احتفظ الذهب ومنذ القرون الاولى بلقب المعدن النفيس ورغم وجود معادن أخرى تقاسمه هذه الصفة الا ان الاصفر خطف منها البريق ليكرسه لذاته عبر الاجيال، ولم يكن ذلك فقط نتيجة لاقبال الشعوب على اقتنائه والتزين بمفرداته من قلادات واساور واقراط وغيرها من المشغولات، بل لانه وحتى اليوم تعتمد عليه الدول كغطاء نقدي لعملاتها الموجودة بالاسواق .واذا كان منتجو المعدن واجهوا بعض الصعوبات نتيجة التراجع المستمر بسعر المعدن ووصل بالبعض إلى القول بأن الاصفر فقد بريقه فقد اثبتت فترة الترقب التي اعقبت احداث سبتمبر الماضي في الولايات المتحدة ان الذهب يمثل ملجأ الامان للمستثمرين في اوقات الشدة حيث اعقب التفجيرات التي شهدتها الولايات المتحدة في سبتمبر الماضي ارتفاع اسعار الذهب إلى حاجز 300 دولار للاونصة ولكن بعد مرور اسبوعين او اكثر قليلاً عاود الذهب إلى تسجيل تراجع سعري وليتخلى عن المكاسب المتحققة في ذروة الازمة ليعود سيرته الاولى ووضعه العادي. في حوارات ولقاءات مع تجار الذهب المشاركين في معرض الساعات والمجوهرات بمركز اكسبو حاولنا ان نقترب من الظاهرة وان نحصل على اجابات على سؤال حائر منذ فترة هل يفقد الذهب بريقه وهل سيصبح معدناً عادياً مثل الحديد والنحاس؟ وبالاضافة إلى هذه القضية المحورية تطرق الحوار إلى نقاط أخرى. يقول سالم الشعيبي وهو من تجار الذهب والمجوهرات المعروفين وصاحب محلات الشعيبي المعروفة ان لا احد يستطيع ان يقول بأن الاصفر الرنان سيفقد بريقه او حتى في طريقه إلى ذلك فهو معدن استقر في عرف ووجدان الشعوب على انه له قيمة ادخارية واستثمارية وهو ملجأ آمن لكبار وصغار المستثمرين، وهو كأي سلعة سعره متحرك مرة إلى ارتفاع وتارة اخرى إلى انخفاض، واذا ما نظرنا إلى الادوات الاستثمارية الاخرى الحديث منها والقديم نجدها تمر بنفس المراحل ولكن الذهب اكثر ثباتاً منها والمتغيرات السعرية فيه ليست بالقوة نفسها التي تحدث بهذه الادوات فما يحدث بالاسهم والسندات انهيار أما الذهب فهو يسجل تراجعاً وليس انهياراً، والتحركات السعرية بالمعدن ليست بحجم التحركات السعرية بالادوات الاستثمارية الحديثة ففي الذهب محدودة وفي نطاق محدد. ويؤكد الشعيبي انه مع اتساع وزيادة حجم الاستثمارات والاموال التي تضخ بالاسواق فقد تنوعت الاوعية والادوات الاستثمارية التي تنافس الذهب ومنها العقار الذي يظل محلياً على الاقل هو الافضل والاكثر اماناً، ولا ننكر ان الاسهم والسندات اصبحت من عوامل الاغراء للمستثمرين في الاسواق المالية الدولية ولذلك اتجهت شرائح من المستثمرين إلى قطاعات اخرى غير الذهب وهذا بدوره اثر على حركة الطلب على المعدن ومع تراجع الطلب لابد ان يتراجع السعر، ولكن تبقى للذهب ميزة اضافية وهو انه سلعة واداة استثمار في الوقت نفسه ومعظم شعوب العالم تحب التزين بالذهب ومادام هناك نساء على وجه الارض سيبقى الذهب مطلوباً ولن يفقد بريقه. وعن تفسيره لارتفاع الذهب عقب احداث نيويورك في 11 سبتمبر الماضي اكد ان ذلك امر طبيعي. فالذهب ـ وهذا ما اكدته هذه الازمة ـ هو الملاذ الآمن للمستثمرين وقت الازمات ـ فمع ازدياد المخاوف من انهيار كامل للبورصات العالمية ـ سارع المستثمرون لشراء الذهب ـ ولكن بعد اتضاح الرؤية عادت الحركة إلى وضعها الطبيعي وعاد سعر الذهب إلى وضعه الطبيعي. التذبذب بالأسعار من ناحيته يؤكد تمجيد عبدالله مدير مجموعة داماس للذهب والمجوهرات في دبي والتي تمتلك حوالي 103 افرع بدولة الامارات وبدول عربية اخرى ان الذهب لايزال وسيبقى دائما محافظا على بريقه، بل وبحكم عوامل تاريخية متأصلة في اذهان الجميع سيظل محافظا على هذا الوضع، وعندما جاءت