يبدو ان تعدد الاتفاقات الاقليمية ينافس منظمة التجارة العالمية لذلك كثرت التحذيرات من مخاطر حالات انطواء اقليمية في حال فشل اجتماع الدوحة. ومنذ ولادة منظمة التجارة العالمية في 1995، تضاعفت الاتفاقات الاقليمية التي تمنح اعضاءها امتيازات تفضيلية وخصوصا جمركية وبلغ عددها أمس حوالي المئتين. وتسمح المنظمة باتفاقات من هذا النوع ولكن وفق شروط صارمة وقد كلفت لجنة للاشراف على ملاءمتها مع النظام المتعدد الاطراف. ومن الحجج التي تذكر ضد هذه الاتفاقات انها تفيد مصالح الاقوى خلافا للنظام المتعدد الاطراف الذي يضع القواعد نفسها للجميع. وحذر نائب وزير الخارجية الياباني يوشيجي نوجامي انه «لا يمكن بناء بيت بعدة انواع من الحجارة». وخلال السنتين اللتين سادهما عدم الثقة بعد فشل مؤتمر سياتل لم يكف المدير العام لمنظمة التجارة العالمية مايك مور عن تأكيد ان «النزعة الاقليمية ستتقدم اذا حرمنا المنظمة في جنيف من الاوكسجين». واكد مرارا ان «كل بلد يستطيع ان يبرم اتفاقا للتبادل الحر مع الولايات المتحدة لكننا نحن فقط الذين نطرق ابواب الاكثر تهميشا من اعضائنا». وفي يوليو الماضي، رأى مور ان فشلا جديدا في الدوحة سيؤدي الى حالات انكفاء حمائية او مفاوضات تجارية لمجموعات دول في مرحلة تباطؤ اقتصادي. وكانت المخاوف من انطواء اقليمي ظهرت مع وصول ادارة الرئيس جورج بوش الى السلطة مؤكدة انها تعطي اولوية لتعزيز الاتفاقات الاقليمية في القارة الامريكية وخصوصا اتفاق التبادل الحر للامريكيتين. في الوقت نفسه، سعى الممثل الامريكي للتجارة روبرت زوليك الى ابراز ان هدف هذا الاتفاق لا يعني ان حكومته غير فاعلة في الاستعدادات لدورة تجارية متعددة الاطراف. وقال دبلوماسي في المنظمة «لم نعد اليوم في منطق التعارض بين الاتفاقات الاقليمية والاتفاق المتعدد الاطراف فالدول تريد الاثنين معا». وهناك استثناءات مثل الهند التي لم تبرم اتفاقا اقليميا ولا تريد ذلك وتعترض على اي ليونة في هذا المجال. وتؤيد معظم الدول التي ابرمت اتحادات جمركية او للتبادل الحر اتفاقا متعدد الاطراف. وتفسر مخاوف سياسية في بعض الاحيان الميل الى الاتفاقات المتعددة الاطراف. فالبرازيل تسعى من اجل دورة تجارية لتجنب وقوعها تحت سيطرة الامريكيين في منطقة التبادل الحر الامريكية. وقال دبلوماسي انها «تسعى الى تحقيق توازن». واوضح خبير ان الدول الفقيرة تتمسك من جهتها بقواعد عادلة ومتعددة الاطراف لكنها تعترف بمزايا الاتفاقات الاقليمية التي تسمح بتحديد اهداف مطالبها بدقة اكبر وتأثير اسرع. واول نتيجة لاتفاق متعدد الاطراف هو في بعض الاحيان الحد من المكاسب التفضيلية. فلبلد مثل بنجلاديش مصلحة بابرام اتفاق تفضيلي مع الاتحاد الاوروبي حول النسيج يسمح لها بالتفوق على الهند وباكستان. ويوصي مشروع الاعلان الوزاري للدوحة بفتح مفاوضات «لتحسين الانظمة القائمة» التي تتضمنها المنظمة على ان تأخذ في الاعتبار «الجوانب المتعلقة بالتنمية في هذه الاتفاقات». وقد بلغ حجم المبادلات الداخلية للاتحاد الاوروبي الاتفاق الاكثر تكاملا في العالم وابرم اتفاقات اقليمية مع دول اخرى، 1394 مليار دولار متقدما بفارق كبير على اتفاق التبادل الحر لشمال امريكا. والعام الماضي، ساهمت المبادلات الداخلية في اطار الاتفاقات الاقليمية بـ 36% من الصادرات العالمية للبضائع. وسيكون على الولايات المتحدة ان تدافع عن اكثر من موضوع ساخن خلال دورة المفاوضات التجارية التي ستفتتح في الدوحة، ابرزها تحرير الخدمات المالية واجراءات مكافحة الاغراق والزراعة وحقوق الملكية الفكرية. وفيما يتعلق بالخدمات المالية، تريد واشنطن مزيدا من التحرير من الدول النامية. وقد بلغ حجم صادرات هذا النوع من الخدمات من قبل الولايات المتحدة حوالي