تطرقنا في الحلقة الماضية إلى عنصر العمل وهو اهم وسيلة من وسائل التملك والإنتاج الاسلامية، ونتابع اليوم الوسائل الاخرى من وسائل التملك المشروعة والمباحة في الإسلام ألا وهي الميراث والوصية واحياء الارض الموات. الميراث.. ابتغى الاسلام من تطبيق نظام الارث جوانب اقتصادية واجتماعية انسانية بالاضافة إلى تقوية الروابط العائلية، ويجب ان ندرك من البداية ان نظام الارث الاسلامي لا يضاهيه أي نظام اخر مشابه له في كل الانظمة الوضعية العالمية، لدرجة ان الكثير من البشر وممن هم من غير المسلمين يرحبون بهذا النظام وفي احيان غير قليلة يطبقون على انفسهم!! قانون الارث الاسلامي يشترك عددا كبيرا من اقرباء الميت في التركة ولا يحصره في فئة معينة كما هو الحال في اكثر أنظمة الارث المعروفة في شرائع العالم - الوضعية وغير الوضعية - وهذا يؤدي إلى تفتيت الثروات مهما كانت كبيرة ويعمل على اعادة توزيع الدخل، وسوف نتطرق إلى ذلك بشيء من التفصيل في نظرية التوزيع الاسلامية، ولاشك ان وجود نظام الارث يعد عاملا هاما لحث الانسان على العمل والجد مادامت نتيجة عمله ستعود إلى أهله وذويه، هذا من جانب ومن جانب آخر فان الاسلام لا ينكر ان ورثة المتوفى غالبا ما شاركوا في جمع هذه الثروة بصورة مباشرة أو غير مباشرة فمن الانصاف ان تعود اليهم. (يوصيكم الله في اولادكم للذكر مثل حظ الانثيين) «النساء»، وقد وضع الاسلام قواعد تفصيلية لتصفية التركة حتى يحصل كل ذي حق على حقه منها بحسب الاصول الشرعية، وذلك بعد ما تسدد الديون والحقوق المترتبة في ذمة المتوفى، اذ لا تركة إلا بعد سداد الديون واداء الوصية. ـ الوصية: وهي احدى وسائل التملك المشروعة في الإسلام، والغرض منها مساعدة بعض الاقارب المحجوبين لسبب ما عن الميراث، أو لمساعدة بعض المحتاجين، أو المستحقين، أو معاونة بعض الناس على اشباع بعض حاجاتهم، أو لغرض تأسيس الجمعيات أو المؤسسات الخيرية التي تقوم بدورها ببعض الخدمات ووسائل العيش للفقراء والمحتاجين، أو مساعدة أي شخص يرى الوصي أنه بحاجة لها أو يرغب بتقديمها له. وبالطبع لم يهمل الاسلام مصلحة الورثة من الوصية التملكية، بل وضع لها حدودا وشروطا يحفظ بها مصلحتهم إذ قد يخطر ببال الموصي، ان يوصي مثلا بثروته كلها أو بالجزء الاكبر منها مانع عن ورثته ذلك لسبب معين، لذا لا تجيز الشريعة الاسلامية الوصية بأكثر من ثلث مال المتوفى أو صاحبه، وجعل ما زاد عن ذلك متوقفا على موافقة الورثة انفسهم، ولاشك ان الوصية التملكية في كثير من الاحيان يوجبها العقل ويقرها العدل، كما هو بالنسبة للحفيد الذي توفى والده في اثناء حياة الجد والذي له اعمام يحجبون عنه الميراث احياناً. وهنالك الهيئة وهي تمليك مال مجانا وبلا عوض من قبل شخص كامل الاهلية إلى شخص اخر كامل الاهلية أو ناقص الاهلية بشرط ان يكون اهلا للتملك، وهي قرينة بمفهومها من الوصية والاسلام قد اقر الهبة، ووضع لها احكاما معينة والغاية منها ان الشخص المؤمن والمتمكن ماديا ويشعر بحاجة الاخرين فبإمكانه مد يد العون لاشباع بعض الحاجات الانسانية لمن ينقصهم ذلك، وقد رغب الاسلام بها كثيرا، لما لها من اثار حميدة في دعم التآزر والترابط الاجتماعي، اضافة إلى قيمتها الاقتصادية. ـ احياء الأرض الموات: يقسم الفقهاء الارض من حيث الملكية والانتفاع بها إلى أربعة اقسام: اراض مملوكة وعامرة ومملوكة وغير عامرة، والاراضي من المرافق العامة للناس كالمراعي والمقابر والغابات، والقسم الرابع هو ارض الموات والموات.. هي كل ارض خراب لا يملكها احد ولا ينتفع بها احد، وتعريف الموات كما ذكره الفقهاء هو كل ارض خارج البلد ولم تكن ملكا لأحد ولا حقا خاصا له، والمقصود