بعد الحرب العالمية الثانية كانت هناك نظرة دولية جديدة، حيث بدأ المفكرون في العالم يعدون لإنشاء مناطق إقليمية خاصة في المجالات الاقتصادية والمالية والنقدية، وذلك لحماية الدول المنفردة من المخاطر الجسيمة التي تعرضت لها أثناء الحرب الثانية وبعدها. ونظرا لأن أوروبا كانت من أكبر القارات التي قاست من أهوال الحرب، حيث امتدت المعاناة إلى كل الدول الأوروبية سواء تلك التي اشتركت في الحرب أو تلك التي ابتعدت عنها، فقد خرجت أولى صيحات التعاون الإقتصادي الإقليمي من أوروبا، ومن أفواه أساتذة الاقتصاد وعلماء الفكر السياسي، وبمساندة من الولايات المتحدة الأمريكية التي كان لها دور كبير في دعم الاقتصاد الأوروبي بعد إنتهاء الحرب الثانية. ولقد تمثل هذا الدعم الأمريكي في مشروع وزير الخارجية الأمريكي في ذلك الوقت الذي كان يدعي جورج مارشال عام 1947 والذي وضع مخططا مستقلا للمعونة الأمريكية لأوروبا أطلق عليه «مشروع مارشال» تضمن النقاط التالية: ـ يجب أن تتفق البلدان الأوروبية فيما بينها حول الكم المطلوب من المساعدة والجزء الذي سوف تحتاجه كل منها . ـ يجب أن تقوم الدول الأوروبية بعمل مشترك لانعاش اقتصادياتها وأن تخفض الحواجز التجارية فيما بينها بالإضافة إلى حواجز العملات النقدية . ـ يجب أن تضمن هذه الدول الاعتماد على نفسها اعتبارا من عام 1952 . ـ يجب على الدول الأوروبية، لكي يتم تطبيق هذا البرنامج، أن تنشئ منظمة دولية تقوم بالعمل كوكالة للتعاون بين هذه الدول. هذه الشروط كانت تعني رسالة أمريكية للدول الأوروبية بضرورة إتخاذ إجراءات فعالة بإتجاه عملية التوحيد، وأن ذلك سوف يلقي مباركة من الولايات المتحدة الأمريكية. وكان مارشال يعني بمشروعه كل دول أوروبا أو «كل شئ غرب الأورال» إلا أن الإتحاد السوفييتي ما لبث أن أعلن رفضه للمشروع الأمريكي باعتباره تدخلا في سياسة الإتحاد السوفييتي. وهو الذي عكس تخوف السوفييت من التبعية الاقتصادية للولايات المتحدة الأمريكية، فضلا عن رفضه أن يكون تطبيق مشروع مارشال في شرق أوروبا مقدمة لفرض السيطرة الأمريكية عليها. ومن هنا بدأت الصحوة الأوروبية الغربية لاقامة سوق أوروبية مشتركة تتضمن مجالات تجارية ومالية ونقدية، وذلك بعد أن تعثر التوحيد السياسي في ذلك الوقت والذي كان حلما راود الكثير من الأوروبيين غير أنه فشل في عام 1954، وبدأ التفكير في إنشاء المجتمع الاقتصادي والجماعة الاقتصادية الأوروبية التي رؤى أنه يمكن تطويرها فيما بعد نحو توحيد أوروبا في مجالات أخرى. لقد كان هناك إصرار أوروبي على التوحيد الاقتصادي بعد أن تعثر التوحيد السياسي وتحول الاهتمام إلى إنشاء سوق أوروبية مشتركة بدأ التفكير فيها منذ عام 1955 وعلى أساس المبادرة التي اتخذتها دول البينلوكس التي تقدمت بمذكرة إلى إنشاء وحدة أوروبية وعمل محدد في مجال الطاقة، خاصة منها الذرية، والمواصلات وبعض القطاعات الاقتصادية الأخرى. قد كانت الفكرة الأساسية التي استندت إليها دول البينلوكس هي أن الوحدة السياسية صعبة التحقيق، وبالتالي فلا مناص من إيجاد سياسة على المدى الطويل والمتوسط تتضمن تحقيق التكامل الاقتصادي الشامل على مراحل، بحيث تمهد نتائج التجربة في كل مرحلة الطريق للمرحلة التالية في إتجاه تحقيق الهدف الأساسي وهو إنشاء السوق الأوروبية المشتركة، وبحيث لا تزيد كل مرحلة عن خمس سنوات. وقد تسارعت الخطوات التنفيذية نحو الوصول إلى السوق الأوروبية المشتركة حيث تم وضع سياسة زراعية مشتركة وفي مجال الصناعة تم أيضا وضع سياسة مشتركة تضمنت صناعة الصلب وصناعة السيارات وصناعة النسيج والملابس وصناعة الورق والكرتون وتكنولوجيا المعلومات الجديدة مع الغاء الحواجز التجارية ومعالجة مشاكل الضرائب وإنشاء نظام نقدي