تناولنا في الحلقة الأولى من هذا الموضوع مفهوم التوطين وأهميته، وفي هذه الحلقة نواصل ما تناولناه في الحلقة الثانية حول التوطين في الامارات وابعاده حيث تناولنا في حلقة ماضية «توطين سوق العمل في الامارات». ونواصل قضية التوطين الاقتصادي من خلال الابعاد التالية. اذا كان مفهوم الانتاج الوطني هو كل ما ينتج في الاقتصاد الوطني من سلع وخدمات فإنه من الضروري التمييز بين الانتاج الوطني والانتاج الاجنبي من خلال عناصر الانتاج ان كانت وطنية، فإذا كانت النسبة العظمى من عناصر الانتاج اجنبية فلا يمكن ان نطلق عليه انتاجا وطنيا فكيف هو عليه الحال بالنسبة لانتاج السلع والخدمات في الامارات، ما هو حجم رأس المال الوطني فيه؟ ما هي نسبة القوى العاملة الاماراتية المساهمة في عملية الانتاج هذه؟ ماهي المواد الأولية المستخرجة من بيئة الامارات؟ وما هو حجم المواد أو الصناعة الوسيطة الداخلة في عملية الانتاج مما تم استخراجها او تصنيعها في الامارات؟ اي بمعنى كم نسبة العوامل الاماراتية الداخلة في عمليات الانتاج؟ وعند عقد مقارنة بين ما كانت عليه سوق الانتاج في السابق اي قبل الطفرة النفطية وما آلت اليه في عصر النفط يتبين لنا نسبة المواطنة متباينة جدا على الرغم من الاكتشافات والامكانيات وتوفر عناصر القوى العاملة المواطنة في عصر النفط، فلقد كان المجتمع الاقتصادي آنذاك يتسم بالانتاجية العالية قياسا بالامكانيات المادية المحدودة وكان المجتمع الاقتصادي او سوق الانتاج يوفر معظم متطلبات واحتياجات افراد المجتمع من السلع والمنتجات رغم محدوديتها، فالعمالة كما اشرنا اليها في الحلقة الماضية عمالة معظمها مواطنة، الصغار والكبار، الرجال والنساء جميعهم يعملون في ميدان الانتاج وسوقه، كانت الأسرة تشكل خلية انتاج ومصنعا ينتج جزءا من احتياجات المجتمع كان سوق الانتاج وسوق الاستهلاك يحتاجان لها، الحداد والمزارع، صياد السمك وموزعه وبائعه اماراتين، النجار والبناء، الخياط والحلاق، بائع الاقمشة وموردها العاملون في سوق الامارات هويتهم الاماراتية، وفي ظل التنمية، وفي ظل الانفتاح الاقتصادي، وفي ظل التطور والنهضة الاقتصادية والاجتماعية، اختفى هؤلاء تركوا ميدان العمل الانتاجي وسوق الانتاج للعمالة الوافدة لتهيمن على سوق المواد الأولية، وسوق الانتاج والتوزيع، وسوق التسويق، ولم يقتصر على العنصر البشري وانما حتى على رأس المال حيث سجل رأس المال الوطني انسحابا واضحا لهيمن رأس المال الاجنبي على سوق الانتاج والتسويق والتوزيع تحت مظلة الحرية الاقتصادية وسياسة الباب المفتوح وحرية حركة رأس المال والايدي العاملة! وحينما نشخص واقع سوق الانتاج في الامارات فإننا نتساءل، ماذا ننتج في الاقتصاد الحديث؟ كيف ننتج، ما هي عوامل الانتاج؟! ما هي نسبة العمالة ورأس المال والمواد الاماراتية الداخلة في عمليات الانتاج، ما هو حجم الانتاج، وما مدى تحقيقه لاحتياجات السوق ومتطلبات المجتمع؟.. وهل مازال وفي ظل هذه التساؤلات ـ اقتصاد الامارات، اقتصادا وطنيا؟! في الاقتصاد التقليدي القديم كانت عناصر الانتاج في معظمها اماراتية، فقوى العمل كانت فاعلة في النشاط الاقتصادي ومعظمها اماراتية، فتحولت، سوق العمل لصالح القوى العاملة الاجنبية، كان رأس المال في جزء كبير منه اماراتيا فاصبح رأس المال في ظل سياسة الانفتاح في معظمه اجنبيا ولاسيما في القطاع الخاص، كانت المواد