تناولنا في الحلقة الماضية المفهوم الدارج والمتداول للتوطين في الامارات، ومدى التباين في الرؤى والتفسير حول هذا المفهوم وانعكاس هذا التباين على مسيرة سوق العمل ثم الاقتصاد الاماراتي، ثم المجتمع ولما كانت ومازالت قضية التوطين التي يتحدث عنها الجميع في يومنا هذا باعتبارها احدى اهم القضايا التي تمس واقع الانسان الاماراتي اقتصاديا وثقافيا واجتماعيا وامنيا وسياسيا وربما وجوديا فإنه من الضرورة بمكان محاولة تحليل هذه القضية بأبعادها وتداعياتها لعلنا نصل الى المفهوم الحقيقي للتوطين مع تركيزنا على مفهوم توطين الاقتصاد باعتباره الحلقة الأهم في سياسة التوطين والخطوة المحورية نحو التوطين: ان قضية التوطين تعتبر قضية محورية وسياسية عامة لدى الحكومات والدول وذلك لارتباطها المباشر بالاستقرار السياسي والأمني والاجتماعي والاقتصادي، وباعتبارها الاساس الحقيقي في تنمية المجتمع والفرد، وباعتبارها قضية مبدئية في سياق البحث عن موقع مناسب في عالم يموج بالصراعات ويشهد ذوبان لغات وانصهار ثقافات وانهيار مجتمعات وتصدع اوطان، واقول أمماً وشعوباً!! ومن اجل ذلك فإن الدول المتقدمة ومن خلال فهم دقيق لمعنى وابعاد التوطين. تولي هذه القضية اهتماما كبيرا ومن اجلها تشرع القوانين وتسن التشريعات، وتضع الاستراتيجيات والسياسات التي تحقق التوطين الحقيقي على صعيد الانسان والاقتصاد والوطن، فيما دول العالم الثالث ولاسيما الصغيرة التي يفترض ان تعمل جاهدة على المحافظة على شخصيتها واقتصادها وتعمل على تنمية ذاتها نجد ان هذه القضية اصبحت لا تحظى بالاهتمام المطلوب وبالتالي من الطبيعي ان تصبح مهددة وبشكل مباشر للفرد والاقتصاد والمجتمع في يومنا هذا اكثر من زي قبل، ومن الطبيعي ان تشهد تخلفا وتراجعا وصراعا داخليا وعدم الاستقرار الامني والاجتماعي والاقتصادي والسياسي. فيما تسير دول اخرى في هذا الاتجاه لاسيما في ظل التغيرات الاقتصادية الكبيرة التي يشهد وسوف يشهدها المجتمع العالمي والتي تشكل انقلابا حقيقيا في البنية الاقتصادية والاجتماعية والسياسية لشعوب ودول العالم الثالث!! التوطين في الامارات في ظل أهمية التوطين واهميته في حياة الشعوب والأمم وفي ظل خطورة الاوضاع الاقتصادية العالمية نجد ان قضية التوطين في الامارات قضية مصيرية لأنها تتعلق بوجود الانسان والاقتصاد والمجتمع فالانسان الاماراتي وفي ظل التحديات التي تواجهه اصبح مهددا في ثقافته ووجوده ومزاحما في لقمة عيشه وحقوقه!! فيما اصبح الاقتصاد يفتقر الى هويته وانعدام التوازن في سوقه، أما المجتمع الاماراتي فقد بدت اعراض العولمة واضحة عليه ولم تعد قضية التركيبة السكانية هي المفصلة الوحيدة التي يعاني منها هذا المجتمع، بل التنافر بين قطاعاته المختلفة، والتباين في السياسات العامة. وغياب التخطيط، والاستراتيجيات، وتراجع الانتماء والولاء لدى انسان هذا المجتمع، ثم غياب المواجهة الحقيقية للتحديات العديدة التي تواجه المجتمع ولعل التوطين احد تلك التحديات!! اليوم يتحدث الجميع عن التوطين.. وتوطين الوظائف.. توطين الاقتصاد. توطين الصناعة توطين الوطن!! ويبقى الحديث مستمرا ولكنه بعيدا عن منهج التطبيق لاننا في حقيقة الامر نفتقر الى القناعات الفعلية، والارادة الحقيقية وبسبب ذلك فإننا لا نبحث او لا نبذل جهدا للبحث عن المفهوم الدقيق للتوطين.. لا نبحث عن اهمية وابعاد التوطين!! لا نعمل على وضع آليات وخطط التوطين، وحتى يتم ذلك يبقى التوطين شعارا يتغنى به الجميع.. في الشارع والمؤسسة، في المنزل والمدرسة، في ندواتنا وملتقياتنا، في مؤتمراتنا واعلامنا.. ويضيع الانسان، ويغيب الوطن