استهل منتدى دبي الاستراتيجي فعاليات يومه الاخير صباح امس بجلسة مهمة حول العولمة والتقدم التكنولوجي والتحديات المستقبلية، وقد تحدث في الجلسة التي ادارها محمد العبار مدير عام دائرة التنمية الاقتصادية بدبي، كل من جون ناسبيت المفكر والكاتب الامريكي المعروف، وباتريك ديكسون مؤسس مركز «جلوبال تشينج» بالمملكة المتحدة. واكدت المناقشات في هذه الجلسة اهمية الاتصالات في جذب الاستثمارات إلى أي بلد، كما اكدت ان خفض اسعار الاتصالات يسهم في جذب هذه الاستثمارات الامر الذي يتطلب كسر الاحتكار وفتح الباب للمنافسة في هذا القطاع الحيوي. واشارت المناقشات إلى ان العالم لم يحقق حتى الان اكثر من 5% من مسيرة العولمة، وقلل من المخاوف من ان العولمة ستؤدي إلى أمركة العالم في اشارة إلى ان الامركة التي يتعرض لها العالم لا تتعدى الامور السطحية مثل الجينز والهامبورج بينما المجتمع الامريكي ذاته يتعرض لتغيير هويته بعد ان اصبح الدين الثاني في امريكا حاليا هو الدين الاسلامي. وحول استخدام الانترنت اكدت المناقشات ان 99% من شركات الدوت كوم قد فشلت وان 90% من شركات الانترنت معرضة للفشل ايضا، وقد ناقشت الجلسة مسألة العولمة والتقدم التكنولوجي والاقتصادي وعلاقاتها بمضمون الهوية والفكر الانساني حيث بدأ الحديث المفكر والكاتب الامريكي جون ناسبيت صاحب كتاب «ميجاتريندز» الذي تناول قضية العولمة وقام بتحليل جوانبها في ضوء المجريات العالمية في محاولة لقراءة مستقبل العولمة خاصة في ضوء الاحداث التي شهدتها الولايات المتحدة في الحادي عشر من سبتمبر الماضي. واوضح جون ناسبيت ان دبي تمتلك فرصة جيدة للاستفادة من اوضاع العالم الحالية مع ضرورة تحليل الثوابت والمتغيرات في الواقع الانساني المحلي كما دعا دبي ودولة الامارات إلى التركيز على قضية التعليم وتسخير التقنية المتطورة في المدارس والمؤسسات التعليمية مشيرا إلى تقديره لاهتمام الحكومة بهذه الجزئية وحرصها على ادخال ثقافة الكمبيوتر إلى صلب العملية التعليمية مع عدم اغفال الجانب الانساني في المعادلة. واكد المفكر الامريكي على ان مسيرة العولمة لن تتأثر بالاحداث الاخيرة في الولايات المتحدة وان كانت شهدت مرحلة قصيرة من «التجمد الوقتي» الا انه اعرب عن ثقته في ان المحرك العالمي تجاه التوحد لن يردعه اي احداث متفرقة مهما كان حجمها، وقال: لقد ساهمت الاحداث الاخيرة على زيادة حجم التقارب العالمي خاصة بين الاقطاب الاربع للعالم المتثملة في الولايات المتحدة وبريطانيا والصين وروسيا، فقد قدمت هذه الاحداث للرئيس الامريكي الجديد جورج بوش الابن قضية تساعده على ابراز قدراته كرئيس للولايات المتحدة في حين بادر رئيس الوزراء البريطاني توني بلير إلى مساندة امريكا وحاول لعب دور وزير خارجيتها وسارع الرئيس الصيني زيمين بوصف الولايات المتحدة بانها اقرب صديق لبلاده ولم يضع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين الفرصة للدخول إلى الغرب من بوابة هذه الاحداث وكان اول رئيس يبادر بالاتصال هاتفيا بالرئيس بوش عقب حادث 11 سبتمبر. واستطرد الخبير الامريكي الذي يحمل اثنتي عشر شهادة دكتوراه فخرية في العلوم الانسانية في شرح رؤيته حول عملية العولمة، وقال ان الانسانية تمر حاليا بمرحلة وسطى بين القديم والجديد ويتوجب على البشر