الدعوة الى عودة الأموال العربية المهاجرة بالخارج قديمة، لكن أصواتا رسمية وشبه رسمية عربية تعالت مؤخراً لتجديد الدعوة على خلفية احداث 11 سبتمبر الماضي في الولايات المتحدة الأمريكية، وما نتج عنها من حملات إعلانية مشبوهة ضد العرب والمسلمين، وما ترتب عليها من نظرة سلبية ضد كل ما يمثلونه، الامر الذي ادى الى اتخاذ اجراءات وتغيير وتشديد قوانين بشأن التعاملات المالية، وصلت الى تجميد ارصدة بدعوى انها اموال للارهابيين، بل اطلاق اليد في الولايات المتحدة، وبعض دول اوروبا لمصادرة اية اموال قد يرونها «مشبوهة». كل ما يحدث حاليا يدفع الكثيرين الى دعوة المستثمرين العرب الى اعادة النظر في اموالهم المستثمرة بالخارج، والتفكير الفعلي في اعادتها الى الوطن الام، لان «العالم قبل 11 سبتمبر ليس كالعالم بعده» على كافة المستويات، وخاصة فيما يتعلق بكل ما هو عربي ومسلم. والدعوات جاءت من اعلى المستويات الاقتصادية في الوطن العربي. وتأتي دعوة سمو الشيخ حمدان بن راشد آل مكتوم، نائب حاكم دبي وزير المالية والصناعة، في المقدمة، حيث دعا في كلمته التي ستوجه الى مؤتمر رجال الاعمال والمستثمرين العرب، في 12 نوفمبر المقبل بدبي، الى الاستثمار في الدول العربية، مؤكدا ان رؤوس الاموال والموارد البشرية والخبرات، التي تتمع بها دولنا العربية، تتيح تحقيق المزيد من التقدم والازدهار. فمن خلال القراءة للأرقام، نجد ان حجم الاستثمارات العربية بالخارج يقدر بنحو 800 مليار دولار ـ حسب المؤسسة العربية لضمان الاستثمارات ـ وتقدر بعض المصادر حجم الاستثمارات الخليجية فقط في الولايات المتحدة الأمريكية بنحو 260 مليار دولار. في حين نجد ان حجم الاستثمارات العربية البينية يقدر، وفقا لآخر الارقام، 4.2 مليارات دولار ولو حسبنا اجمالي الاستثمارات العربية البينية خلال 14 عاما، من عام 1985 ـ 1999، وقدرها 13 مليار دولار، نجدها لا تمثل سوى نسبة 3.1% فقط من اجمالي الاستثمارات العربية بالخارج..! في المقابل فإن تدفقات الاستثمار الاجنبي المباشر في الدول العربية لا تتجاوز سقف الـ 6 مليارات دولار فقط..! جرس انذار الدكتور احمد جويلي، الامين العام لمجلس الوحدة الاقتصادية العربية، اعلن خلال افتتاح مؤتمر الاندماج الاقتصادي العربي الاسبوع الماضي، ان هناك عدة اعتبارات تدعو المستثمرين العرب بالخارج الى استرداد استثماراتهم الى وطنهم الأم، يحددها في ان الآثار السلبية للعمليات الارهابية في الولايات المتحدة الأمريكية سوف تنعكس على حركة الاستثمار بوجه عام، بقدر ما تنعكس على عمليات الاستيراد والتصدير والتجارة الخارجية والعملات الاجنبية، وعلى كل المشروعات الكبرى، التي تساهم فيها الاموال العربية بمفردها، او بالاشتراك مع الاموال الاجنبية. ويضيف ان ما حدث يتعين ان يكون جرس انذار للجميع من اجل عودة الاستثمارات العربية المهاجرة، خاصة وأنه قد ترتب على ضربة 11 سبتمبر اغلاق عدد من الشركات في مجالات مختلفة، كما ترتب عليها انخفاض الانتاج في بعض الدول، وبداية فترة كساد طويلة ومشاكل اقتصادية عديدة، بالرغم مما يردده البعض من ان هذه الاثار ستكون وقتية، ولن تطول. ويشير د. جويلي الى ان هذه المشاكل الاقتصادية ستعود علينا سلبا في الدول العربية، سواء بانخفاض عمليات التجارة الخارجية مع الدول الاجنبية، او بانخفاض الحصيلة النقدية، وان الخسائر ستصل الى مليارات الدولارات، كما ان هذه المشاكل ستخفض من فرص