ونحن مازلنا نرفع الشعار. التوطين الاقتصادي.. اهميته وابعاده ومجالاته لما كان الاقتصاد يلعب دورا مهما في حياة الانسان والأمم، ولما كانت المتغيرات المستجدة في عالم اليوم مبعثها ومرجعها الاقتصاد، ولما كان مجتمع الامارات قد شهد نقلة كبرى بفعل العامل الاقتصادي، وحيث ان الامارات تسعى لموقع مناسب في عالم المستقبل من خلال حضورها الاقتصادي واهميتها الاقتصادية كدولة نفطية تملك حصة مهمة في احتياطي المستقبل فإننا نؤكد هنا اهمية التوطين الاقتصادي ومجالاته وذلك من خلال المفهوم الاقتصادي للتوطين وسوف نتناول هذا المفهوم وتلك الاهمية من خلال ابعاد التوطين الاقتصادي وتجدر الاشارة هنا الى تعريف الاقتصاد من خلال توفر موارد محدودة في المجتمع يتم استخدامها او توظيفها في انتاج سلع وخدمات لاشباع الحاجات المتعددة لافراد المجتمع، ويترتب على هذا علاقات متشابكة بين افراد المجتمع الواحد خاصة فيما يتعلق بالملكية والتوزيع. وفي ضوء هذا التعريف نؤكد بأن الخصوصية التي يتسم بها مجتمع الامارات من حيث الاهمية الاقتصادية التي تبرز الامارات في الساحة العالمية، ثم اهمية التحولات والمتغيرات الاقتصادية على صعيد مجتمع الامارات فإنه لا يمكن ان يكون هناك توطين لمجتمع الامارات إلا من خلال توطين الاقتصاد لارتباط قضية التوطين في الدولة بالمعادلات الاقتصادية واهمية تعزيز وتوطين البيئة الاقتصادية كخطوة رئيسية نحو توطين المجتمع، ويتم توطين الاقتصاد من خلال خطوات وآليات معينة تسبقها قناعة تامة من قبل المسئولين والمعنيين بالاقتصاد ومدى وجود ارادة سياسية لتحقيق ذلك. مسارات التوطين الاقتصادي اولاً: توطين سوق العمل في الامارات: لما كان مفهوم القوى العاملة في سوق العمل هو عدد السكان العاملين في النشاط الاقتصادي وفي مختلف القطاعات الاقتصادية في الامارات فقد شهدت سوق العمل بالدولة تدفقاً كبيراً اثر الاكتشافات النفطية في الامارات خلال فترة الستينيات (ابوظبي ودبي) وما صاحبها من تحقيق ايرادات نفطية كبيرة وقد حدث هذا التدفق من قبل العمالة الوافدة انعكس وبشكل كبير على ديمغرافية السكان والقوى العاملة في سوق الامارات وخلق فسيفساء سكانية معقدة وغير متجانسة ومتضاربة في الاهداف والطموحات والوسائل. الا انه وبالرغم من ذلك فإنه ووفقاً للتعداد السكاني لعام 1968 فقد بلغ عدد المواطنين في الامارات نحو 66193 نسمة يشكلو ما نسبته 36.7%. وهم يمثلون عصب الحياة الاقتصادية في سوق العمل في الامارات آنذاك. وبسبب التدفق المستمر للعمالة الوافدة بعد ذلك وبشكل متسارع ولاسيما خلال السنوات التالية لعام 1968 فقد سجلت نسبة العمالة الاماراتية انخفاضاً كبيراً ولاسيما خلال فترة السبعينيات، كما ان استيراد القوى العاملة الوافدة خلال تلك الفترة كان يتم دون ان يكون هناك تدقيقاً على نوعية هذه العمالة وكان من اثر ذلك ان سجلت القوى العاملة في سوق الامارات نمواً بلغ في عام 1968 نحو 77 الف مشتغل واستمرت في الارتفاع خلال الاعوام التالية لتصبح العمالة الوافدة هي المهيمنة على سوق العمل في الامارات وفي مختلف المستويات الحكومية والاهلية والخاصة، وفي مختلف القطاعات الاقتصادية، واصبحت هذه العمالة تملك حركة النشاط الاقتصادي والتجاري وتديره سواء من خلال شريحة الموظفين العاملين في الوظائف الدنيا وهي النسبة الاكبر ومعظمها آسيوية، او من خلال العاملين في الوظائف الاشرافية الوسطى ومعظمها من العمالة العربية، او من خلال الوظائف القيادية المتمثلة في مجموعة المستشارين والخبراء والمديرين التنفيذيين، فيما اصبحت العمالة المواطنة تعاني التهميش سواء تلك العاملة في