أجهضت الأحداث الأمريكية التي بدأت في 11 سبتمبر الماضي محاولات الحكومة المصرية لانعاش الاقتصاد الوطني والخروج به من دائرة الركود والكساد التي اصابته منذ نحو 18 شهرا.. فقد ذهبت قرارات خفض نسبة الاحتياطي النقدي لدى البنك المركزي من الودائع البنكية الى 14%.. وضخ نحو 4 مليارات جنيه في السوق.. واجراءات تشجيع البنوك على اصدار سندات وطرحها في البورصة. كذلك تفعيل برنامج الخصخصة عبر طرح أسهم متميزة في قطاعات رابحة كالبترول والكهرباء والاتصالات والطيران ذهبت كل هذه القرارات والاجراءات ادراج الرياح حيث رفضت البنوك طرح سنداتها التي تتجاوز قيمتها 2.5 مليار جنيه. كما امتص السوق السيولة المطروحة دون نتائج ايجابية تذكر الأمر الذي اضطر الحكومة الى تأجيل اجراءات وقرارات أخرى في هذا الصدد.. كما احجمت البنوك عن تمويل مشروعات سياحية تتجاوز استثماراتها 10 مليارات جنيه في ضوء الخسائر الضخمة المتوقعة في هذا القطاع وتبلغ نحو 2 مليار دولار. بالاضافة الى تأجيل الحكومة نفسها طرح شركات في قطاعات البترول والاتصالات والكهرباء والطيران للخصخصة على خلفية تراجع استثمارات الاجانب وحالة الركود والكساد العالمية التي ستؤدي حتما لتراجع اهتمام المستثمرين الأجانب باي عمليات خصخصة جديدة في ظل هذه الأوضاع الصعبة. الى ذلك جمدت تلك الأحداث مشروعات وتوسعات جديدة في العديد من القطاعات الخدمية المصرية أبرزها القطاع العقاري الذي كان من المنتظر أن يتحرك من حالة الجمود التي أصابته بعد أن بدأ العمل بمقتضى قانون التمويل العقاري المصري الجديد في 25 سبتمبر الماضي الأمر الذي يعني تأجيل انتعاش نحو 120 مليار جنيه استثمارات راكدة في هذا القطاع لأجل غير مسمى.. كما أجلت عمليات تفجير مركز التجارة العالمي في نيويورك والبنتاجون في واشنطن وما تلاها من أحداث وأخرها العمليات العسكرية ضد افغانستان تدشين مشروعات سياحية باستثمارات 1.6 مليار جنيه كان من المنتظر تشغيلها في أكتوبر الحالي.. فضلا عن اعادة النظر في تنفيذ 8 مناطق سياحية جديدة في البحر الأحمر تبلغ استثماراتها التقديرية حوالي 8 مليارات جنيه.. علاوة على القاء ظلال قاتمة على قطاع الملابس والمنسوجات الذي تتجاوز صادراته السنوية للسوق الأمريكية نحو 800 مليون دولار بالاضافة الى حالة الغموض التي اصابت العديد من الخطط المصرية لتحديث الصناعة وزيادة صادرات البرمجيات الى 500 مليون دولار العام المقبل. تحركات عاجلة وازاء هذه الخسائر التي تطارد كل القطاعات وتهدد مستقبل شركات كثيرة خاصة في مجال الطيران الخاص والسياحة والملابس الجاهزة والمنسوجات اتخذ مجلس الوزراء المصري حزمة قرارات عاجلة لمواجهة الخسائر التي جرى تقديرها بما يتراوح بين 4 مليارات الى 8 مليارات جنيه في مقدمتها تكليف وزيري الاقتصاد والسياحة بالبدء فورا في مفاوضات مع البنوك والشركات السياحية التي لديها مشروعات سياحية استثمارية بجدولة ديون المشروعات الاستثمارية والشركات ومطالبة البنوك بتقديم جميع التسهيلات في هذا الشأن خاصة في ظل الانخفاض الفندقي بنسب تتراوح بين 40% و50%.. ودعوة منظمات رجال الاعمال واتحاد الغرف التجارية واتحاد الصناعات بتأسيس صندوق لمعالجة الأزمة وتقليص حجم الخسائر المحتملة وكذا حث شركات السياحة على تشجيع السياحة الداخلية وخفض أسعار الخدمات السياحية دونما الاستغناء عن العمالة.. ومساندة قطاع النقل والتأمين على تجاوز هذه الأزمة القاسية