو الاقتصادي والتكنولوجي، وقال ان النمو الاقتصادي العالمي يتوقع ان يحقق معدلات جيدة خلال النصف الثاني من هذا القرن مثل العقد الماضي مشيراً الى ان الصورة قد تكون محبطة أحياناً إذا ما لم تم وضع حدود وتقليل الفجوة الكبيرة بين الدول الغنية والدول الفقيرة لاسيما الفجوة الرقمية الآخذه في الاتساع بشكل متسارع بسبب النمو المتزايد في التطور التكنولوجي والتقني في الدول الغنية وعدم مواكبة الدول النامية لهذا التطور وعدم سعيها كذلك لملاحقته أو البدء في دخول هذه المرحلة. وأشاد كنيدي في هذا الاطار بتجربة دبي وسعيها الى اقتحام عالم الاتصالات الالكترونية والتقنيات التكنولوجية حيث ترتفع نسبة استخدام الهاتف المتحرك في الامارات عنها في الولايات المتحدة الأمريكية وان نسبة استخدام الانترنت في أمريكا تبلغ 4.7% بينما تزيد هذه النسبة في الامارات بالنظر الى الكثافة السكانية بين البلدين. وقال ان الدول المتقدمة تستفيد يومياً من خدمات الانترنت في حين ان هناك العديد من الدول لاتملك الانترنت أصلاً واخرى تستخدمه لكنها لاتستطيع الاستفادة من خدماته. قال كنيدي ان من التيارات العالمية الاخرى التي تحدد قواعد اللعبة هي طريقة معاملة أفراد المجتمع وطرق الانفاق مشيراً الى ان بعض الدول تعطى الأولوية للانفاق العسكري على حساب الانفاق الصحي والاجتماعي ضارباً مثالاً بالولايات المتحدة الأمريكية التي تنفق 9 آلاف دولار على كل جندي في حين يقل هذا المبلغ بالنسبة للقضايا الاجتماعية والصحية. الخيارات الخمس وطرح بول كنيدي امام المنتدى خيارات خمسة متاحة امام الامارات من وجهة نظره الخاصة تتمثل في عدم الاقدام على التغيير والثبات على الوضع الحالي إلا انه قال ان هذا الخيار لايمكن تطبيقه منطقيا في ظل عالم سريع التغيير والخيار الثاني التحول الى النظام السياسي الاسلامي معتبراً ان ذلك قد يعود بالضرر على دبي على حد قوله وقد لاقى هذا الخيار استهجان المشاركين الذين أكدوا أن الامارات بلد اسلامي لايمكن ان يخلع رداءه الاسلامي وجاء الخيار الثالث الذي طرحه كنيدي هو اعتماد العزلة، وقال ان هذا الخيار أيضاً خيار سيء في ظل عالم لاتفصله حدود حالياً استطاعت التكنولوجيا الحديثة ان تجعل منه قرية صغيرة وفي ظل تكتلات دولية أيضا. وكان الخيار الرابع أقرب هذه الخيارات للمنطق وهو اختيار نمط التحديث الذي ينسجم مع التقاليد ولايعادى العولمة والتقدم وبطريقة تتماشى مع التغيرات التكنولوجية السريعة في خضم عالم تتسارع التغييرات فيه، مؤكداً أهمية الاتجاه نحو الاستثمار في القطاعات الهامة مثل التعليم الذي لايقصد به التعليم في قطاع التكنولوجيا فقط بل يتعداه الى التركيز على نوعية التعليم التي تخلق اجيالاً من الشباب المتعلم القادر على القيادة السياسية والاجتماعية. أما الخيار الخامس الذي طرحه بول كنيدي هو سعي الدول الصغيرة لاقامة تحالفات سياسية وعسكرية لضمان الحفاظ على قوتها وتواجدها وتعزيز تعاونها مع الهيئات الدولية مثل منظمة الامم المتحدة. وتطرق كنيدي في حديثه الى تحديد مواقع الصراعات في العالم وتأثيرها على تحديد قواعد النظام العالمي المقبل حيث اشار الى ان مواقع الصراعات في العالم كما حددتها دراسة لأحد المراكز البحثية في السويد تتركز في أفريقيا والشرق الأوسط ومناطق من أمريكا اللاتينية حيث تكثر في هذه المناطق الخلافات والصراعات بمختلف انواعها مما يؤثر على تراجع فرص النمو موضحاً ان بداية القرن الحادي والعشرين شهدت وجود دول مجزءة ومنقسمة. وفي نهاية كلمته قال كنيدي ان الامارات تتفوق على دول اخرى كثيرة تقع في محيطها الديموغرافي اذا ما اجريت مقارنة بينها وبين دول اخرى في نفس المنطقة، وأكد كنيدي ان دبي في طريقها الى أن تتحول الى سنغافورة الشرق الأوسط بينما تسعى سنغافورة لتصبح سويسرا آسيا. وقال ان دبي تملك من الاستقرار والمهارات المتطورة والدخول المرتفعة وجود البنية التكنولوجية الجيدة ما يجعلها نموذجاً يحتذى به في العالم مشيداً في الوقت نفسه بقيادة دبي الرشيدة التي تستطيع اجتياز العواصف بسلام وتحقيق الريادة في شتى المجالات ببعد نظرها ورؤيتها الثاقبة للمستقبل وآفاقه. وعقب اختتام الكلمة تم فتح المجال للاسئلة والتعليقات التي صبت جميعها في التأكيد على ابراز هوية دبي المستقلة وأنها ليست سنغافورة أو سويسرا.