تحليل الثوابت والمتغيرات في مجتمعاتهم الانسانية، وقال ان مجالات الاتصالات والطب والفنون وغيرها من المتغيرات تمر بمراحل تطور متفاوتة السرعة مشيرا إلى ان سرعة نمو العولمة لا ترتبط بسرعة نمو مكوناتها مثل الانترنت وتكنولوجيا الهندسة الوراثية فالعولمة ابطأ من معدلات نمو مكوناتها. واكد المحاضر ثقته في ان معدلات سرعة نمو العولمة لم تتراجع وان التوجه نحو سوق واحدة عالمية ماض في طريقه حيث لا يملك العالم خيارا آخر دون ذلك في الوقت الذي اكد فيه ان ثورة تقنية المعلومات لم تصل بعد إلى معدلات النضج المطلوبة، وقال نحن لانزال في نهاية البداية لهذه الثورة، مشيرا إلى التغيرات الكبيرة الموازية لحركات التطور العالمية ومؤكدا ان ثورة الانترنت سوف تستمر ايضا خلال القرن المقبل، واضاف ناسبيت قائلا: ان ازدياد المنافسة سوف يخلق بلا شك الكثير من حالات الفشل وضرب مثالا بشركات السيارات وقال ان 99% من شركات السيارات التي انشئت في النصف الاول من القرن العشرين فشلت، متوقعا فشل نسبة كبيرة من شركات الدوت كوم نظرا لزيادة المنافسة. وتطرق المحاضر إلى قضية التعليم وعلاقتها بالتطور الانساني، وقال: تركز العديد من الدول المتقدمة على اقحام الكمبيوتر إلى المدارس والجامعات الا اننا لم نصل بعد إلى الاستخدام الامثل للكمبيوتر ولا تكمن اهمية الكمبيوتر في ذاته ولكن الاهمية الحقيقية هي تعليم ابنائنا كيفية استخدام الكمبيوتر للتعلم ومن الضروري ان نهتم بغرس وتعزيز القيم الانسانية في اطفالنا ولا ننجرف مع تيار التكنولوجيا على حساب الكيان والمضمون الانساني فبالرغم من حرصي على توفير جهاز كمبيوتر لكل طفل داخل الولايات المتحدة الا انني اكثر حرصا على ان ارى شاعرا في كل صف دراسي على الاقل. واوضح جون ناسبيت ان التطور الاقتصادي العالمي يحدث على مرحلتن الاولى مرحلة تفعيل العلاقات التجارية والاقتصادية بين الشعوب اما المرحلة الثانية فهي مرحلة التقارب بين الاقتصادات المحلية في اطار اقتصاد عالمي واحد مشيرا إلى ان دول العالم تتفاوت حاليا في هذه المرحلة ففي الوقت الذي حققت فيه بعض الدول نسبة 5% من الطريق نحو هذه الوحدة مثل الهند ومصر وروسيا والصين فان عددا اخر من دول العالم حقق 25% مثل كندا والولايات المتحدة. والمح جون ناسبيت إلى الاشكالية الثقافية في عملية العولمة وقال ان عملية الهجرة السكانية تمثل احد اركان هذه الاشكالية، وقال: يوجد حاليا 26 مليون اجنبي في الولايات المتحدة حاليا بينما من المتوقع ان يصل عدد سكان الولايات المحدة المقبلين من امريكا اللاتينية إلى 100 مليون شخص بحلول العام 2050 من بين 400 مليون اجنبي، وقال ان الدين الاسلامي يمثل الدين الثاني في امريكا بعد المسيحية باجمالي 7 ملايين مسلم موجودين هناك. وتطرق المفكر الامريكي إلى قضية التطور العلمي وقال ان العالم سوف يشهد صراعا بين العمل والدين في الحقبة المقبلة من تاريخه في ظل هذا التطور الكبير في مجالات الهندسة الوراثية والتقنية البيولوجية وقال: لقد واجه جاليليو وداروين صعوبات كثيرة عندما اطلقا نظرياتهما العلمية وذلك لان الناس لم يكونوا مستعدين آنذاك لتقبل تلك النظريات ونحن حاليا نمر بهذه المرحلة في ظل المتغيرات المصاحبة لعملية العولمة في مرحلة وسطى بين القديم والحديث وفي الوقت الذي سيكون