في ضوء عمليات الغاء رحلات الطيران الجوية بنسب تتراوح بين 30% و75% وزيادة الاعباء التي تتحملها شركات الطيران نتيجة زيادة أسعار البنزين وخدمات تموين الطيران.. رفع أسعار شحن النولون البحري ايضا بعد ارتفاع تكلفة عمليات اعادة التأمين.. علاوة على اعادة أولويات الاستثمارات بحيث يتم توجيهها الى المشروعات الأكثر أهمية وقدرة على تحقيق عائد مجز وسريع والحفاظ على التعامل مع محافظ الاستثمارات وسوق المال العالمية وتنفيذ سياسات مرنة لانعاش البورصة المصرية وحمايتها والمحافظة على القيمة النسبية للاستثمار الأجنبي في مصر.. فضلا عن تفعيل اجراءات أخرى للتعامل مع الموقف الراهن في ضوء انخفاض معدلات موارد مصر من النقد الأجنبي والانكماش المنتظر في كل المؤشرات المعبرة عن النشاط الاقتصادي. 3 بدائل للمواجهة وفي هذا الصدد يدرس مجلس الوزراء المصري حاليا تقرير أعدته المجموعة الوزارية الاقتصادية يرصد الخسائر المتوقعة على اعتبار استمرار العمليات العسكرية الحالية ضد الارهاب حتى منتصف العام المقبل.. وعلى ضوء التوقعات العالمية بدخول فترة جديدة من الركود العالمي نتيجة تضرر قطاعات عالمية عديدة نتيجة الأحداث الراهنة وفي مقدمتها الأسواق المالية والطيران والسياحة والنفط والتأمين وأيضا التجارة العالمية ويقدر التقرير الحد الأدنى للخسائر المحتملة بنحو 4 مليارات جنيه والأقصى بحوالي 8 مليارات جنيه.. ويشير الى أن أكثر القطاعات تضررا هي السياحة التي ستتراجع بنحو 25% الأمر الذي سيعرض الشركات السياحية والفنادق وكافة الخدمات المرتبطة بهذا القطاع لخسائر كبيرة.. موضحا أن الملابس الجاهزة والمنسوجات التي تبلغ الصادرات المصرية منها سنويا لأمريكا نحو 800 مليون دولار ستواجه موقفا صعبا في ظل حالة الغموض حيال مستقبل الصفقات المتبادلة في هذا المجال خاصة أن الجانب المصري لم يرصد طلبات جديدة لابرام صفقات في هذا القطاع المهم الذي يستحوذ على حوالي 56% من الصادرات السلعية المصرية لأمريكا.. وتابع التقرير تقديراته متوقعا حدوث انخفاض بنحو 10% على اجمالي الصادرات السلعية المصرية التي تجاوزت 7 مليارات جنيه خلال النصف الأول من العام الحالي.. فضلا عن تراجع في الصادرات النفطية على ضوء حالة الركود العالمي المتوقعة.. بالاضافة الى تداعيات رفع تكاليف النقل نتيجة زيادة قيمة التأمين على المواد والبضائع من والى منطقة الشرق الأوسط.. كذلك زيادة اعباء تأمين أسطول النقل الجوي التابع لمصر للطيران في حدود 250 مليون جنيه سوف تتحملها الخزانة العامة بعد أن أبدت شركات اعادة التأمين عدم استعدادها للتأمين على أسطول الطائرات بأكثر من مليار جنيه. وفي مواجهة هذا الحجم من الخسائر طرح الوزراء المختصون الاعضاء في المجموعة الوزارية الاقتصادية عدة بدائل مع الازمة الحالية ومحاولة تقليص الخسائر لأقصى حد أدنى ممكن.. وتتضمن قائمة البدائل المطروحة رفع حجم الدين الداخلي بما يساعد على توفير قدر من السيولة يواجه الأزمة ورغم المخاطرة المصاحبة لهذا الاقتراح على أساس أن حجم الدين الداخلي تجاوز 200 مليار جنيه وان اقساطه بلغت 25% من حجم الانفاق العام الا أن معظم المسئولين والخبراء يرون أن نسبة الديون الداخلية الى جملة الناتج المحلي العام 380 مليار جنيه لا تزال في حدود الأمان الأمر الذي يسمح بزيادة حجم الدين الداخلي لاسيما في ظل هذه الظروف القاسية الطارئة.. ويقضي الثاني بخفض نسبة من احتياطيات البنوك