عشرين مليار دولار العام الماضي لكن هذا المبلغ لا يشمل العمليات التي اجرتها فروع الشركات الامريكية في الخارج والتي تبلغ ثلاثة اضعاف هذا الرقم. وكانت المفاوضات مع بكين حول انضمام الصين الى منظمة التجارة العالمية التي ستعقد اجتماعها الوزاري في الدوحة من التاسع الى 13 نوفمبر قد تعثرت حتى اللحظة الاخيرة حول وضع فروع شركات التأمين الامريكية في هذا البلد مما يدل على ان واشنطن ستواجه صعوبات. وقال مساعد وزير الخزانة الامريكي جون تايلور «من المهم ان تلتزم الدول التي وضعت حواجز مهمة بتجاوز الممارسات الحالية والا تكرر ما فعلته في الدورة السابقة من المفاوضات حيث اعتبر مستوى التحرير السائد حينذاك سقفا وليس عتبة». وحول اجراءات مكافحة الاغراق، تريد واشنطن الاحتفاظ بحق اتخاذ اجراءات من جانب واحد لحماية قطاعاتها واقتصادها التي تواجه صعوبات في الاستيراد باسعار قليلة وهذا ما تستعد له بالنسبة للحديد. وتعترف منظمة التجارة العالمية بهذا الحق لكن بعض الشركاء التجاريين للولايات المتحدة مثل اليابان والاتحاد الاوروبي وكندا تأمل في تحديد اكثر دقة لذلك. وفيما يتعلق بالزراعة التي شكلت احدى النقاط الاكثر صعوبة في الدورة السابقة التي اطلق عليها اسم «جولة الاوروجواي» وانتهت في 1994، كلف الرئيس الامريكي جورج بوش المفاوض روبرت زوليك «فتح الاسواق الاجنبية للمنتجات الامريكية». واكد زوليك «قلنا بوضوح في اجتماعات المنظمة ومع دول اخرى ان الولايات المتحدة تريد فتح الاسواق امام منتجاتها الزراعية عبر خفض كبير او حتى ازالة حواجز التعرفة الجمركية وغيرها وآليات الدعم الوطني التي تضر بالتجارة». ويعترض الاتحاد الاوروبي على اي التزام مبدئي حتى قبل بدء مفاوضات لالغاء دعم القطاعات الزراعية. اما على الجانب الروسي فقد حذر وزير التنمية الاقتصادية الروسي جرمان جريف من ان روسيا ستواجه «مخاطر جسيمة» ان لم تلتحق بمنظمة التجارة العالمية مشيرا في الوقت نفسه الى ان المفاوضات بهذا الخصوص «صعبة جدا». وفي حديث لصحيفة «فيدوموستي» قال الوزير الروسي «في حال تركنا الامور تجري على ما هي عليه (بشان انضمام روسيا الى منظمة التجارة العالمية)، فسنواجه مخاطر جسيمة» مشيرا الى ان 90% من الصادرات الروسية تذهب الى دول اعضاء في منظمة التجارة العالمية. وقال «ان منظمة التجارة العالمية تشهد حاليا مرحلة جديدة من التحرر واذا تم اعتماد المعايير الجديدة من دون الاخذ بالاعتبار رأي روسيا، فسنجد صعوبات جمة للوصول الى الاسواق الخارجية» معتبرا بان على الاقتصاد الروسي «ان يعمل في كل الاحوال في اطار احترام هذه القواعد». واضاف «وخلافا لذلك، فلا بد من اتخاذ اجراءات مضادة للاغراق تشمل تقريبا جميع المنتجات الروسية المصدرة» وهو احتمال على حد قوله «يصعب على الاقتصاد الروسي التغلب عليه». وفي الوقت نفسه اعتبر الوزير الروسي ان المخاطر التي يندد بها المعارضون الروس في حال الانضمام الى منظمة التجارة العالمية «مفتعلة بمعظمها». وقال «نجري في جنيف مفاوضات صعبة جدا مع مجموعة عمل منظمة التجارة العالمية وندافع عن مستوى الرسوم الجمركية بشكل يحمي قطاعات بكاملها في اقتصادنا من دخول بضائع مكثفة متدنية الاسعار الى اسواقنا» واكد انه يمكن لروسيا «ان لا تقبل» باقتراحات منظمة التجارة البعالمية في هذا الخصوص. واشار الى ان مهلة من ستة الى ثمانية اعوام يمكن توقعها في حال ارادت روسيا ان تعمل على تكييف الرسوم الجمركية الروسية مع متطلبات المنظمة. واختتم جرمان جريف «علينا خلال هذه الفترة، ان نكيف قطاعات التصدير الاكثر حساسية مع الاسواق التنافسية». ـ أ.ف.ب
منظمة التجارة العالمية تخشى تعدد الاتفاقات الاقليمية بين الدول، 1394 مليار دولار حجم المبادلات الداخلية للاتحاد الأوروبي