احداث الولايات المتحدة الأخيرة وشعر البعض باهتزاز الاسواق لجأ المستثمرون الى الذهب فصعد سعره، ولكن عاد الوضع الى طبيعته لان اثار الازمة الاخيرة لم تمتد كثيرا ولذلك توقف شراء الذهب فعاد سعره الى وضع ما قبل الازمة وحول الخسائر المتحققة للبعض من جراء التذبذب السعري في فترة زمنية قصيرة لا تتجاوز ثلاثة اسابيع حيث ارتفع سعر المعدن مع تفجيرات نيويورك الى 300 دولار تقريبا للاونصة ثم تراجع الى ما دون 270 دولارا قال توفيق ان هذا التراجع لم يتجاوز 7%، والمضاربون يتحملون نتائج مضارباتهم وكما يربحون يخسرون ولكن بصفة اجمالية هذه الخسائر التي تعرض لها المستثمرون بالذهب لا تقارن بما تعرض له نظرائهم من المستثمرين في الاسهم الأوروبية او الامريكية، او شركات الطيران، والشركات التكنولوجية، ومؤشرات البورصات العالمية تؤكد ما نذهب اليه. الماس ينافس الذهب ولكن وكما يذكر تمجيد عبدالله ان الذهب لم يعد اللاعب الوحيد على الساحة فقد دخلت ادوات اخرى لتنافس المعدن كسلعة للزينة او للاستثمار ومنها الماس الذي اصبح حاليا من اقوى المنافسين له بالسوق خاصة بعد عرضه باسلوب حديث يتفق واحتياجات السوق والعملاء وبسعر حقيقي بعيدا عن المغالاة التي كانت سائدة في الماضي، حيث يتم تصنيع مشغولات ماسية مركبة على اطقم ذهبية وباسعار معقولة تناسب كافة الدخول ولذلك وجدنا شريحة كبيرة من العملاء بدأت تتجه الى اقتناء الماس خاصة بعد ان توافرت سبل وطرق ترويجية تتيح للمشتري عدم مواجهة خسائر كبيرة عند اعادة بيعه للتاجر حيث كان يفقد في السابق ما بين 40 ـ 45% من ثمن القطعة ولكن حاليا يمكن للمشترى إلا يخسر اكثر من 10 ـ 15% من السعر وهو تقريبا نفس قيمة ما يسمى بالمصنعية في الذهب. واشار تمجيد عبدالله الى ان سعر الذهب واستقراره يدعم المبيعات ويشجع العملاء على دخول السوق والتذبذب يؤثر على الاداء العام وهو في ذلك يتفق مع سالم الشعيبي. 25 مليون دولار الماس وذكر امير محلاتي وهو من تجار الماس المرموقين ان الماس ومبيعاته اخذت في التوسع خلال السنوات الاخيرة، خاصة مع تراجع اسعار الذهب، ووجود فئة تحب التميز عن العامة حيث اصبح بامكان الجميع شراء الذهب بعد ان كان صعب المنال من قبل، ولذلك وجدت تشكيلات مختلفة ترضى كل الاذواق مؤكدا انه ومن خلال محلاته فقط يبيع بحوالي 25 مليون دولار سنويا سواء داخل اسواق الدولة ام خارجها، ويتم البيع بنسبة 20% من هذا داخل اسواق دولة الامارات بينما 80% منه هي عائد من صادرات الماس الى دول خليجية وعربية. واضاف ان ارتفاع او انخفاض اسعار الذهب لا تؤثر على مصنعي او تجار الماس لان الماس لا يباع بالوزن ولكن بالقطعة وحسب محتوياتها وتصنيعها مؤكدا ان تصنيع او اقامة صناعة لصقل الماس محليا امر صعب لعدم وجود الخبرات المحلية ولذلك فان «محلاتي» قد اقامت مصنعا في تايلاند لتصنيع الماس وجلب المصنوعات الى دبي ثم اعادة تصديرها الى دول المنطقة. واشار الى ان الماس الذي يتم تصنيعه في مصنع المجموعة في تايلاند يراعى في تصميمه الذوق الخليجي والعربي مشيرا الى ان السوق بدولة الامارات جيد وحدث نوع من الترقب في اعقاب احداث سبتمبر ولكن الوضع عاد الى طبيعته حاليا. وعن المنافسة بالسوق قال امير محلاتي نعم توجد بها منافسة قوية، ولكنها تصب في صالح جودة المنتجع والمستهلك ايضا، وسوق دبي سوق قوية ولا يوجد فيها مكان لمن تكون صنعتهم غير جيدة وتقديم الافضل. الوضع السوقي وعن الوضع والآداء حاليا بالسوق المحلية يؤكد سالم الشعيبي، ان السوق المحلية مثلها مثل باقي الاسواق العالمية، تأثرت لفترة بما يحدث على الساحة العالمية ولكنه تأثير محدود ولم يستمر طويلا، حيث