في يد العلماء مفاتيح التطور العلمي لن يكونوا قادرين على امتلاك مفاتيح الروح والعقل والايديولوجية الانسانية. رؤية مستقبلية وفي الجلسة ذاتها تحدث الخبير باتريك ديكسون مؤسس مركز «جلوبال تشينج» بالمملكة المتحدة والذي استهل محاضرته بالاشادة بقدرات دبي ورؤيتها المستقبلية، وقال: لم ار في حياتي دولا صغيرة في حجم دولة الامارات تقدم على بناء جزيرتين في الخليج في ظل رؤية تهدف إلى تعزيز القدرات السياحية والاقتصادية وهذا يعكس العزيمة القوية على التطوير والانجاز. وقدم ديكسون نظرة متفائلة حول الاثر المتوقع من وراء احداث الحادي عشر من سبتمبر في الولايات المتحدة وقال ان الاقتصاد العالمي في حالة اعادة تقييم اوضاعه لاتخاذ طريقه مرة اخرى على طريق النمو مع توقع حدوث انتعاشه اقتصادية قد لا توازي في حجمها الانتعاشات المماثلة الماضية، وقال ان اقدام الافراد في الولايات المتحدة على تسديد ديونهم للبنوك وتحديد القروض الممنوحة سوف يساهم في هذه الانتعاشة المتوقعة. في الوقت نفسه تطرق إلى قضية التعليم مشيرا إلى جهود دبي المتميزة في هذا المجال ومنوها برؤية حكومة دبي التي تعمد إلى التركيز على عنصر التعليم خلال السنوات العشر المقبلة كمحور لعملية التطوير وقال من المهم ان نعرف ونعود ابناء الجيل الجديد على التكنولوجيا وارشادهم إلى الاستعمال الامثل لها موضحا ان التكنولوجيا لها سلبياتها التي يجب وضعها تحت المراقبة والارشاد لتفاديها. واكد الخبير المحاضر على ان مرحلة التطور الانساني المقبلة سوف تتضمن تقنيات اخرى غير الانترنت في وقت سيكون فيه التركيز على توسيع دائرة التخاطب الذكي بين المعدات والآلات، وقال ان المستقبل سيكون خاضعا لسيطرة كل من التقنية الرقمية والتقنية البيولوجية حيث سيكون لهاتين التقنيتين دور كبير في تغيير وجه الحياة الانسانية. وتناول باتريك ديكسون قضية البنية الاساسية واهميتها في عملية التطور التكنولوجي والاقتصاد واشار إلى دبي في هذا الصدد، وقال: ان مسألة تسعير التكنولوجيا امر هام ولا يقتصر الامر على توفرها ودبي لها فرصة كبيرة للعب دور مهم كحلقة وصل بين الشرق والغرب بما تملك من قدرات وبنية اساسية قوية خاصة في مجال الاتصالات والتكنولوجيا المتطورة الا ان اسعار الاتصالات تبقى محل نظر، مشيرا إلى ان المنافسة تعتبر عنصرا هاما في تحديد الاسعار وقال ان الاستثمار المتمثل في صورة خفض تكلفة الاتصالات يعتبر استثمارا امثل سيشجع مزيدا من الشركات للقدوم إلى الامارات واتخاذها جسرا للعبور من الغرب إلى الشرق مؤكدا فرصة دبي ان تصبح مركزا للدمج المعرفي والتطوير البرمجي ذي الامكانات القوية على المستوى العالمي. واكدت الجلسة الاولى فرصة دبي ان تكون بوابة العبور المثلى إلى منطقة الخليج وجسر التفاهم بين الشرق والغرب في وقت تحتل فيه دولة الامارات مكانة متميزة كوجهة استثمارية مثلى في منطقة الشرق الاوسط لما تتمتع به من استقرار سياسي وبنية اساسية قوية في شتى مجالات التجهيزات والفنادق والتقنية المتطورة كما اشار المتحدثون إلى فرص دبي كوجهة سياحية ذات قدرات فائقة الجودة.
في الجلسة الاولى بآخر أيام المنتدى، ثورة المعلومات لم تصل بعد إلى مرحلة النضج والانترنت يستمر طويلاً، العولمة لا تعني «أمركة» العالم بل أن أمريكا تتعرض لتغيير هويتها
