تطرقنا في الحلقات الماضية المتعددة الى العديد من الافكار الاقتصادية الاسلامية والى افكار بعض الرواد المسلمين وأهمهم ابن خلدون، الذي وقفنا على ارائه بشيء من التفصيل. وانتهينا الى موضوع اساسي الا وهو موقف الاسلام من الملكية وإدارة الانتاج وشكل توزيع الناتج، ولقد تبين لنا ان الاسلام يقر حق الملكية الفردية للمال، لكن ذلك ليس كشكل الملكية في النظام الرأسمالي، وانما ملكية استخلافية بوسائل التملك المشروعة، واليوم نتطرق الى أهم هذه الوسائل. ان أهم وسائل وطرق التملك المشروعه والمباحة في الاسلام اربعة وهي: العمل، والميراث، الوصية، واحياء الارض الموات. ـ العمل: باديء ذي بدء، حارب الاسلام وبشدة الفكرة القديمة عن العمل والتي تعتبره اهانة ومذلة، وانه من اختصاص العبيد والارقاء أو الطبقات الدنيا في المجتمع، كما كان عليه الحال في كل المجتمعات الانسانية القديمة، كالمجتمعات البابلية والهندية واليونانية والرومانية، لابل ان هذه الفكرة بقيت لصيقة بالعمل اليدوي والعضلي في أوروبا طيلة العصور الوسطى، المتزامنة مع بدايات الاسلام، ولقد قرر الاسلام ان قيمة المرء لاتقاس الا بالعمل ايا كان نوعه، العمل الصالح الذي يقدمه الانسان لربه وللناس، ووصل الامر الى ان رفع الاسلام من شأن العمل ليجعله في مرتبة العبادات والواجبات الدينية الاساسية كالجهاد. «علم ان سيكون منكم مرضى وآخرون يضربون في الارض يبتغون من فضل الله واخرون يقاتلون في سبيل الله» (المزمل، الاية 20)، ولقد مر على النبي (صلى الله عليه وسلم) في يوم من الأيام رجل قوي نشط متوجهاً جهة معينة، فقال له أصحابه يا رسول الله، لو كان هذا في سبيل الله، فقال الرسول (صلى الله عليه وسلم) «ان كان خرج يسعى على ولده صغاراً فهو في سبيل الله وان كان خرج يسعى على ابوين شيخين كبيرين فهو في سبيل الله وان كان خرج يسعى على نفسه يعطيها فهو في سبيل الله» وقال الامام علي (رضى الله عنه) الساعي على الارملة والمسكين كالمجاهد في سبيل الله. وهناك امثلة لاحصر لها على تقديس العمل سواء وردت بالقرآن الكريم أو السنة النبوية أو بالتطبيق الفعلي للخلفاء الراشدين انفسهم.. فسيدنا محمد (صلى الله عليه وسلم) كان راعياً، رعي الغنم والابل واشتغل بالتجارة وعلي بن ابي طالب (رضي الله عنه) كان يعمل بالزراعة وهو خليفة وابوبكر وعثمان (رضي الله عنه) عنهما عملا بالتجارة وانفقا كل اموالهما في سبيل الاسلام وليس أدل على تقديس العمل في نظر الاسلامي من قوله (صلى الله عليه وسلم) «ان من الذنوب ذنوباً لايكفرها الصلاة ولا الحج ولا العمرة يكفرها الهموم في طلب المعيشة». لقد ادرك الاسلام ان العمل هو العنصر الاساسي ان لم يكن الحاسم في عناصر الانتاج كلها، وخاصة العمل اليدوي مع عدم استهانته باشكال العمل الاخرى، وبهذا التقدير للعمل يكون الاسلام قد اكتشف ان العمل هو مصدر قيم الاشياء والاموال قبل غيره من النظريات الاقتصادية الكلاسيكية والاشتراكية بثلاثة عشر قرناً أو يزيد. ان عناصر الانتاج في الفكر الاسلامي في رأي اكثرية الفقهاء المسلمين عنصران هما العمل والمال. ويستنتج ذلك من جواز تقسيم الربح في حالة الشراكة بين العمل والمال. وذلك عندما يقدم احد المشتركين مالاً ويقدم الآخر عملاً كما هو الحال في عقد المضاربة، ويشمل المال في الفقه الاسلامي رأس المال بمعناه المعروف في الفكر الاقتصادي والموارد الطبيعية اللازمة للانتاج وبالأخص الارض. والاسلام يعرف المال. بانه كل ما يمكن حيازته والانتفاع به وبالطرق الشرعية. ويقول الامام الشافعي (رضي الله عنه) بان مفهوم المال لايصح ولايقع الا على الشيء الذي له قيمة يباع بها فالشيء لايعد مالا في الفقه الاسلامي الا اذا تحقق فيه شرطان امكانية حيازته وامكانية الانتفاع به. ومعنى ذلك لاتعتبر الاشياء نافعة مالا اذا لم يكن بالامكان حيازتها كالهواء والشمس والغابات، كذلك لاتعتبر مالا تلك الاشياء التي يمكن حيازتها ولكن لايمكن الانتفاع بها كالطعام الفاسد ويتضح ان تعريف الفقهاء للمال مقارب جداً للتعريف السائد في الفكر الاقتصادي الحديث (النفع والندرة) والفارق الوحيد هو ان الاسلام سبق هذا الفكر بأكثر من اربعة عشر قرنا. ان مفهوم العمل في الفقة الاسلامي لايقتصر على العمل المأجور وانما كل جهد بشري سواء تم ذلك باجر أو بدونه، فصاحب العمل الذي يقوم مع عماله بعمل ما يعد نشاطه هذا عملاً، وكذلك عمل المنظم بالمفهوم الحديث يعتبر عملاً ايضا لانه نشاط اقتصادي يؤديه صاحب العمل مع العمال. وفي عهد عمر بن الخطاب (رضي الله عنه) امتدت الفتوحات الاسلامية لتشمل المجتمعات العربية الغنية آنذاك (العراق وبلاد الشام ومصر) والتي جلبت الى مركز الدولة الاسلامية العربية في الجزيرة العربية ـ المدينة المنورة ـ الخيرات والكنوز والسلع المتعددة والتي ذهل لمرآها الكثيرون من الصحابة بل وبكى عمر بن الخطاب (رضي الله عنه) خشية من آثارها. وامام هذه الظاهرة الجديدة، فان الخليفة الفاروق اتخذ العديد من الاجراءات ايجابية وسلبية. ايجابية، انه جعل هذه الاموال مصدراً جديداً للاستثمار كي يعم الرفاه الجميع، وسلبية انه منع الجند الفاتحين من امتلاك الاراضي الزراعية خشية ان يتحولوا الى بشر يكون هاجسهم الاول حب الدنيا وتراكم الثروات دون عمل يذكر، فالاسلام من حيث المبدأ لايقف من الغني موقفاً سلبياً ابداً، لابد انه يخص دائماً وابداً على العمل من اجل احياء الارض والانتفاع بخيراتها، والتنعم بطيباتها، ولكن شريطة ان يكون ذلك دائماً وابداً بالطرق الشرعية المقررة في الاسلام ومن المعلوم في النظرية الاقتصادية ان الادخار الناجم عن التراكم ان لم يتحول الى استثمارات منتجة يصبح اكتنازا والاكتناز غير الادخار، ففي حين يكون الثاني مفيداً ومطلوباً في الاقتصاد الوطني يكون الأول ضاراً له، ومن هنا كان التوجيه الرباني بتحريم الاكتناز، واعتباره جرماً يعاقب صاحبه باقصى أنواع العقوبات الالهية.