مؤسسات الدولة ووزاراتها او تلك العاملة في مؤسسات القطاع الخاص وشركاته!! ومما زاد الامر سوءاً هو فهمنا الخاطيء لمعنى التوطين في سوق العمل حينما ترجمنا هذ المفهوم إلى تشغيل المواطنين الاماراتيين في الوظائف الحكومية، ثم السعي نحو (استجداء) مؤسسات القطاع الخاص لتشغيل عدد من المواطنين الاماراتيين خريجين كانوا ام حملة الدبلوم والثانوية العامة، ويتم ذلك دون ان يكون هناك سياسة عامة لتوطين سوق العمل ودون وجود استراتيجية للتنمية البشرية، وفي ظل غياب التخطيط البشري الذي يفترض ان يحدد حاجة السوق من العمالة الاماراتية ذات النوعية او التخصص، وعدم ربط السياسة التعليمية بمتطلبات واحتياجات سوق الامارات من القوى العاملة المواطنة، ثم غياب البرامج التدريبية والتأهيلية النوعية التي تتوافق واحتياجات السوق، وفي ظل هذه العشوائية في التعليم والتدريب والتخطيط والتوظيف فمن الطبيعي ان تعاني سوق العمل في الامارات من احتقان حقيقي في جزء منها بسبب تزايد اعداد المواطنين فيها فيما هناك فقر وعجز في اجزاء اخرى من هذه السوق للعمالة المواطنة المؤهلة، وفي كل هذه الوضعية التي تتسم بها سوق العمل فمن الطبيعي ان تحدث مزاحمة حقيقية من العمالة الوافدة للعمالة المواطنة بعد ان تشبعت السوق من هذه العمالة، وهذا يتم في ظل وجود سياسة معينة لحماية القوى العاملة المواطنة التي تبدي رغبة أكيدة في الوظائف، وحاجة ماسة للعمل واستعداداً جيداً لتحمل تبعات ومسئوليات الوظائف، ومما زاد الامر صعوبة تعميم النظرة التي روجت لها العمالة الوافدة حول ضعف انتاجية العمالة المواطنة، وعدم قدرتها واستعدادها لتحمل مسئوليات الوظائف المنوطة بها!! وكان لهذه النظرة تأثير واضح على عدم تشجع القطاع الخاص واستعداده لفتح ابوابه امام العناصر المواطنة مهما حملت من مؤهلات وابدت استعداداً لتحمل اعباء الوظيفة ومسئولياتها كما كان لغياب التشريعات والقوانين التي تحمي القوى العاملة المواطنة ولاسيما في القطاع الخاص ومنها قانون التأمينات ولسنوات طويلة الاثر الواضح في عدم تشجع العمالة المواطنة للعمل في القطاع الخاص لقد كان لغياب العدالة الوظيفية في الوظائف العامة الاثر المباشر في عدم تحقق شرط الاستقرار الوظيفي والاجتماعي للقوى العاملة المواطنة. ثم وبسب ضعف ثقة المسئولين الجالسين على كراسي المسئولية في انفسهم وبالتالي في العمالة المواطنة الاثر الواضح في عدم تحمس هؤلاء المسئولين بتشغيل او اتاحة فرصة العمل امام العمالة المواطنة، الامر الذي ترتب عليه غياب سياسة الاحلال والتوطين التي ينبغي العمل بها في مؤسساتنا العامة قبل الخاصة. فيما تتزايد اعداد الاماراتيين الراغبين بالعمل في مختلف المؤسسات في ظل توافر الشروط المناسبة للعمل ومنها وجود بيئة وظيفية تحمي حقوق العمالة المواطنة من مزاحمة العمالة الوافدة، او الانتقاص من قدراتها!! وفي ظل هذه المعطيات ظلت جهود توطين سوق القوى العاملة في الامارات جهوداً عرجاء ومبعثرة ومتباينة بين ما هو حكومي وخاص، وبين ما هو اتحادي ومحلي، وظل الحديث عن توطين هذه السوق شعاراً للاستهلاك الاعلامي وثوباً يرتديه البعض حينما يسعى او يهدف إلى تحقيق اهدافه الخاصة!! فيما تتمدد العمالة الوافدة على جهازنا الوظيفي غير عابئة بما يحدث خارجه. وتمارس نشاطها وتحقق اهدافها الخاصة بينما تتزايد العمالة المواطنة المؤهلة لتشكل ظاهرة البطالة معضلة حقيقية لا تواجه سوق العمل المحلية فحسب وانما لتشكل تحدياً خطيراً للمجتمع وتشكل تهديداً لاستقرار الوطن وامنه ومكتسباته!! فهل يتمخض المستقبل القريب عن تشغيل المواطن في مطاعم الآسيويين وبقالاتهم!!