حصل الأمريكيون على فكرة جيدة عن كيفية لجوء الشركات الى القاء اللوم في المشكلات التي تعاني منها على كارثتي مركز التجارة العالمي والبنتاجون، وذلك عندما اعلنت شركة «أمريكا أون لاين تايم وارنر إنك» قبل بضعة أيام انها لن تحقق أرباحاً مالية بالقدر الذي كان متوقعاً بسبب «التأثير على أعمالها الذي خلفته هجمات الحادي عشر من سبتمبر الارهابية». وقال المدير التنفيذي للشركة جيرالد ليفين بينما كان يخفض أهداف الشركة فيما يتعلق بالارباح: «لايمكن مقارنة أي تأثير مالي بالمعاناة والخسارة في الارواح التي سببتها الهجمات الوحشية». وفي واقع الحال ان شركة أمريكا أون لاين تايم وارنر لم تكن ستحقق أهدافها المتوقعة من حيث الأرباح على أية حال، حسبما يتفق المحللون الاقتصاديون بشكل عام. فالزواج الذي تم بين أنجح شركة تقنيات عالية في واشنطن والشركة الاعلامية في نيويورك لم يثبت انه زواج مناسب كما كانت تتجه الآمال، ومن بين الصعوبات الكثيرة حقيقة ان السوق الاعلاني كان سيئاً قبل الهجمات وازداد سوءاً بعدها. وقد سمحت الهجمات الارهابية لشركة أمريكا أون لاين تايم وارنر بأن تلقي باللائمة على أسامة بن لادن بالنسبة لادائها المخيب للآمال، وهي حيلة تكررت على الفور. فكل خبير في التلفيق وكل باحث عن عذر خاص اكتشف ان «عذر أسامة» هو أبو الاعذار جميعها. هل لديك نتائج أرباح سيئة؟ الق باللائمة على ابن لادن. هل تريد تقديم اعانة بمليارات الدولارات من دافعي الضرائب؟ أخبرهم ان ذلك هو ذنب الارهابيين. هل تتوق الى تقديم مساعدات فيدرالية لمزارعي الفول السوداني؟ هذا أمر بسيط، فكل ما عليك القيام به هو تخصيص بضعة مليارات من الدولارات على مدار السنوات العشر المقبلة لمزارعي الفول السوداني في قانون الأمن الزراعي لعام 2001. وأي شخص يعارض ذلك، فانه يكون شخصاً غير وطني من ناحية عملية. ان واشنطن هي التي تفسح المجال امام ما يسمى بـ «اعذار اسامة»، التي تم اقتراحها لتبرير منح ضمانات قروض فيدرالية لشركات تأجير السيارات واعادة الخصومات الضريبية على وجبات الغداء وحتى تقديم حسومات ضريبية جديدة على تذاكر مسرح برودواي. تبدي وول ستريت نفس القدر من الحماسة في القاء اللوم على ابن لادن. ومنذ المناشدة الأولية لشركة أمريكا أون لاين تايم وارنر، اصطف صانعو البرامج الحاسوبية ومزودو الرعاية الصحية وشركات تأجير السيارات وسلسلة كبيرة من محلات السوبر ماركت يومياً لكي يصدروا عويلاً ويندبوا حظهم لأن الارهابيين قد اقتطعوا قضمات من نشاط أعمالهم. تقول امازون دوت كوم انك، وهي شركة الانترنت التي سبق ان استهلكت كل ذرائعها لعدم تحقيق ارباح تقول الان ان الذنب ذنب اسامة في عدم ايفائها بوعدها تحقيق أرباح في الربع الأخير من هذا العام. لكن المستثمرين لم تنطل عليهم الحيلة، فقد هبط سعر سهم الشركة الى مستوى جديد مؤخراً. واستشهدت شركة مايكروستراتيجي انك، مؤخراً، بما جرى «في الحادي عشر من سبتمبر» عندما انهت خدمات 200 مستخدم آخرين. وفي رسالة داخلية بالبريد الالكتروني، كان المسئولون التنفيذيون في مايكروستراتيجي