ان المصارف التجارية في مختلف دول العالم ولاسيما الدول المتقدمة تقوم بدور تنموي من خلال تمويلها لمشاريع التنمية الاقتصادية والاجتماعية وذلك في اطار سياسة الدولة واستراتيجية التنمية التي تضعها الدولة.. ونجد ان المصارف التجارية العاملة في تلك الدول تعمل على خدمة الاقتصاد الوطني انطلاقا من الدور المنوط بها وترجمة للسياسة النقدية والتنموية التي تنتهجها الدولة ويتمثل هذا الدور من خلال توجيه الائتمان المصرفي الى القطاعات الاقتصادية ولاسيما الانتاجية منها. اما في الامارات العربية المتحدة فإن دور المصارف العاملة يختلف اذ يتصف هذا الدور بالسلبية اذ اقتصر على تقديم قروض استهلاكية، ويتسم هذا بتقديم قروض استهلاكية على حساب الدور التنموي لهذه المصارف على الرغم من استفادة هذه المصارف من الطفرة الاقتصادية او النفطية التي حدثت في الامارات لاسيما خلال فترة السبعينيات، وكذلك الدعم الحكومي الذي قدمتهي الحكومات المحلية ثم الحكومة الاتحادية، ومنها الدعم المادي الكبير الذي تجسد في هيئة ايداعات وتسهيلات وضمانات لتلك المصارف لاسيما عند تعرضها لأزمة السيولة. ويبرز الدور لهذه المصارف ايضا في استغلال النزعة الاستهلاكية الحادة لدى افراد المجتمع واغراقهم في بحر الديون التي ادت بهم الى غياهب السجون، ثم استغلال هذه المصارف لغياب استراتيجية التنمية وغياب السياسات الاقتصادية والائتمانية الواضحة حيث وجهت قروضها الى قطاع الافراد حيث النمط السلوكي الاستهلاكي لدى الفرد في المجتمع وغياب الوعي الاستثماري لدى افراد المجتمع والرغبة الجامحة لديهم بالتغيير الاجتماعي والمظهري ومواكبة التطور المادي الذي يحدث في العالم. وامام هذه المعطيات فإن واقعا مريرا بدأت تشهده الساحة المحلية واصبح حديث المجالس والمنتديات وكذلك المجالس الاستشارية في الامارات. ويحظى بمناقشات جادة في المحاكم بعد ان اصبحت قضايا الديون والشيكات المرتجعة ظاهرة حقيقية يواجهها المجتمع عامة ومجتمع المحاكم والأمن من ناحية اخرى. وهنا يبرز الارتباط الفعلي بين مصارفنا العاملة في الدولة وطنية كانت ام اجنبية والسجون التي اصبحت تضج بكثرة المتورطين في قضايا المال والاقتراض من تلك المصارف. ليطرح ذلك تساؤلات عديدة من المفترض معالجة اسبابها وتداعياتها على المجتمع والفرد والاقتصاد وسمعة الدولة داخليا وخارجيا! فمن الضحية هنا هل هي المصارف التجارية ام المقترضون ام المجتمع والدولة؟ من هي الجهة المتهمة في قضايا الديون المصرفية، هل هي المصارف، ام غياب الوعي لدى الأفراد، ام المجتمع بكل معطياته؟ ما هي تأثيرات تفاقم مشكلة الديون المصرفية على الفرد والاسرة والمجتمع؟ على الاقتصاد الوطني وسمعة القطاع المصرفي، على الدولة بمؤسساتها الأمنية والادارية بعد ما اصبحت تتحمل اعباء اضافية ترتبت على استضافتها لاعداد كبيرة من المساجين، وتستمر الاستضافة لفترة طويلة من الزمن؟ المصارف التجارية من خلال اعلاناتها.. اغراءاتها.. تسهيلاتها تنافسها في السوق على تقديم خدمات مصرفية، وربما خدمات خاصة ايضا فإنها تقدم طعمها الأول للعملاء، جرعتها المجانية الأولى لاسيما اذا كانت القروض تمنح اليوم ويتم سداد القسط الأول بعد ثلاثة اشهر، لاسيما اذا كانت المصارف تعلن عن امكانية تحقيقها من خلال فوانيسها السحرية احلام الشباب في قيادة سيارة التميز الفارهة، في منزل الأحلام، في سفر الى بلاد الواق، او حيث المتعة والتسلية واللهو، وامام تلك الاعلانات (الاغراءات) يصبح العميل ولاسيما جيل الشباب مشدوداً للقرض.. وما ان يدخل البنك الا ويجد تلك الابتسامات