باحياء الموات، أما جلب الماء للارض المراد احيائها ان كانت بحاجة لها أو تجفيفها ان كانت مغمورة بالماء كالمستنقعات والأهوار، أو بزراعتها ان لم تكن مزروعة سابقا، أو بالبناء فيها، أو بكل شيء يجعلها صالحة نافعة ومستثمرة بعد ان كانت بورا أو معطلة. وقد روي عن الرسول صلى الله عليه وسلم انه قال: «من احيا ارضا ميتة فهي له، وما اكلت العافية منها فهي له صدقة»، والاصل في هذا المبدأ (أحياء الارض الموات)، ما ورد عن الرسول صلى الله عليه وسلم «عادي الارض لله وللرسول ثم لكم من بعد، فمن احيا ارضا ميتة فهي له، وليس لمحتجر حق بعد ثلاث سنين»، والمقصود بعادي الارض الارض التي لا مالك لها اثناء دخول الجيش الاسلامي في الاراضي المحررة، وهي صنفان: موات وصوافي، والنوع الاخير هو الارض التي اخذتها الدولة الاسلامية بعد ان رفض اهلها دخول الإسلام أو دفع الجزية وفقد أو هرب اهلها اثناء الحرب ولم يبق احد منهم وبقيت الارض معطلة ولا يعرف من هو صاحبها. والحكمة من احياء الموات هي: ان الاسلام حين اعطى هذا الحق للناس انما اراد استغلال الثروات كي يعم نفعها على الناس، اضافة إلى ان الاسلام هنا يرجح اصل الملكية إلى العمل، ان المبدأ الاخير والهام الذي يقره الاسلام في حق التملك الفردي هو ربط ذلك الحق بالجهد الانساني، الجهد المستند إلى الطاقة الملائمة، أي بحسب طاقة الفرد وسعيه وكفاءته (وان ليس للانسان إلا ما سعى) «النجم 39»، وبذا كان الاسلام قد سبق الفكر الاشتراكي بأكثر من ثلاثة عشر قرنا، ذلك الفكر الذي يقوم على المبدأ القائل من كل حسب عمله ولكل حسب حاجته. ان قوانين التملك في الاسلام تحتاج في شرحها إلى مجلدات ضخمة لانها تشتمل على احكام المعاملات في الفقه الاسلامي تلك الاحكام التي تكاد تبلغ تسعة اعشار الفقه الاسلامي، إلا ان الشيء الاساسي الذي يمكن استنتاجه من حق التملك الفردي في الإسلام، انه حق ارسى على مباديء صريحة وواضحة تجعل منه وظيفة اجتماعية قبل ان يكون حقا فرديا خالصا يحق لصاحبه التصرف فيه كما يحلو ويشاء (كي لا يكون دولة بين الاغنياء منكم). ان هذه المباديء الاساسية وغيرها في موضوع الملكية والتملك تجعل من المال وسيلة من وسائل تبادل المنفعة لا غاية بذاتها، فمن استعمله في هذا الطريق كان المال في يده خيرا له وللمجتمع ومن اراد به غاية لذاتها انقلب إلى شهوة تورث صاحبها المهالك وتفتح على الناس نوافذ من الفساد، ويشير القرآن الكريم إلى ان الناس في الغالب ينظرون إلى المال على انه شهوة (زين للناس حب الشهوات من النساء والبنين والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة..) وبهذا الوصف يكره الاسلام جمع المال واكتنازه، اما انفاقه في طرق الانتاج المشروعة أو الانفاق المباحة فانه ليس امرا ضروريا وحسب بل وواجبا شرعيا ايضا. ان توارد نصوص القرآن الكريم على ان ما في الكون كله من اموال ومنافع وغيرها ملك لله وحده يترتب عليها نتائج متعددة اجتماعية واقتصادية وحقوقية، ربما اهمها نفي الغرور عن قلوب الناس الذين يحوزون الاموال ويسعون وراء الثروة، والغرور بلاشك مرض اجتماعي خطير، واذا ما ذكر المرء ان مالك الملك هو الله وحده، تواضعت نفسه وقل غروره هذا من جهة ومن جهة اخرى، فان النتيجة الهامة والحاسمة من موقف الاسلام من الملكية، هو ان الملكية في التحليل النهائي وظيفة اجتماعية قبل ان تكون حقا مطلقا، ويترتب على ذلك نتيجة هامة للغاية، وهي انه من حق الدولة أو المجتمع ان تجرد المستخلف «الوكيل» على مال الله ما هو مستخلف عليه بقوة قانون الشريعة الالهية في أى وقت تشاء، وذلك عندما يشذ المستخلف عن التمسك بالطرق الشرعية المقررة والمباحة في التملك الاسلامي.