الاولية الداخلة في عمليات الانتاج والنشاط الاقتصادي رغم محدوديتها اماراتية فأصبحت كلها مواد مستوردة من الخارج كانت القاعدة الانتاجية متنوعة وتفي بمتطلبات السوق وحاجة المجتمع فأصبحت قاعدة هشة وضعيفة لانها تعتمد على مصدر وحيد وهو النفط وتحول الاقتصاد من اقتصاد انتاجي الى اقتصاد ريعي. توطين عناصر الانتاج لقد جاءت الطفرة النفطية لتكون سببا مباشرا في تحولات اقتصادية جذرية في الامارات فقد هجرت الشريحة الكبرى عملها في الحرف والمهن والصناعات التقليدية في الاقتصاد لتعمل في الوظائف الادارية وبدلا من قيام مؤسسات الدولة بتشجيع هؤلاء للبقاء في حرفهم ومهنهم ساعدتهم على الهجرة ولاسيما الهجرة من الريف الى المدينة، وبالتالي من الطبيعي ان يضمحل دور تلك الصناعات والحرف التقليدية رغم اهميتها في الاقتصاد الوطني، ولتهمين العمالة ولاسيما العمالة الاسيوية في القطاعات التقليدية كالزراعة والحرف والصناعات الصغيرة وحاليا تسعى الدولة لتوطين تلك المهن بتشجيع المواطنين الى تلك القطاعات ولكن دون جدوى اما من حيث رأس المال فقد اصبح رأس المال الوطني يتدفق الى خارج السوق الاماراتية، فيما تشهد هذه السوق تدفقا الى الداخل لرؤوس الاموال الاجنبية التي تجد في سوق الامارات المتسمة بالنزعة الاستهلاكية ضالتها لاسيما وان هذه السوق لا توجد فيها ضرائب او رسوم جمركية عالية. كما ان هذه السوق قد اوجدت فرصا للعمالة الاجنبية ورأس المال الاجنبي قد ساعت على ايجاد فرص للعمالة الاجنبية الوافدة.. وفيما استقر رأس المال الوطني في مصارف اجنبية بالخارج على هيئة ايداعات، او استثمارات في عقارات وشركات كبرى عالمية فإن رأس المال الاجنبي استغل هذا الغياب ليحقق ارباحا قياسية بعد ان هيمن على سوق الانتاج كليا وخاصة في مؤسسات القطاع الخاص كما ان رأس المال الاجنبي لم يستثمر في المدى الطويل وانما اقتصر على الاجال القصيرة والتي تمثلت في شركات الخدمات والمقاولات وتسويق السلع والبضائع واستيرادها وتصدير جزء منها!! وقد كان الاستثمار الاجنبي من خلال تركيزه على السلع الاستهلاكية سبباً مباشراً في تدفق السيولة المحلية الى الخارج حينما امتص مدخرات الافراد ودخولهم من خلال استغلاله للنزعة الاستهلاكية الجادة، التي يتسم بها مجتمع الامارات بتوفير سلع وخدمات استهلاكية مستوردة من الاسواق التي ينتمي لها رأس المال الاجنبي ليساهم بدوره في خدمة اقتصاد الوطن الذي ينتمي له. من ناحية اخرى فإن السلع والبضائع المنتجة في اقتصاد الامارات برأس مال اجنبي وعمالة اجنبية هي في حقيقة الأمر سلع اجنبية ولايمكن ان نطلق عليها سلعاً وطنية لاسيما تلك التي يتم تجميعها في سوق الامارات، ومن هنا فإن افراد المجتمع يأكلون مما يزرعه أو يصنعه الآخرون، ويلبسون صناعة خارجية، ويركبون سيارات ووسائل نقل ذات صناعة اجنبية فأين هو العائد الحقيقي للاقتصاد الوطني ولمجتمع الامارات، وأين هي قاعدة الانتاج في الاقتصاد الوطني وما هي وسائل وآليات وعناصر الانتاج الوطنية الداخلة في الاقتصاد!! ارتباط الاقتصاد بالخارج ان معطيات العقود الثلاثة الماضية قد أكدت على مدى ارتباط اقتصاد الامارات بالخارج واصبحت للعوامل والتأثيرات الخارجية ولاسيما السلبية ذات تأثير مباشر على الاقتصاد فأي تغير يحدث في السوق النفطية بحكم الطلب العالمي على النفط ينعكس مباشرة على مختلف الاوضاع الاقتصادية في الامارات، فانخفاض