دخل الاقتصاد العالمي بعد حادث 11 سبتمبر في مرحلة لا يعرف كبار الاقتصاديين في العالم مداها، فعقب الحادث تداعت كبرى شركات الطيران الأمريكية والأوروبية بل والعربية على السواء، ودخل قطاع السياحة في نفق مظلم حيث تراجعت السياحة العالمية بحوالي 15% ولا تعرف منظمة السياحة العالمية الى أين سينتهي الحال؟! كارثة اقتصادية عالمية لم يشهدها العالم منذ سنوات طويلة، ومن الطبيعي ان تمتد اثارها لتشمل كافة اقتصاديات المنطقة خصوصا ان جانب الذعر والهلع الذي انتاب الناس يجعل من انتقال الافراد والاموال والمشاريع امراً بالغ الصعوبة. دول عديدة في المنطقة اعلنت تأثرها بالازمة العالمية خصوصا قطاعات السياحة والنقل والشحن، وشركات كبرى قالت انها جمدت مشاريع لحين اتضاح الرؤية. وهنا في الامارات بادرت الحكومة منذ البداية في الاعلان عن ان اقتصاد الامارات لم يتأثر بالاحداث وان جدول الاعمال كما هو وسارعت حكومة دبي بالاعلان عن سريان مشاريعها وبرنامج معارضها كما هو دون تأثر وهو ما لمسناه في الحضور الكثيف للمعارض التي اقيمت عقب حادث 11 سبتمبر وحتى الآن وجاءت زيارة الفريق أول سمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم ولي عهد دبي وزير الدفاع لعدد من المعارض التي شهدتها دبي مؤخراً ولعدد من الدوائر الحكومية ولقاءه بمنظمي المعارض لتؤكد على عدم تأثر دبي والامارات بما يجري وليرسل رسالة طمأنة للمستثمرين في الخارج ان اقتصاد الامارات ودبي قوي وقادر على مواجهة الازمات. من هذا المنطلق طرحنا مجموعة من التساؤلات على عدد من الفعاليات الاقتصادية تتمحور حول: هل يستطيع الاقتصاد المحلي التكيف مع المتغيرات الدولية ومواجهة الازمة العالمية؟ كيف يمكن الخروج من هذه الازمة وتداعياتها؟ هشاشة الاقتصاد العالمي د. انور قرقاش المدير التنفيذي لمشاريع قرقاش عضو مجلس ادارة غرفة تجارة وصناعة دبي يرى ان التداعيات الكبيرة التي حدثت عقب التفجيرات الامريكية تكشف عن مدى هشاشة الاقتصاد العالمي، فعلى الرغم من ان الحادث الذي وقع في كل من نيويورك وواشنطن كبير الا ان الانعكاسات السلبية التي حدثت على كافة القطاعات الاقتصادية خصوصا السياحة والطيران كان يجب الا تكون بهذه الحدة والضخامة الامر الذي يعطي مؤشر على عدم قوة ومتانة الاقتصاد العالمي وطبيعي ان يتأثر اقتصاد الامارات اذا حدث تأثير نتيجة لما يجري في العالم على اعتبار ان الاقتصاد المحلي جزء من الاقتصاد العالمي لكن يكفينا ان لدى اقتصاد الامارات من القوة والمتانة التي تمكنه من مواجهة التداعيات السلبية للازمة العالمية وان كانت تأتي ان الرؤية تأتي الآن غير واضحة عالميا فليس هناك من يعرف بالضبط متى ستنتهي او تستمر الازمة، هل تستغرق ستة شهور او عدة اسابيع واعوام؟!! ولهذ السبب ونظرا لعدم وضوح الرؤية نلحظ اضطرابا في كافة النواحي لان الجزء الاكبر من المشكلة يتعلق بالنواحي النفسية لدى الناس. ويعتقد د. قرقاش ان الوضع الاقتصادي الحالي، ربما يكون دوره من الدورات الاقتصادية التي تمر بها الاقتصاديات وضمنها بالطبع اقتصاد الامارات، ويمكن ان تكون الدورة الحالية هي دورة هبوط وانخفاض في معدلات نمو الاقتصاديات ويجب على الجميع التعامل معها والتفكير في الآليات التي تحقق او تحد من سلبياتها. مساندة القطاعات المتضررة وقد تضخ الحكومات استثمارات لتحريك الاسواق لكن ليس ذلك ضروريا في الوقت الحاضر بقدر ما هو مطلوب مساندة القطاعات الاقتصادية التي تضررت او تعاني من الازمة خصوصا قطاعي السياحة والنقل الجوي وان كان من المفروض ألا تعتمد هذه القطاعات على الدعم المباشر من الحكومي قدر اعتمادها