عادت الامور الى وضعها الطبيعي، ولكن حتى قبل الاحداث الأخيرة، فان السوق كانت تعاني من حالة ركود نسبي لاسباب مختلفة. واشار الى ان عودة الاموال العربية المهاجرة سيكون لها تأثير قوي على قطاع الذهب وعلى الاقتصاد ككل اذا ما عرفت ان هذه الاموال تقدر بالمليارات التي من شأنها ان تنعش السوق لانها ستوفر السيولة التي بدورها اساس أي انتعاش. وقال ان السوق يشهد حالياً زيادة باعداد المحلات المتخصصة في بيع الذهب والمجوهرات مما أوجد عرضاً أكثر من الطلب ونتمنى من الجهات المعنية ان تضع شروطاً ومواصفات لمزاولة مهنة تجارة الذهب وان يكون الترخيص حسب حاجة السوق للمحافظة على هذه التجارة المهمة. كما يجب منع البيع المباشر من خلال معارض الذهب والمجوهرات من المشاركين الاجانب لأن ذلك يؤدي الى انعكاسات سلبية على التجار المحليين ويجب الزام العارضين الاجانب بالبيع عبر وكلاء محليين، وهذا مفيد ايضاً للمستهلك الذي يجب ان يطمئن الى ان ما اشتراه يستطيع مراجعة جهة مسئولة اذا ما اكتشف عيوباً خفيفة. كما ان تجار الشنطة يؤثرون ايضاً على التجار المحليين لانهم لايدفعون ايجارات وليس عليهم التزامات وقد قامت الجهات المعنية في امارة ابوظبي بمنعهم من البيع بالفنادق ولكن لهم أساليب اخرى. تعادل الاداء اما تمجيد عبدالله فيشير الى ان السوق يشهد حالياً تراجعاً في المبيعات للسياح الذين قل عددهم بسبب الاحداث الأخيرة الا ان ذلك تم تعويضه عن طريق زيادة المبيعات المحلية مما أوجد وضعاً متعادلاً بالسوق. وقال انه خلال الفترة الأخيرة والتي شهدت ارتفاعاً بأسعار الذهب لم تشهد حركة بيع غير عادية مما يسمى «بكسر الذهب» للاستفادة من فروقات الاسعار بل كان الاداء عادياً مؤكداً ان أهم المتاعب التي تواجه تاجر الذهب هي ضعف الأسواق أو قلة عدد الزبائن وغير ذلك يمكن التغلب عليه. وطلب من المستهلك أو زبون الذهب أن يقصر تعامله على التجار المحليين لان ذلك فيه ضمانات كافية لمشترواتهم. واجهة المنطقة وأكد تمجيد ان سوق دبي لاتزال قائدة الأسواق في منطقة الشرق الأوسط وهي الواجهة الحضارية لأسواق المنطقة لان تجارها لهم من الخبرات والعلاقات ما تجعل الأسواق المجاورة تحتاج اليهم لتسويق منتجاتهم من الذهب والمجوهرات وان هذه المكانة لم تأت من فراغ بل واقع حقيقي موجود يفرضه الموقع والخبرة المتوارثة عبر الاجيال. وأضاف انه اذا كانت بعض الدول بالمنطقة قد وصلت الى مراحل تصنيعية وانتاجية جيدة فانها تحتاج الى سوق دبي وتتخذ من هذه السوق مركزاً لانطلاقها الى الأسواق الاخرى سواء للتصدير أو اعادة التصدير، كما ان الخليجيين يعلمون ان كل جديد يبدأ من دبي ولذلك نجد ان سوق الذهب هي مقصدهم. وعن ظاهرة زيادة اعداد المحلات التي تعمل في تجارة الذهب ـ قال ان ذلك له آثار سلبية على التجار وقطاع الذهب والمجوهرات بشكل عام خاصة وان نسبة الزياد بالطلب لاتنمو بالقدر نفسه الذي تتزايد فيه اعداد المحلات وهذا يؤثر على عائد التجار، ولكن سيبقى بالسوق الاصلح والاقوى ايضاً، والمهم الا يؤثر ذلك على وضعية السوق مشيراً الى ان عدد المحلات في دبي حالياً يقارب 600 محل وهو عدد كبير ويؤثر على التجار. سوق واعدة ويقول ليفون بارسخيان مدير المبيعات في محلات ارما نور من لبنان ان المعارض التي تنظم في دولة الامارات هي فرصة للتجار من الخارج لعرض منتجاتهم في سوق قوية وواعدة مثل سوق دولة الامارات، ومن هنا تأتي مشاركتنا الدائمة والمستمرة في هذه المعارض حتى يتعرف الناس على منتجاتنا، ان للذهب والمجوهرات مواسم يشتد فيها الطلب وأهمها على الاطلاق مواسم الزواج والتي تأتي في الغالب في نهاية الصيف. تحقيق: مصطفى عويضة