الخبيثة التي تنم عن ترحيبها بضحايا الاعلانات وما هي الا دقائق ويجد العميل انه قد انتهى من توقيعات الاوراق دون ادنى معرفة عنها او عن محتواها غير مدرك انه بذلك قد رهن نفسه.. وراتبه ووظيفته ومستقبله وربما اسرته من خلال تنازلاته بموجب تلك الاوراق التي وقعها دون فهم صحيح لحقيقتها.. وهكذا يوقع لأول شيك يقدمه لشركة السيارات، او شركة السفريات، ليتأكد بعد ذلك تناوله للجرعة الأولى لذلك الطعم اللذيذ في طعمه عند تناوله العلقم في نهايته، لانه غير مدرك انه قد ا متلك مفتاحا ليس لمنزل الاحلام والسعادة وانما لباب نفق مظلم وطويل نهايته سجن كئيب وحزن شديد وتشتت اليم، يقضي فيه سنوات طويلة من عمره ربما قد يخرج منه بعدها وربما يقضي نحبه فيه، واذا صالحه الزمن وخرج بعد سنوات العقوبة فإنه يخرج لسجن اكبر حيث تنهشه الايام والليالي والعيون والألسن، وحينها يعاني الأمرين مرارة نظرة المجتمع له بسبب فقره، والابواب التي تصبح موصدة امامه باحكام حيث انها لا تشغل خريج سجون.. والضحية هنا هذا الانسان.. واسرته التي عانت من التشتت والحرمان والضياع.. والوطن الذي اصبح السجان لابنائه فيما المجرمون يعيبثون فسادا خارج السجن. ان للقروض انعكاسات خطيرة وسلبية على الفرد والمجتمع عامة والمجتمع الاقتصادي، فهي كمن يتعاطى نوعا من انواع المخدرات حيث يجد ترحيبا، من اصدقاء السوء ومن مافيا المخدرات حيث يقدمون له جرعة كهدية مجانية، وحينا يتقبلها فانه لا مانع لديهم من اعطائه جرعة اخرى، وحينما يصبح جسمه اكثر قابلية للمخدر فانه يبدأ يدفع من اجل دفعة ثالثة ورابعة، حتى اذا ما اصبح مدمنا فانه لا مانع لديه ان يدفع كل ماله ويعرض مستقبله ويبيع املاكه واسرته من اجل حقنة أو جرعة، حينها يكون قد وصل إلى منتصف نفق مظلم، الخروج منه فقط من بوابة السجن حيث الندم والسنوات الطويلة، وحيث المعاناة النفسية وهذه القروض تصبح دينا خطيرا يهدد كيان المجتمع والفرد حينما تحول شريحة كبرى من افراد المجتمع تقدر نسبتها 95% من المواطنين ليصبحوا يعانون من الديون القاهرة ويتجرع البعض منهم مرارة السجن والغبن والظلم، وبالتالي هكذا يخسر المجتمع مواطنيه حينما يودعهم في سجن، في الوقت الذي يكون في حاجة ماسة لدورهم في خدمته وتنميته وانقاذه من براثن الايدي الآثمة والعمالة الاجنبية وبالتالي فان هذه المصارف حينما تسهل من اجراءات القروض وتمنح قروضا بدون ضوابط انما تمارس دور السجان لابناء الوطن بعد ان تجعلهم مدمنين للقروض، وهكذا يخسر المجتمع حينما يصبح مواطنوه في السجون أو يعانون من مرارة القروض، وبدلا من ان تتحول مداخيلهم الشهرية إلى مدخرات، واستثمارات، نجدهم يدفعونها للمصارف فيما يعيش البعض على الفتات المتبقي من راتبه. اما المجتمع الاقتصادي فهو يخسر ايضا حينما يتعرض المدينون إلى حالات الافلاس وربما إلى انهاء خدمات المواطنين العملاء لهذه المصارف وبالتالي يتعثر البعض عن سداد قروضه ويكون مصيره السجن، فأي سمعة اقتصادية لمجتمع يكون غالبية افراده اما مرهونين للمصارف أو خريجي سجون، وأي أمان لرأس المال حينما يتم اقراضه لأناس يعانون من اعسار وتعثر في السداد، واي سمعة لمجتمع اقتصادي تتفشى فيه ظاهرة الشيكات المرتجعة بشكل كبير وخطير، وتنتشر فيه الجريمة الاقتصادية على نحو خطير ومثير، واي مجتمع اقتصادي هذا الذي يكون فيه نصف ودائع الافراد قروضا لافراد مشكوك في قدرتهم على السداد. اذن هناك خطر، هناك قروض وادمان على القروض وشعب مستهلك وسجون واموال تهرب إلى الخارج بحثا عن الامان والاستقرار هنا تكمن الجريمة فمن اطرافها؟