صريحين بما فيه الكفاية للاتيان على ذكر مشكلة أخرى وهي «سوء التقدير بأن مايكروستراتيجي ليست قابلة للنمو من الناحية المالية». وعلاوة على شركة مايكروستراتيجي التي يقع مقرها في ماكلين، هناك شركات اخرى للبرمجيات تستخدم الهجمات كذريعة من بينها «صن جاردوتا سيستمز انك» في بنسلفاينا وشركة ويب أم دي كورب في نيوجيرسي. وتصر شركة كيو أل تي إنك، وهي شركة كندية تصنع عقاراً يساعد المرضى من كبار السن الذين يضعف بصرهم وشركة كوريثرابيوتيكس انك، وهي شركة مقرها كاليفورنيا منتجة لعقار مضاد لتجلط الدم تصر كلتا الشركتين على ان المرضى يرفضون منتجاتهما بسبب الهجمات. وفي الخامس والعشرين من سبتمبر، قدمت شركة وين ريكسي ستورز انك، وهي سادس اكبر سلسلة متاجر في البلاد، الذريعة الارهابية لتبرر جزئياً الانخفاض في مبيعاتها وتقديرات ارباحها. اما المتاجر الاخرى فتقول ان العمل افضل في الواقع. فمنذ التفجيرات يمكث الامريكيون في البيت ليتناول الطعام باحثين عن العزاء في الطعام والعائلة. فشركة اهولد فود إنك، قالت مؤخراً انها ملتزمة بتوقعاتها للارباح هذا العام. يقول ديفيد فرانسيس وهو مدير اداري لشركة جيفريز وشركاه في ناشفيل ان استخدام ذريعة اسامة هو امر «فخري». ويضيف قائلاً: «بالتأكيد كانت هناك شركات تضررت بشكل مشروع وغير عادل. غير ان هناك شركات معينة كانت اعمالها، لاسباب تتعلق بالتشغيل او الادارة، في حالة ترنح. وهذه الشركات برأيي تختبيء بشكل مخز خلف ذريعة الاعمال الارهابية». وللعدل والانصاف، فإنه ما من شك بأن الهجمات الارهابية تلحق الضرر بالاقتصاد الامريكي. والضغط الاقتصادي يكشف عن نقاط الضعف لدى الشركات ويرسم خطوطاً داروينية بين الفائزين والخاسرين. وعندما تكون الشركات على هامش الربحية او على حافة الافلاس، فغالباً ما يكون حدثاً خارجياً هو الذي يطيح بها. ولو ان الهجمات الانتحارية على مركز التجارة العالمي والبنتاجون لم تقض على بعض شركات الطيران التي تعاني من مشكلات، لكان شيئاً آخر قام بهذه المهمة. كانت الولايات المتحدة قد دخلت مرحلة في الدورة الاقتصادية يقوم فيها الانتخاب الطبيعي بتطهير البركة الوراثية للشركات. فقد اعتقد العديد من الاقتصاديين ان البلاد كانت تعيش حالة من الركود قبل الحادي عشر من سبتمبر. وهناك عدد اكبر يعتقد بذلك الآن. ومن المتوقع ان يكون الركود الاقتصادي الثمن الذي يدفعه جميع الامريكيين لاكبر هجوم منذ بيرل هاربر. ولكن الاستجابة لهذا الهجوم هي المختلفة تماماً عما حدث بعد بيرل هاربر والمخيبة للآمال ايضاً. لاحظ الفرق بين الاستعداد لالقاء اللوم على ابن لادن مع القرار المتجرد من الانانية الذي سجله توم بروكاو وستيفين امبروز في كتابيهما عن جيل الحرب العالمية الثانية. لقد كان هذا هجوماً على جيل الانانية الشهوانيين الذين ينظرون إلى العالم من خلال الظهور بمظهر الضحية. تقول جماعات ضغط استأجرت خدماتها من قبل تحالف من شركات تأجير السيارات ـ ناشيونال، الامو بدجت دولار ـ ان هذه الشركات ضحايا تستحق الاعانة الفيدرالية تماماً مثل شركات الطيران. ان شركة