أوروبي وتنسيق أنظمة تشغيل العمالة ووضع لوائح للعاملين وتحسين ظروف العمل والمعيشة، حتى النواحي الثقافية تم التنسيق فيها. توالت الخطوات الجدية في ظل تصميم وإرادة قوية وترحيب شعبي ونشاط متواصل لتحقيق السوق الأوروبية المشتركة، إلى أن تم إعلان قيام الإتحاد الأوروبي عام 1991 والذي ضم السوق الأوروبية المشتركة بعد أن تحولت إلى سوق أوروبية موحدة وهو ما يعني تحويل أوروبا إلى دولة واحدة من الناحية الاقتصادية واتاحة الفرصة لكل مواطن أوروبي أن يعيش ويقيم ويعمل في أي دولة أوروبية يستطيع التنقل بلا قيود داخل الدول الأوروبية الأعضاء والتي تضم حاليا خمس عشرة دولة وذلك باعتبارها دولة واحدة من الناحية الاقتصادية. أما في المنطقة العربية، فبقدر ما كان التصميم في بداية جادا في بداية نصف القرن الأخير على إنشاء السوق العربية المشتركة التي صدر قرار إنشائها من مجلس الوحدة الاقتصادية العربية في عام 1964، إلا أنها لم تنشأ عملا حتى الآن وبعد أن مضى ما يزيد عن سبعة وثلاثين عاما على قرار إنشائها، وبالرغم من مطالبات كافة الشعوب العربية وكافة الزعماء العرب المخلصين بتحقيقها باعتبارها أصبحت مسألة حياة أو موت للأمة العربية. ولقد عرض الأمر على القمة العربية المنعقدة بالقاهرة خلال الفترة من 21-23 يونيو عام 1996، والتي اتخذت قرارا بتكليف المجلس الاقتصادي والاجتماعي لجامعة الدول العربية باتخاذ ما يلزم نحو الإسراع في إقامة منطقة تجارية حرة عربية كبرى خلال عشر سنوات تبدأ في أول يناير عام 1997 وعلى أن يتم تخفيض الرسوم الجمركية عشرة في المائة كل سنة، ويكون ذلك بداية لسوق عربية مشترك. ومع ذلك مازالت منطقة التجارة الحرة العربية متعثرة حيث لم ينضم إليها حتى الآن سوى خمس عشرة دولة أما الدول العربية الأخرى فإنها لم تنضم بعد وتثير صعوبات لم تتمكن جامعة الدول العربية من تذليلها حينئذ، ونأمل أن تتمكن من تذليلها في عهدها الجديد وبعد أن تم تعيين أمين عام جديد بدأ فورا في إعادة هيكلة الجامعة العربية، وسوف يمتد هذا التطوير ليشمل كافة المنظمات العربية المشتركة ودمج بعضها من تلك التي لم تحقق إنجازات محددة نحو تحقيق السوق العربية المشتركة. أقول ان التصميم الاوروبي والعمل الأوروبي الجاد كان وراء إنشاء السوق الأوروبية المشتركة التي تم إنجازها في أقل من ثلاثين عاما وفي جميع القطاعات الاقتصادية والمالية، وأيضا النقدية حيث يبدأ في يناير المقبل تطبيق العملة الأوروبية الجديدة «اليورو» الذي يعمل به في كافة الدول الأوروبية الأعضاء ما عدا ثلاث دول فقط مازالت تبحث الانضمام إليها ومنها انجلترا التي يصعب عليها أن تتخلي على عملتها «الجنيه الاسترليني» السارية منذ قرون عديدة والتي انتشرت في كل دول منطقة النقد الإسترلينية، غير أنه أما مصالح مواطنيها سوف تتخلى قريبا عن عملتها المحلية وتستبدلها باليورو. ومن الملاحظ أن كافة المجالات التي يعمل من خلالها التعاون الاقتصادي العربي لا تتجه مباشرة إلى السوق العربية المشتركة، وإنما تبتعد عنها كثيرا،وقد أصبح يتطلب إعادة نظر ووقفه طويلة لوضع خطوات تتجه مباشرة إلى تحقيق السوق العربية المشتركة، منها دمج المؤسسات المالية والاقتصادية الصغيرة والمتوسطة، ومنها الغاء الحواجز على تبادل السلع والخدمات والأموال والأشخاص ومنها أيضا تنسيق سياسات النقد والتمويل والضرائب والنقل والمواصلات السلكية واللاسلكية.. الخ. إن المطلوب اليوم وفي ضوء التطورات الدولية الأخيرة والمعاناة التي يعيشها الشعب الفلسطيني هو صحوة اقتصادية عربية تبتعد عن أية خلافات أيديولوجية بين الدول العربية، صحوة تعيد قوة الوطن العربي وتوضح للعالم أجمع ماهية الحضارة العربية الإسلامية التي يتطاول عليها بعض الذين لا يفهمونها.