الاستثمار، وستزيد من البطالة خلال السنوات المقبلة، ممعا ينعكس على الدخل القومي العربي، ويؤدي الى انخفاض مستوى المعيشة، خاصة في الدول العربية الفقيرة. من هنا فإن عودة الاستثمارات العربية من الخارج الى داخل الوطن العربي ضرورة، خاصة في ضوء المزايا التي تضمنتها قوانين الاستثمار المحلية في كل من الدول العربية، كذلك قوانين وضمانات وحوافز الاستثمار، وتغيير واقع الاستثمار في الدول العربية بعد التحول الى الخصخصة، واعتبار جذب الاستثمارات الاجنبية امرا حتميا. مناخ مبشر إذن.. هل يمكن ان تحط الأموال العربية المهاجرة في اوطانها الاصلية؟ وما المطلوب لتشجيع المستثمرين العرب، لاعادة النظر في الاستثمار بالخارج؟ عرضنا هذا السؤال على عدد من رجال الأعمال المعروفين بدبي، فماذا قالوا؟ سعيد الكندي، رجل الأعمال المعروف، يؤكد على ما قاله سمو الشيخ حمدان بن راشد آل مكتوم، من ان رؤوس الأموال والموارد البشرية والخبرات التي تتمتع بها الدول العربية تتيح لنا تحقيق التقدم والازدهار والنجاح وان ضخ الاستثمارات العربية يساعدنا على ردم الفجوة الرقمية القائمة بيننا والعالم. واضاف الكندي ان مناخ الاستثمار في الدول العربية، والامارات خاصة، مبشر ويدعو للتفاؤل، ويشجع على جذب الاستثمارات، سواء العربية او الاجنبية، ورغم ذلك ليس هناك قيود على الاستثمار في الخارج او الداخل، ورجال الاعمال واصحاب الاموال هم الذين يقررون ويدركون طبيعة استثمار اموالهم، سواء في الدول العربية او الاجنبية. ويؤكد الكندي ان الدول العربية اصبحت تتميز بمقومات كثيرة لجذب الاستثمارات من الخارج، واثبتت الاحداث انها الاكثر امانا وثقة. الدور على الحكومات رجال الأعمال خلف الحبتور يرى انها فرصة امام الحكومات العربية لتقديم الاغراءات والتسهيلات اللازمة لجذب الاموال العربية بالخارج، ولكنه يؤكد ان الاستثمارات العربية بالخارج لن تعود الا اذا شعرت بالامان مع وجود قوانين تضمن حمايتها، ففي دولنا العربية انت «تملك ولا تملك في الوقت نفسه». وبالتالي علينا في ظل تلك الظروف ان نبحث ايضا عن الاسباب، التي جعلت المستثمرين العرب يخرجون بأموالهم للخارج واولها عدم الاحساس بالراحة وعدم الثقة في القوانين. ويضيف خلف الحبتور ان هناك ارهابا اقتصاديا ايضا يمارس ضد الدول العربية، فما حدث لا دخل فيه لدولنا، ومع ذلك تأثرت الاوضاع الاقتصادية عامة في جميع دول المنطقة، ولكن الآلة الاعلامية الغربية قادت حربا اخرى ضدنا كعرب ومسلمين، واثارت الرعب في قلوب الناس في الغرب وامريكا، فما يحدث ليس حربا ضد افغانستان فقط، وانماحرب اقتصادية ضد المنطقة والعالم، بالاضافة الى انها تريد ان تتواجد في منطقة اسيا الوسطى. ويقول: اننا لابد ان نوضح للعالم، من خلال كافة اجهزة الاعلام، اننا دول مسالمة، وديننا لا يسمح بارهاب الآخرين، فما تنشره وتذيعه محطات مثل ال«سي. ان. ان» يشكل حربا اقتصادية بشعة ضدنا. ويذكر انه ارسل ذات مرة الى المحطة الامريكية اثناء الاحداث الاولى في الاراضي الفلسطينية، مذكرا بأن الصراع يحدث بين اسرائيل والفلسطينيين، وليس في كل منطقة الشرق الاوسط، لكنهم لم يردوا عليه. ويرى الحبتور ان وضع الاموال العربية بالخارج اصبح غير آمن، في ظل اصدار قوانين وتوصيات جديدة للتشديد على العرب والمسلمين، وعلى اموالهم، بعد احداث 11 سبتمبر ويضيف: لا استبعد الا تكون هناك ما يسمى بالسرية المصرفية على اموال العرب، وهذا قد يشجع على الاستثمار