تشهد دول مجلس التعاون الخليجي هذه الايام تنظيم العديد من الفعاليات والمؤتمرات والانشطة التي تناقش في مجملها الاتي من التحديات متعددة الاوجه التي تواجه الحكومات والبنوك الخليجية في الوقت الحاضر. ولا شك ان هذه التحديات تكتسب بصورة مستمرة ابعاداً واشكالاً جديدة تكون بمجموعها ملامح النظام الدولي الاقتصادي الجديد. ومن بين ابرز هذه التحديات والتأثيرات هي ظاهرة التحرر الاقتصادي والابتكارات والتقدم التقني وكذلك النمو المتواصل في قيمة المبادلات التجارية الدولية في السلع والخدمات. فعلى سبيل المثال ارتفعت قيمة التجارة الدولية في السلع والخدمات من 4.4 تريليونات دولار امريكي في عام 1991 الى 9 تريليونات دولار امريكي في عام 2000، وهذا يعني نمو التجارة الدولية بمعدل يفوق ضعف معدل النمو في الناتج المحلي الاجمالي العالمي بالاضافة الى ذلك يبرز تأثير تضاعف صافي تدفق رأس المال الخاص الى الدول النامية تقريبا، حيث ارتفع من 135 مليار دولار امريكي في عام 1991 الى 400 مليار دولار امريكي في عام 2000. ومن بين التأثيرات الهامة للنظام الدولي هو اضعاف انماط التعامل التجاري المعمول بها، وخير دليل على هذا الاحداث المالية في منطقة جنوب شرق اسيا والتي اكدت مدى عرضه الادارة الاقتصادية والمالية الوطنية وكذلك الانظمة المصرفية الى التأثيرات الخارجية. كذلك فمن خصائص النظام الدولي دخول مؤسسات ومجموعات غير مصرفية في الاسواق المالية وتطور انظمة المدفوعات الالكترونية، وهذا من شأنه ان يفرض ضغوطا على الانظمة الرقابية وانظمة المدفوعات والتسويات الدولية وكذلك على مقدرة السلطات النقدية على احتواء الصدمات الاقتصادية والمالية داخل حدودها الجغرافية والحيلولة دون امتدادها عبر الحدود. وكما برهنت الاحداث الماضية والحالية، فان النظام الدولي بكل ما يحمل من خصائص سيؤدي على الارجح الى زيادة دور آلية السوق وبالتالي فرض اعتبارات وتأثيرات السوق على الاحداث والتطورات الاقتصادية والمالية بصورة اكبر من تأثير الحكومات. وفي هذه الاحوال فمن المتوقع زيادة درجة انتقال التأثيرات المالية عبر الحدود. وفي ظل هذه المعطيات والمتغيرات وما يصاحبها من حالة عدم اليقين، يتطلب الامر من الحكومات والمؤسسات المالية الخليجية تركيز الانظار والمساعي. فبالنسبة للحكومات، يكمن التحدي في خلق بنية اقتصادية ومالية محلية تأخذ بالحسبان مزايا انضباطية السياسات الاقتصادية وكذلك تحسن مستوى الاشراف والحيطة. كما ان المطلوب ايضا وضع الاولويات ورسم انماط التنمية المستهدفة على المدى الطويل وبالتالي تخطيط برامج وسياسات التنمية الملائمة وحشد الموارد المادية والمالية والبشرية الكفيلة بالوصول الى الطموحات المستهدفة. لابد من التخطيط بجدية للمستقبل وترك التحرك على اساس ردود الفعل او تحركات اسعار النفط في الاسواق العالمية. وعلى نطاق مجلس التعاون لدول الخليج العربية، فان المطلوب هو العمل على رفع مستوى التنسيق والتعاون بين الحكومات والسلطات النقدية لما من شأنه ان يؤدي الى تقارب اكبر بين انظمتنا النقدية والمالية وبالتالي زيادة درجة التكامل بين الدول. ان المطلوب التسريع في عملية التكامل الاقتصادي بين دول المجلس من خلال اقامة الجدار الجمركي وتوحيد السياسات المالية والنقدية علاوة على تحرير حرية الاستثمار والتجارة والعمل. وكما هو الحال بالنسبة للحكومات فستواجه المؤسسات المصرفية والمالية الخليجية تحديات ومسئوليات غير مسبوقة. فستكون المؤسسات المصرفية والمالية بحاجة الى دراسة الخيارات الاستراتيجية والتشغيلية في ظل الاوضاع المتقلبة المتوقع ان تلازم التحرر المتسارع