على نفسها في الخروج من الازمة الراهنة. ويؤكد د. قرقاش ان المجموعات والشركات التجارية الكبيرة في الامارات لن تتأثر بتداعيات الازمة الاقصتادية العالمية «نحن كمجموعة تجارية لدينا عدد من المشاريع والخطط التي لن تتأثر على الاطلاق بما يجري ذلك اننا عادة محافظون في استثماراتنا ونخضعها للدراسة الجيدة قبل التنفيذ، وهذا هو ما تقوم به معظم شركاتنا التجارية في الامارات، ومن هنا نحن متفائلون في قدرة الاقتصاد المحلي على التكيف مع الازمة العالمية وتجاوز المشكلات الاقتصادية التي نتجت عن الاحداث في امريكا خصوصا وانه اذا ما تم تجاوز العامل النفسي الذي يسيطر على الجميع منذ وقوع الازمة. دروس مستفادة عبدالله ابوالهول مدير عام شركة ميدياك للمعارض يلفت النظر الى التجارب التي مر بها اقتصاد الامارات وتمكن من الخروج منها قويا.. يقول ان الاقتصاد المحلي مر بتجربتين من اصعب التجارب التي يمكن ان تمر بها الاقتصادات وهي تجربتي حرب الخليج الأولى والثانية. حقيقة توقفت الاسواق التجارية لاسابيع كانعكاس لهول ما حدث لكن سرعان ما عاد الاقتصاد الى قوته، وكان اقتصاد الامارات عامة واقتصاد دبي على وجه التحديد هو الوحيد ضمن اقتصادات المنطقة الذي نجح بالفعل في اجتياز الازمة الاقتصادية التي نتجت عن الحربين الأولى والثانية في المنطقة. من هنا كما يقول ابوالهول لن تحدث تأثيرات سلبية بالشكل الذي يمكن ان يحدث في الاقتصادات الاخرى كنتيجة لما وقع في الولايات المتحدة ناهيك عن الدعم اللا محدود من جانب حكومة دبي لطمأنة المستثمرين في الداخل والخارج على ان الاعمال تسير على ما يرام وان اقتصاد دبي واقتصاد الامارات قوي ولن يتأثر بما يجرى وهو ما لاحظناه خلال لقاء سمو ولي عهد دبي معنا كمنظمين للمعارض اكد على ضرورة انعقاد المعارض في موعدها المحدد. والحقيقة ان قطاع المعارض في دبي يكاد يكون هو القطاع الوحيد الذي لم يتضرر من الازمة الاقتصادية العالمية، وشهدنا حضوراً كبيراً للمعارض التي اقيمت عقب الازمة سواء في معرض اندكس او معرض الصيد او معرض جيتكس، وما حدث هو اعتذار عدد محدود من الشركات عن الحضور وهذا شيء طبيعي يحدث دوما في المواسم لاسباب مختلفة منها ظروف العارضين او عدم وصول البضائع. قدرة على التكيف ويؤكد ابوالهول ان اجتماع سمو ولي عهد دبي مع منظمي المعارض استهدف ارسال رسائل طمأنة الى قطاع الاعمال الامر الذي يدفعنا كقطاع خاص الى ممارسة العمل بشكل اعتيادي ووضع خططنا موضع التنفيذ دون النظر الى ما يحدث عالميا خصوصا وان الامارات بعيدة كل البعد عما يجري. النقطة الثانية ان الكساد العالمي كان موجوداً قبل حادث 11 سبتمبر وكان يؤمل حدوث تحرك في الاسواق العالمية في القريب غير ان هذا الحادث جاء ليزيد من حدة الكساد وإن كنت اتوقع ان تسفر نتائج ايجابية عن تكاتف العالم لمحاربة الارهاب تمثل في قيام الدول والحكومات بضخ أموال لتحريك الاقتصادات. ويضيف ابوالهول ان اقتصاد دبي على وجه التحديد قادر على التكيف مع التغيرات العالمية واجتياز بعض حالات الركود في الاسواق على اعتبار ان دبي تخدم سوقا ضخمة يصل تعدادها الى مليار نسمة، ولا يمكن بأي حال من الاحوال ان تتوقف هذه الاسواق عن استيراد احتياجاتها من السلع والبضائع من دبي لذلك فإن كافة المؤشرات تشير الى ان الفترة المقبلة سوف تؤكد على ان اقتصاد الامارات عامة واقتصاد دبي على وجه الخصوص سيتجاوز هذه الأزمة بنجاح. خطة تحرك غرفة دبي سألت أحمد البنا مساعد مدير عام غرفة تجارة وصناعة دبي لشئون الدراسات والبحوث عن خطة الغرفة في دعم الأسواق التجارية في هذه الظروف؟ وهل هناك تحرك لوضع توجيهات سمو ولي عهد دبي خلال زيارته الاسبوع الماضي للغرفة موضوع التنفيذ؟ يقول البنا ان اقتصاد الامارات جزء من الاقتصاد العالمي ولذلك كان طبيعيا ان يحدث نوع من الهدوء في حركة التجارة سواء في مجال تجارة الجملة أو التجزئة لكن لاحظنا في قطاع التجزئة نوعين من الحركة التجارية الأولى في شريحة البضائع الفاخرة التي شهدت هدوءاً في مبيعاتها في حين كانت الحركة على طبيعتها في الشريحة الثانية وهي البضائع والسلع الضرورية حيث لايمكن للمستهلك الاستغناء عن شراء مستلزماته من السلع الغذائية. غير أننا لاحظنا بعد ان اتخذت الولايات المتحدة قرارها عادات الحركة التجارية الى طبيعتها خصوصا بعدما أكدت حكومة دبي على وجه الخصوص المضي في مشاريعها وخططها حسبما كان محدداً سواء في تنظيم المعارض والمؤتمرات أو المشاريع الاخرى قيد التنفيذ الأمر الذي خلق نوعاً من الطمأنينة في نفوس المستثمرين ورجال الاعمال. النقطة الثانية ان زيارة سمو ولي عهد دبي لغرفة تجارة وصناعة دبي جاءت في سياق دعم حكومة دبي لقطاع الأعمال حيث ابدى سموه ملاحظاته وتوجهاته بشأن ضرورة تنفيذ خطط الغرفة وجميع الفعاليات التي تنظمها حسب الخطة بدون أي تأثير الأمر الذي يعطينا دفعة قوية لتكثيف الجهود للتقليل من السلبيات التي يمكن ان تحدث في الأسواق التجارية كنتيجة لما يحدث في الاقتصاد العالمي. ومن هذا المنطلق كما يقول البنا قررت الغرفة القيام بحملة اعلامية مكثفة في الدول العربية للتأكيد على انعقاد مؤتمر رجال الاعمال والمستثمرين العرب في موعده الشهر المقبل في دبي حيث ستعقد مؤتمرات صحفية في عدد من العواصم العربية تؤكد على متانة اقتصاد دبي وعدم تأثر الوضع الاقتصادي. كما بدأت الغرفة على الفور وبالتشاور مع عدد من الدوائر والمؤسسات المحلية مثل جمارك وموانيء دبي لمراجعة الزيادات التي تمت في اسعار الشحن البحري عقب الأحداث التي وقعت في أمريكا وهي زيادات ليس لها مبرر، وعقدنا اجتماعات مع وكلاء خطوط الشحن البحري لمنع فرض أية أعباء اضافية على اعتبار ان ماحدث في نيويورك ليس له علاقة بزيادة كلفة الشحن. ويضيف البنا ان هناك ايضا تحركاً آخر مع دائرة الطيران المدني بدبي فيما يخص الشحن الجوي على أساس انه يجب على شركات النقل الجوي رغم المصاعب التي يمر بها قطاع النقل الجوي ألا تتخذ الأحداث ذريعة لزيادة رسومها وان تقر دائرة الطيران المدني أية زيادات تعتزم الشركات تنفيذها. عدم تراجع الاستثمارات وحقيقة يأتي تحرك غرفة تجارة وصناعة دبي على أكثر من منحنى الأول دعم القطاعات التي تأثرت بالأحداث لاجتياز هذه المرحلة، ومراقبة الحالة الاقتصادية، وعدم السماح لأي أحد باستغلال الوضع لمصلحة فردية ذلك ان هناك من يرفع أسعار البضائع أو الخدمات أو الرسوم بدعوى ما يجري في العالم. والمؤكد ان الاستثمارات الاجنبية ربما تتراجع في المنطقة كأحد النتائج السلبية للأزمة خصوصا من جانب الشركات التي لاتعرف المنطقة جيداً وتستجيب للحملات الاعلامية الغربية غير ان الشركات الأجنبية الكبرى عادة ما تهتم أكثر بالتسهيلات والقوانين الاقتصادية والوضع الجغرافي والسياسي الملائم وهي أمور توفرها دولة الامارات التي هي بعيدة كل البعد عن الأحداث، وقوانينها الاستثمارية جذابة وهو ما كشف عنه تقرير للأمم المتحدة صدر مؤخراً يقول بأن الامارات خامس دولة في العالم جذبا للاستثمار ومن هنا لانعتقد بأن ثمة تأثيرات سلبية ستحدث للاستثمارات الاجنبية المقبلة الى دبي والامارات بدليل انه في أول اسبوع بعد وقوع حادث التفجيرات فتحت عدة شركات اجنبية فروع لها في امارة دبي وفي مدينة دبي للانترنت الأمر الذي يعطى مؤشراً على ان حركة الاستثمار الاجنبي للدولة لم تتأثر. تنويع الاستثمارات سألت د. محمد ابراهيم الرميثي استاذ الاقتصاد بجامعة الامارات ومدير الدائرة الاقتصادية برأس الخيمة عن قدرة اقتصاد الامارات في اجتياز الأزمة الناجمة عن الأحداث العالمية؟ يقول د. الرميثي ان اقتصاد الامارات أثبت في أكثر من أزمة ومرحلة دخلها أنه قادر على تخطي الازمات والبقاء والاستمرار في مستوى معقول من التنمية الاقتصاية، وابرز الازمات التي تخطاها في حربي الخليج الأولى والثانية اللتين تركتا تداعيات سلبية على اقتصاد الامارات ومع ذلك تمكن من تخطيها بثبات، أيضا تمكنت الامارات خلال الفترة الماضية من اكتساب خبرات في التعامل مع الأزمات سواء من جانب القطاع الحكومي أو القطاع الخاص خصوصاً في مجال تنويع الاستثمارات، حيث لدى الدولة استثمارات حكومية وخاصة في أكثر من منطقة جغرافية وموزعة على أكثر من نشاط اقتصادي في البنوك والبورصات والعقارات والصناعة والتجارة في الداخل والخارج. ويضيف د. الرميثي ان هذا التنوع يجعل المستثمرين والتجار ورجال الاعمال في الامارات لايشعرون بحدة الأزمة التي قد يحس بها نظراؤهم في دول اخرى غير ان المشكلة تكمن في تخوف الاقتصاديين من المستقبل على اعتبار ان الغموض هو الذي يسيطر على الوضع حاليا وليس هناك أحد يعرف متى تنتهى الازمة. خفض الفائدة لكن يظل السؤال، وما هي الطرق والآليات التي يمكن للاقتصادات اتخاذها لاجتياز الازمة الراهنة؟ د. الرميثي يرد بقوله ان الولايات المتحدة وعقب الأحداث اتخذت خطوة خفض الفوائد المصرفية وطلبت من دول العالم اتخاذ نفس الخطوة بهدف تحريك الأسواق، ذلك لأن خفض الفائدة يعني خفض كلفة الحصول على رأس المال النقدي الأمر الذي يشجع المستثمرين على الاقتراض لتحريك الانشطة الاقتصادية، كما ان خفض الفائدة يعني ايضا تشجيع المستهلكين على الاقتراض الشخصي لشراء حاجياتهم من السلع أي ان الهدف هنا يتحقق في تشجيع الجانب الاستثماري والاستهلاكي وبالتالي تحريك الاقتصاد. لكن من سلبيات هذه الخطوة ان خفض الفائدة على الاقراض معناه خفضها ايضا على الودائع لان البنوك لاتستطيع خفض الفائدة على القروض دون خفضها على الودائع وهذا معناه ان المودعين سوف يبحثون عن مجالات اخرى لتوظيف اموالهم طالما ان الفائدة التي يحصلون عليها نظير ايداع أموالهم في البنوك منخفضة. وبالتأكيد كما يقول د. الرميثي لايستطيع القطاع المصرفي في الامارات الا مجاراة الوضع العالمي في خفض الفوائد المصرفية خصوصاً وان هناك تعاملات خارجية كبيرة للبنوك المحلية في الخارج حيث تصل نسبة الاموال والاصول المستثمرة لبنوك محلية في الخارج الى 50%. ويضيف ان قيام البنوك المحلية بخفض الفائدة سوف يشجع الاستثمار المحلي لكن في المقابل سوف يزيد من حجم الاقراض الشخصي الذي يمثل أزمة خانقة منذ سنوات إلا اذا تدخل المصرف المركزي ووضع ضوابط من شأنها ألا تنخفض الفائدة على القروض الشخصية ويقتصر الخفض فقط على الإقراض الموجه للمشاريع الاستثمارية بهدف تشجيع المستثمرين وتحريك السوق لمواجهة أي تأثيرات سلبية قد تحدث من الازمة الاقتصادية العالمية. دعم المشاريع ثمة تحرك آخر يمكن ان تقوم به الحكومة يتمثل في امكانية تقديم الدعم للمشاريع والقطاعات التي تأثرت بالأزمة ولها دور حيوي في تحريك الاقتصاد مثل قطاعات الطيران والسياحة والفندقة والعقارات ويتمثل ذلك في امكانية تخفيض الرسوم عن هذه القطاعات بشكل مؤقت سواءاً كانت رسوم دوائر حكومية أو رسوم الكهرباء والماء والايجارات وذلك لتشجيع هذه القطاعات على البقاء والاستمرار واجتياز الازمة. تحقيق: عبدالرحمن اسماعيل