الطلب على النفط يعني انخفاض صادرات الامارات من النفط وهذا يعني انخفاض ايرادات الدولة، ثم تقلص الانفاق الحكومي، ثم يتبعه تقلص الانفاق الخاص، والادخار الخاص، ثم الاستثمار الخاص، ولايقتصر تأثر انخفاض الطلب على نفط الامارات على موازنة الدولة، بل والميزان التجاري حيث يصبح هناك عجز في الميزان كما هو الأمر بالنسبة للميزانية العامة، احتياطي الامارات من العملة الاجنبية ينخفض ايضا، سعر صرف العملة يتأثر، الطلب المحلي يتقلص. ومن ناحية اخرى فإن السياسات الاقتصادية المعمول بها في الامارات سواء في علاقة الامارات الخارجية (سياسة الباب المفتوح) أو العلاقة التجارية الداخلية (الحرية الاقتصادية) قد عززت من ارتباط اقتصاد الامارات بالخارج لاسيما في ظل غياب الضرائب، ومحدودية الرسوم الجمركية حيث سهلتا من تدفق البضائع والسلع المستوردة كما ونوعاً ليضعف هذا التدفق الهائل من الواردات من القاعدة الانتاجية في اقتصاد الامارات وليصل به الحال الى الاعتماد على انتاج وتصدير سلعة وحيدة وهو النفط!! وفي ظل تغير ميزان القوة في السوق النفطية ليصبح لصالح الدول المستهلكة أو المستوردة فقد أصبحت بالتالي السيطرة على سوق النفط انتاجاً وتصديراً واستيراداً وسعراً لصالح الدول المستهلكة ولم يعد للدول النفطية قرار الانتاج أو السعر!! من ناحية اخرى فان ارتباط اقتصاد الامارات بالخارج ليس في جانب الصادرات فحسب وانما في جانب الواردات ايضاً فبعد ما تحول اقتصاد الامارات الى اقتصاد استهلاكي يعتمد على ما تنتجه الاسواق العالمية فان أي تغير في اسعار السلع الاستهلاكية في الاسواق العالمية ينعكس مباشرة على الطلب المحلي، وعلى الانفاق الاستهلاكي الخاص، وحجم الادخار الخاص، وعلى حجم السيولة المحلية، وقد اتضح ذلك خلال ازمة اسعار النفط الاولى في عام 1986، ثم أزمة الاسعار الثانية عام 1997 حينما انخفض حجم الواردات وتأثرت الايرادات الحكومية وبالتالي الانفاق والرواتب والاجور وانخفاض واضح في الاسعار والركود الاقتصادي الذي ساد سوق الامارات. الاصلاحات المطلوبة في ضوء المعطيات السابقة فإن قيام مؤسسات الدولة سواء العامة أو القطاع الخاص بتحقيق اصلاحات جذرية في بنية الاقتصاد واعادة هيكلته يمثل مطلبا اساسياً فيما اذا اردنا اقتصاداً وطنياً يتسم بحيويته وتركيبته وايفائه بمتطلبات المجتمع المحلي ويستطيع مواكبة التطورات العالمية، ويمكن ان نحدد تلك الاصلاحات من خلال قيام الدولة بوضع استراتيجية التنمية الاقتصادية، ومن خلال التخطيط الاقتصادي طويل المدى، ومن خلال اعادة النظر في السياسات الاقتصادية بحيث تخدم الاقتصاد الاماراتي لا الاقتصاديات الخارجية، وبحيث يكون التوجه نحو الداخل أكثر من الخارج باعتبار ان تعزيزه القوة الخارجية تنبع من تعزيز قوة الاقتصاد من الداخل من خلال عناصر الانتاج (الموارد البشرية الوطنية، ثم رأس المال الوطني، ثم تنمية الموارد الأولية واستثمارها، ثم التقنية الحديثة)، كما ان هذه الاصلاحات تحتم مراجعة حقيقية للتشريعات والقوانين التي تحقق الحماية المطلوبة لعناصر الانتاج المحلي، ثم تعزز من وجود واستقرار رأس المال الوطني والكفاءات المواطنة، وفي حال عدم القيام بذلك فإن استحقاقات المرحلة المقبلة سوف تجعل من اقتصادنا أكثر تابعية للاقتصاديات الاجنبية، وسوف تصبح الهيمنة الاجنبية أكثر سيطرة وتحكما في القرار الاقتصادي ثم القرار السياسي.