ما ترشح عن الجلسة الافتتاحية للمؤتمر الوزاري الرابع لمنظمة التجارة العالمية والتي بدأت في الدوحة، مساء يوم الجمعة الماضي المصادف التاسع من الشهر الجاري، لا يعدو عن مواقف عاطفية ومناشدات اخلاقية وتمنيات وجدانية لجميع الاطراف من اجل العمل سوية لانجاح هذا المؤتمر بعد فشل اقرانه السابقين. صحيح ان احتياجات دول العالم النامي كثيرة وعادلة كما بينها امير قطر في خطابه الافتتاحي، تلك التي تمتد من ضرورة ايجاد آلية فعالة لاحتضان جميع دول العالم في هذا التنظيم.. وصولا الى دفع عجلة التنمية العالمية الى الامام ومرورا بالمطالبة بالتوصل الى اعلان لاطلاق جولة جديدة من التجارة الدولية في الدوحة تنشط آلية الاقتصاد العالمي. ولكن الصحيح ايضا انه في الاعمال العظيمة والكبيرة فان الامر يتطلب مواقف حازمة وشجاعة وبنفس درجة اهمية تلك الاعمال.. والدول النامية مطالبة الان واكثر من اي وقت مضى بالا تتهاون في حقوقها الاقتصادية والا تكتفي بمجرد قبولها في هذه المنظمة.. والتي على ما يبدو ان اهم فعالية لها الان هي تحرير التجارة الخارجية من كل القيود العالقة بها لتجعل العالم وكأنه سوقا اقتصادية واحدة.. سوف لا تناقش الان مشروعية هذه السوق من عدمه. وان كنا نؤيد وبحزم تحرير التجارة العالمية ولكن لاعلى أسس تنافسية وانما على أسس عادلة ومنصفة.. تأخذ بنظر الاعتبارجوانب متعددة من جوانب الحياة المختلفة.. فالتنافس نفسه يجب ان يكون عادلا هو الآخر.. واين العدل عندما يقوم مثل هذا التنافس بين معدة خاوية وكيس مملوء.. بين معدة متخمة وجيب فارغ!! ان العلاقات الاقتصادية بين الدول النامية والمتقدمة والتي يطلق عليها بالنظام الاقتصادي الدولي.. علاقات جائرة وغير عادلة البتة.. وهذه بعض من صور العلاقات غير العادلة.. من استمرار تدهور شروط التبادل التجاري الى اقامة الحواجز الجمركية امام صادرات الدول النامية الى الدول المتقدمة من سخرية القدر ان الدول الغنية صارت تسد اسواقها في وجه النذر اليسير من السلع الاقتصادية للدول النامية والتي في مجموعها لا تشكل كسرا مئويا من صادرات الدول المتقدمة للدول النامية وفي الوقت الذي تقوم فيه الفلسفة الاقتصادية الرأسمالية على تحرير التجارة فاننا نرى في الحياة العملية ما يناقض هذا المبدأ.. وبنفس الوقت فان الدول المتقدمة تتهم احيانا وتتوعد في احيان اخرى الدول الفقيرة بأنها تعرقل انسياب التجارة العالمية وتعمل على تعطيل قوانينها.. ان الكيل بمكياليين لا يحاج الى عناء كبير في هذا المجال.. لقد كان امين عام الانكتاد روبنز روكيوبيرو ممثل السكرتير العام للامم المتحدة كوفي عنان جريئا وصريحا في خطابه امام الوزراء المجتمعين في الدوحة والذين يمثلون (142) دولة عندما نوه الى المخاطر الاقتصادية التي ستواجه العالم ان لم يسارع ابناؤه الى تفاديها.. فالنمو الاقتصادي العالمي اليوم في ادنى مستوى له منذ زمن طويل، وهناك مخاطر جمة لنشوء كساد عالمي وان الجهود المبذولة لتخفيف حدة الفقر لا تزال تحبو والتباطؤ في الاستثمارات الدولية يزداد مدا ويتسع نطاقا، ان توقعات البنك الدولي بأن يزداد فقراء العالم في هذا العالم ما مقداره (15) مليون من البشر يعيشون في حالة فقر مدقع وتحت الخط المسموح به يكثر.. وان ثلثهم سيكون من افريقيا.. ما يعني تشاؤمه الواقعي والصادق بأنه وبرغم الحدث التاريخي بانضمام الصين الى المنظمة العالمية فان العالم بعد احداث (11) سبتمبر الماضي سائر لا محالة الى احد الاحتمالين: اما الصدام بين الحضارات او بناء اقتصاد عالمي يؤسس على التعاون والعدل، ان على دول العالم الثالث الا تكتفي عند نطاق تحرير التجارة. لان هذا الامر لوحده وضمن الشروط القائمة حاليا لن يكون في صالحها اطلاقا حيث على الاقل سيقضي على البقية الباقية من صناعاتها الآلية او التقليدية وبالتالي ستقتل بذور الصناعة الحقيقة لديها وتحولها الى مجرد دول هامشية منتجة للمواد الاولية المنجمية الناضبة والزراعية المعرضة لتدهور الاثمان في كل مكان وزمان.. ان المطالبة الحقيقية للدول الفقيرة يجب ان تتجاوز عتبة التجارة الى امور اكثر خطورة وجدية من اهمها على سبيل المثال لا الحصر ما يلي: ـ ازالة الحواجز الجمركية امام صادراتها. ـ معالجة تدهور نسب وشروط التبادل التجاري، تلك النسب التي تميل دائما وابدا لصالح الدول المتقدمة. ـ زيادة حصة الدول النامية في التصنيع العالمي حيث مازالت حصتها باهتة لاتتعدى الـ 7% من انتاج الدول الصناعية فقط. ـ تخفيف غلواء سيطرة الشركات المتعددة الجنسية تلك التي اصبحت دولا داخل الدول.. وان نشاطها في كثير من الاحيان يتعدى نطاق النشاط الاقتصادي. ـ المطالبة بتنفيذ ما التزمت به الدول المتقدمة من مساهمات في عمليات التنمية العالمية. ـ الدعوة الى اصلاح النظام النقدي العالمي، اذ مازالت الدول الصناعية الكبرى تسيطر على اصدار القرارات الخاصة بخلق السيولة النقدية. ـ ازالة وطأة الديون الخارجية وصولا الى الغائها على الدول النامية ـ بعد ان استوفتها الدول الصناعية مرات عدة.. ـ وقف استنزاف العقول للدول النامية. ـ استمرار ظاهرة النقل المعاكس للتكنولوجيا. ـ تقليل اعتماد الدول النامية المتزايد على المستوردات الزراعية.. يغية تحقيق نوع من الامن الغذائي. وهذا ما سنحاول معالجته ان شاء الله في الحلقات التالية.