ايه أن سي رينتال كورب، وهي الشركة التي تملك ناشيونال والامو، تعاني منذ فترة طويلة من صعوبات مالية وتفشل في تحقيق اهدافها بالنسبة للارباح مرة تلو الاخرى. وشأن امازون ومايكروستراتيجي والكثير من الشركات الاخرى الفاشلة، تواصل ايه ان سي وعودها بأنها ستتجاوز المحنة قريباً. أما شركات هيرتز وأفيس وانتربرايز لتأجير السيارات، فقد نأت بنفسها عن المشاركة في الحملة من اجل الحصول على قروض حكومية. فهذه الشركات بمقدورها الصمود بدون مساعدة فيدرالية وتستفيد من فشل ايه ان سي. وهذه هي الطريقة التي يفترض ان تعمل بها الرأسمالية في زمن السلم والحرب. بعد حادثة بيرل هربر، اضطرت الشركات في جميع انحاء أمريكا لمعايشة الركود الاقتصادي، خذ على سبيل المثال شركات بيع السيارات، التي لم تتمكن اي منها من بيع أي سيارة جديدة لمدة اربع سنوات. ولكن لم تذهب اي منها الى واشنطن تطلب معونة مالية. لقد استبدل مبدأ الاعتماد على الذات هذه الأيام بمبدأ المصلحة الذاتية. ولكن من الصعب القاء اللوم على الشركات لاستغلالها الوضع في الوقت الذي تمثل واشنطن قدوة سيئة في هذا المجال. فالدعم من الحزبين الرئيسيين للرد العسكري والاقتصادي للرئيس بوش على الهجمات يتدهور الى سياسة اعتيادية ومشاريع تعود بالمكاسب على الانصار والمحاسيب. فالجمهوريون الذين كانوا يضغطون منذ عقود من اجل تخفيض في الضرائب المفروضة على الأرباح الرأسمالية يملكون اسامة بن لادن الان الى جانبهم. والشيء نفسه ينطبق على الديمقراطيين الذين طالبوا منذ فترة طويلة بمسترجعات ضريبية للناخبين من منخفضي الدخل وباعانات أكبر للبطالة. والخطر بالنسبة لصناع السياسة، هو ان الاحتياجات المشروعة للتدخل الاقتصادي الحكومي تقود بشكل منطقي الى ردود تقل عنها من حيث العقلانية. واذا كان في مصلحة الأمة مساعدة شركات الطيران، فلماذا لايتم مساعدة شركات تأجير السيارات أو خدمات الطيران الخاصة الصغيرة أو خدمة الطيران النفاث في مطار ريجان الدولي الذي لايزال مغلقاً؟ لقد اقترح ممثلو الكونجرس عن نيويورك تخفيضاً ضريبياً للاشخاص الذين سيزورون مدينة نيويورك في الأشهر القليلة المقبلة. ويقولون بوجوب استمالة السياح عن طريق منحهم خصومات على فواتير الاقامة الفندقية وفواتير المطاعم وتذاكر المسارح. ولكن اذا كانت فكرة جيدة منح تخفيضات ضريبية لزيارة نيويورك، فلماذا لانفعل الشيء نفسه للمقاطعة «ديستريكت» التي تضرر اقتصادها السياحي ايضاً؟ واذا كنا سنفعل ذلك لواشنطن، فلماذا لانفعله لعالم والت ديزني؟ اننا نعيش في عالم ديزني هنا، ونعيش في مملكة سحرية تجعل فيها الحكومة كل شيء صحيحاً، ترش أموال دافعي الضرائب وتقدم تخفيضات ضريبية كغبار سحري لقهر الانزال، وحيث يمكن للشركات الخاسرة ان تلقي باللوم في فشلها على الاعمال الشريرة لطالبان. وللأسف، فان ما نتحدث عنه ليس حكاية خرافية عن الجن. وربما ما ان تبدأ النعوش المغطاة بالاعلام الأمريكية بالعودة الى الوطن حتى يبدأ السياسيون في واشنطن والمدراء في وول ستريت بالتفكير بشيء آخر عدا عن استخدامهم الارهابيين كذريعة.