للاقتصاد العالمي. وفي الوقت نفسه، فان على هذه المؤسسات تحديد اوجه الاستغلال الامثل للميزات التنافسية التي تملكها ودراسة الاسواق المناسبة وكذلك تاسيس تحالفات استراتيجية قائمة على المصالح المشتركة. وعلى الرغم من اهمية هذه التوجهات الا انها قد لا تكون كافية بالنسبة لمؤسساتنا المصرفية والمالية. فبالاضافة الى ذلك فانهم مطالبون بدارسة الاندماج فيما بينهم بشكل جدي وذلك خشية ان يؤول مصير عدد منها الى التهميش حتى في الاسواق المحلية في ظل حدة المنافسة العالمية. ولا شك ان فتح الاسواق المالية الخليجية عالميا سوف يحقق مزايا عديدة للبنوك الخليجية على المدى المتوسط والبعيد خصوصا تلك البنوك التي استطاعت ان توجد لها فروع وشركات تابعة في المراكز العالمية الرئيسية. الا ان خطوات التحرير المالي لا تقع مسئوليتها على عاتق البنوك العربية والخليجية وحدها، بل انها مسئولية الاجهزة الحكومية المعنية في هذه البلدان ايضا. ان سياسات التحرير المالي لابد ان يرافقها سياسات كلية سليمة للتحرير الاقتصادي والنقدي تعزز مناخ الثقة ببرامج التنمية وتجسد اعطاء القطاع الخاص دور ريادي في تحقيق هذه التنمية. اما فيما يخص البنوك نفسها، فهى مطالبه باتخاذ مجموعة من الخطوات الضرورية. ولعلنا نقول انها مطالبة باتخاذ خطوتين رئيسيتين الاولى هي الاتجاه نحو الدمج والثانية التحول نحو الصيرفة الشاملة. ففيما يخص الخطوة الاولى سوف تزداد الحاجة الى دمج بعض البنوك القادمة وخاصة البنوك الصغيرة او الضعيفة الادارة. كذلك تستدعي الحاجة تقوية القاعدة الرأسمالية للبنوك وزيادة قواعد الافصاح المالي وتطوير آليات القطع الاجنبي وانشاء اسواق راس المال وتطوير القاعدة المعلوماتية والتكنولوجية للخدمات المقدمة. وبامكان البنوك العربية والخليجية التي تعمل في اطار تجمعات اقتصادية اقليمية كمجلس التعاون الخليجي ان تعمل على تنسيق وتكامل خدماتها على المستوى الاقليمي من اجل تحسين مراكزها في السوق المالي العالمي. اما بخصوص الخطوة الثانية والخاصة بالتحول نحو الصيرفة الشاملة، فلقد برزت اهمية التحول نحو هذا النوع من الصيرفة بضوء جملة من التطورات المالية والاقتصادية والعالمية. ان مفهوم المصارف الشاملة، ووفق لدراسات حديثة اجراها صندوق النقد الدولي، بات اكثر جدوى للدول النامية التي بحاجة الى بنوك استثمار تعمل على استكشاف فرص الاستثمار المجدية وتكتتب في جزء من رؤوس اموالها وتروج لها من خلال اسواق المال المحلية والعالمية وذلك بالطبع الى جانب مؤسسات تقدم خدمات الصيرفة التقليديه0 ان مفهوم المصرف الشامل يقوم على الجمع بين الوظيفتين. ان اهمية الصيرفة الشاملة للبنوك الخليجية تتزايد مع تزايد تحديات التنمية التي تواجهها الاقتصاديات الخليجية سواء التحديات العالمية او الاقليميه خاصه بروز التكتلات العالمية وتراجع العوائد النفطية وضرورة زيادة كفاءة الاداء الاقتصادي. ان الصيرفة الشاملة تملك امكانات اكبر للاستجابه لهذه التحديات خصوصا اذا ما قامت البنوك التجارية بالتكتل وتعزيز مراكزها المالية وكذلك تطوير كوادرها البشرية. كما يجب عليها ان تنهج منهج ابتكاري في تقديم الخدمات الجديدة ومن الطبيعي ان يكون احد اهداف استراتيجيات المصارف الخليجية خلال المرحلة المقبلة هو دعم برامج الاصلاح الاقتصادي والتخصيص التي يطبقها اعداد متزايدة من دول المنطقة. على مستوى نشاطها العالمي، فان المصارف الخليجية مطالبة بتحسين ملاءتها المالية وتقنيات تقديم الخدمات بالاضافة الى الاستفادة من التنوع في فرص الاستثمار والخدمات المصرفية التقليدية حتى تتمكن من تعزيز تواجدها العالمي.