في الدول العربية، بشرط تغيير القوانين واشاعة جو من الامان والاطمئنان للمستثمرين. وحول عدم استغلال العرب الفرصة للاستثمار في وسائل الاعلام بالخارج، قال الحبتور: إن الاستثمار في الاعلام يجب ان يكون بعيدا عن الحكومات، التي يمكن ان تساهم فيه بدون تدخل في السياسات الاعلامية. وحسب علمى هناك دراسة حول ذلك في جامعة الدول العربية، لكن المبلغ المرصود للدراسة، وهو مليون دولار، لايساوي إلا قيمة إعلان واحد في النيويورك تايمز..! أما التأثيرات الاقتصادية جراء الاحداث، فقد طالب خلف الحبتور بضرورة القيام بحملات اعلامية قوية في المحطات والصحف الغربية لتوضيح الحقائق والواقع الامن في دولنا. وهذا يكشف عن قضية مهمة للغاية، وهي ان يكون لدينا مراكز ابحاث تدرس الاوضاع الحالية وتوقعاتها وسبل تفادي نتائجها وآثارها السلبية. قلق شديد الدكتور احمد سيف بالحصا، رجل الاعمال ورئيس جمعية المقاولين بالدولة، يقول: مع تسليمنا بضرورة تنويع اماكن الاستثمار والقطاعات، لكن الاحداث الاخيرة فتحت الباب أمام امكانيات العودة، ولو بنسبة اولية في الوقت الراهن. ويتوقع ان تعود نسبة ما بين 10 ـ 15% من الاستثمارات العربية بالولايات المتحدة الأمريكية بسبب الأحداث، التي رافقت اعتداءات 11 سبتمبر، من ردود افعال بالغت في تصوير الاحداث، واوجدت حالة توتر شديد على مستوى العالم، وليس في نطاق دولة، بالاضافة الى القرارات الامريكية، التي تعطي لها الحق في تجميد الاموال او الاستثمارات ومصادرتها، وتجميد الحسابات والودائع التي في حوزتها، او حتى في حوزة البنوك الأوروبية دون وجه حق قانوني. بالتالي اصبح المستثمر غير آمن على استثماراته خارج وطنه، ويشير الى ان ما حدث من مصادرة لأموال بعض الافراد او الهيئات أثار قلقا شديدا لأن ذلك تم دون تطبيق القانون، وانما بسلطة حكومة، وهذا النوع من التصرفات يعرض اي استثمارات في امريكا واوروبا للخطر. واذا كانت الحالة كذلك فمن الافضل للمستثمر ان يبحث عن مكان آمن لاستثماراته. ويرى د. بالحصا انه في السابق كانت هناك مآخذ كثيرة بشأن المناخ الاستثماري في الدول العربية، ولكن ما يحدث في امريكا حاليا اسوأ بكثير مما يحدث في دولنا العربية، فقد تتعرض استثماراتنا هناك لاية شبهة او وشاية، وبالتالي يتم مصادرتها. فما حدث في 11 سبتمبر جزء من «لعبة الامم» ومخطط لها بإحكام، واتصور ـ كما يقول بالحصا ـ ان لكل ذي عقل ان يفكر في ضمان استثماراته، وهذا ما اتوقعه، ولو بشكل جزئي، في الوقت الحالي، وخاصة من جانب المستثمر الخليجي، الذي بدأت دوله في اتاحة كل سبل الاستثمار امامه دون عوائق. ولكن بالحصا ينبه الى ضرورة انتهاز الفرصة السانحة امام الدول والحكومات العربية لجذب الاستثمارات العربية من الخارج، وعليها اولا تنظيف ادراجها من القوانين المعقدة، واعداد بنية تشريعية قوية لضمان الاستثمار، ورفع العائد الاستثماري، اذا ارادت جذب الاستثمارات. واعتقد انه يجب تقوية اسواق المال العربية، والربط بينها، ويؤكد د. احمد سيف بالحصا ان الوضع الحالي لن يستمر طويلا حتى يتأكد الناس من ان دولنا لاتعاني من مشاكل امنية، وتعد من اكثر الدول امنا وأمانا، مشيرا الى ان هناك نتائج ايجابية من الاحداث، اهمها امكانية زيادة السياحة العربية البينية، فالكثير من العرب سوف يتجنبون السفر الى اوروبا وامريكا خلال ا لمرحلة الحالية، واعتقد أن الامارات ودبي خاصة ستحظى بنسبة كبيرة من السياحة العربية