التجارية لدى البنك المركزي.. وطبقا لظروف الأزمة ومداها الزمني فإن نسبة الخصم ربما تصل الى 4% ينخفض الاحتياطي النقدي من الودائع الى 10% مقابل 14% حاليا وبالتالي ضخ نحو 8 مليارات جنيه في البنوك لزيادة حجم السيولة وتقليل وطأة الخسائر.. أما البديل الثالث فيتعلق بخفض نسب الفائدة على عمليات الايداع والاقراض لتصل مابين 10% و 12% في الاقراض من 8% الى 10% في الايداع الأمر الذي يساعد على تقليل تكلفة رأس المال في المشروعات الاستثمارية وزيادة سرعة دوران رأس المال وبالتالي اقامة مشروعات انتاجية تتيح فرص عمل جديدة. اجراءات دون جدوى وأكد محمد البربري مستشار البنك المركزي المصري أن القرارات المتعلقة بخفض فائدة الاقراض وكذا خفض نسبة الاحتياطي المقررة على البنوك بنسبة 1% لكل منهما فشلت في تحقيق المستهدف منها ولم تفلح في اخراج السوق المصري من ازمته.. معتبرا أن هذه القرارات الجريئة صادفها سوء حظ حيث تزامنت مع الأحداث الأمريكية التي قلبت الأوضاع الاقتصادية محليا واقليميا ودوليا رأسا على عقب ولا يستطيع أحد توقع توقيت انتهاء هذه الأزمة خاصة في ظل تصريحات الادارة الأمريكية نفسها بأن المواجهة سوف تستغرق وقتا طويلا.. وأشار الى أن تأثير هذا القرارات التي كانت تعتزم الحكومة من خلالها تحريك السوق وانهاء حالة الركود والكساد ينحصر في جانب محدود للغاية.. متوقعا أن تدرس البنوك المصرية خلال الأيام القليلة المقبلة أوضاع استثماراتها في الخارج على ضوء الاضطراب الذي سيطر على معظم أسواق المال في العالم.. وكشف عن أن الأيام الماضية شهدت اقبالا كبيرا من العملاء على تحويل ودائعهم الدولارية الى الجنيه المصري نتيجة تراجع الدولار امام العملات الرئيسية الأخرى كاليورو والين والجنيه الاسترليني.. فضلا عن استمرار بنك الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي في خفض فائدة الدولار التي تراجعت بنحو 2.5% خلال 12 شهرا الأمر الذي دعا البنوك المصرية لخفض الفائدة على الودائع الدولارية.. واضاف ان احتياطي النقد الأجنبي المصري المستثمر في الخارج بعيد عن أية مخاطر حيث أنه مضمون من الحكومة الأمريكية.. ووصف البربري أوضاع الدولار في سوق الصرف المصري بانها متراجعة ولايوجد اقبال عليه سواء بيعا أو شراء غير انه شهد انخفاضا في قيمته بنحو 1.5 قرش منذ بداية الأزمة. تأجيل الى اشعار اخر وعلل علي نجم رئيس بنك الدلتا الدولي تراجع البنوك المصرية عن اصدار سندات تتجاوز قيمتها 2.5 مليار جنيه بالنتائج السلبية التي اصابت أسواق المال العالمية والمحلية من جراء الأحداث الأمريكية والعمليات العسكرية التي بدأت في افغانستان.. مؤكدا أن هذه الأوضاع تسببت في حالة من القلق والغموض والارتباك لدى المستثمرين عملاء سوق المال.. كما أن العوامل المحفزة التي شجعت البنوك على التوسع في اصدار سندات وطرحها في السوق كبديل افضل من الاقتراض الخارجي تراجعت بشدة منذ بداية الأزمة الراهنة التي أحدثت تباينا في معنويات المستثمرين وجعلت الثقة مهزوزة في السوق خاصة بعد أن دشن الاجانب عمليات كثيرة للتخلص من الأسهم والأوراق المالية التي بحوزتهم في معظم أسواق المال الناشئة تحسبا لأية تداعيات أخرى تحملها الأيام المقبلة.. ووصف موقف البنوك من تأجيل اصدار هذه السندات بأنه منطقي حيث أن أسواق المال المحلية وكذا العالمية ليست في حالة تمكنها من استقبال هذه السندات وترويجها. القاهرة ـ يوسف شاكر: