وقفنا في الحلقتين الماضيتين على تحليل ظاهرة الاستعمار من الناحية الاقتصادية. وبينا ان الثورة الجغرافية (الاكتشافات) لم تكن بدوافع علمية، وانما بالعوامل الاقتصادية. حيث كانت تلك الاكتشافات بمثابة النافذة للاقتصاد الاوروبي وهو يتحول إلى الرأسمالية. وقد اطلقت سلسلة من ردود الفعل الاقتصادية نتج عنها ثلاث نتائج هامة. اولها انتقال كميات هائلة من المعادن النفيسة (الذهب والفضة واللؤلؤ) من الخليج العربي وغيره إلى أوروبا، واليوم تكمل تلك النتائج والنتيجة الثابتة كانت تدويل السوق. لقد حولت الاكتشافات الجغرافية السوق الاقتصادية من سوق وطنية محلية إلى سوق اقليمية وعالمية. لقد حدث اختلال في هيكل السوق بين قوى العرض المحلية المحدودة وقوى الطلب العالمية المتعاظمة فالطلب اصبح عالمياً، لكن العرض بقى محلياً قومياً. وبقى هذا التناقض يتعاظم إلى ان وصل إلى الذروة، فكان لابد من حدوث شيء ليحل هذا التناقض، وهكذا شأنها شأن باقي الثورات الاجتماعية، لا تأتي من فراغ ولا يحمل بها المفكرون او القادة او العلماء سفاحاً، انها النتاج الشرعي للتفاعل واللقاء والتصادم بين القوى والظواهر القديمة التي بدأت تذبل وتحبو وبين القوى والظواهر الجديدة المتفتحة البازغة والتي تحمل متطلبات وروح العصر. ان الثورة الصناعية هي وليدة النظام الرأسمالي وليست منتجة له ـ كما يتوهم البعض خطأ انها شرط تاريخي لاعادة النظام الرأسمالي إلى التوازن بعد ان اختل. انها حل للصراع بين المنتج والمستهلك، بين الطلب (علاقات الانتاج) والتكنيك (العرض) (قوى الانتاج). والنتيجة الثالثة والتي تخدم غرضنا بالدرجة الاساس هي نشوء النظام الاستعماري. وليس من قبيل الصدفة ان تظهر كلمة المستعمر في القواميس الاجنبية منذ القرن الرابع عشر. اي على وجه التحديد في فترة الانتقال التي سبقت قيام المشاريع الاستعمارية الكبرى للدول الغربية (البرتغال واسبانيا وهولندا وفرنسا وانجلترا) كانت الحروب الصليبية في الواقع قد انتهت منذ عهد قريب، وكانت الاحداث تدفع نحو فترة الكشوف الجغرافية الكبرى، وتضع اوروبا وجهاً لوجه امام عالم جديد يصبح مزرعة لها. ان ظاهرة الاستعمار حولت النظام الرأسمالي من نظام مستقبل وطني يعيش في مكانه إلى نظام تابع طفيلي يعيش على حساب وحياة الآخرين. ومن هنا وبعد ان اصبح النظام الرأسمالي عالمياً فلا يمكن فصله عن مشكلة التخلف والتقدم. ان هاتين الظاهرتين لا يمكن ادراكهما على حقيقتهما دون الرجوع إلى الظاهرة الاستعمارية. ان تصنيع اوروبا مدين بالدرجة الاساسية إلى تراكم الثروات.. وهذا بدوره يعزى في المحل الاول إلى الاستعمار. والاخير كان همه وهدفه جلب المواد الاولية وايجاد منافذ لتصريف فائض الانتاج. فقد كان على الاستعمار منذ تلك اللحظة ان يحل المشاكل التي تثيرها منافذ التصدير وجلب المواد الاولية الضرورية للصناعات الاوروبية الناشئة والمتطورة. لقد استخدمت الدول الاستعمارية ثقافة معينة تدعم هذا التوجه ولكي تبرر الدول الكولونيالية (الاستعمارية) اعمالها البشعة ضد سكان المستعمرات، كانت تثقف شعوبها على ان اعمالها هذه هي مجرد ثأر للفتوحات الاسلامية في القرنين السابع والثامن الميلاديين، والعرب في رأيهم قد توسعوا في الحد الغربي وفتحوا شبه جزيرة ايبيريا واستعمروها!! ان مثل هذه الادعاءات لا تحتاج في تفنيدها إلى عناء كبير فالعرب المسلمون عندما دخلوا شبه الجزيرة الاميرية وجنوب فرنسا فانهم حرروا سكانها من الظلم والاضطهاد، ونشروا علومهم واقاموا العدل في الارض ولم يفرضوا دينهم فرضاً ابداً. لقد سار العرب المسلمون في فتح الاندلس على مبدأ تقسيم الاقطاعيات والاراضي الزراعية وتوزيعها على الفلاحين العاملين عليها. والذين كانوا محرومين من تملك الارض في عهد الغزيفوت (الطبقة الاقطاعية الاسبانية)، وقد ذكر المستشرق المعروف (دوزي) في كتابه القيم (تاريخ الاندلس). «لقد انقذ الاسلام الطبقات الدنيا من الاوروبيين (العبيد واقنان الارض) في العصور الوسطى من ظلم الطبقة الاقطاعية وحررهم من سلطتها التي كانت تجعل من فلاحيها لا عبيداً لها وحسب بل وعبيداً للأرض SERFDOM. يعد الفتح الاسلامي في الواقع ميزة وحسنة لاسبانيا اذ حقق ثورة اجتماعية واقتصادية بالغة، فازال سلطة الطبقات المتحكمة وغير المنتجة (الاقطاعية) ونقل المجتمع الاوروبي لاول مرة من مجتمع طبقي شبه عبودي (اقنان ونبلاء) إلى مجتمع لا طبقي، تسوده العدالة ويرفرف على ربوعه الرفاه والسلام والطمأنينة، ويذكر مستشرق آخر هو (ليفي بروتفال) في كتابه (اسبانيا المسلمة في القرن العاشر). «ان الازدهار الزراعي والاقتصادي الذي اصاب اسبانيا بعد الفتح الاسلامي يعود إلى التقسيم الكبير لملكية. اين موقف العرب والمسلمين هذا من موقف البرتغاليين عندما استعمروا مناطق الخليج العربي؟. لقد نزعوا كل سلطة من الملوك والامراء والرؤساء التقليدين واصحاب البلاد الاصليين ووضعوا البلاد في الموضع الذي ارادوا لها واستحوذوا على ثرواتها الطبيعية وادوات الانتاج فيها، ودمروا الصناعات الحرفية والتقليدية التي كانت سائدة وراقية انذاك. وحولوا الشعب إلى ايدي عاملة ذليلة، وفرضوا عليها قوانين ومعايير وقواعد تتفق وخصوصياتهم وتخدم اغراضهم. واخضعوا السكان المحليين إلى عملية سيكولوجية تهدف إلى تسيرهم في اتجاه يخدم مصالحهم. وهناك الامثلة الكثيرة على معاملة البرتغاليين الوحشية للمناطق التي استعمروها وبالأخص منطقة الخليج العربي. ويكفي ان ندلل على حادثه واحدة وقت عندما هاجم البوكرك (قائد برتغالي) بلدة خوسفكان لم يكتف بنهبها وتقتيل العديد من ابنائها بل وقام ايضاً بتقطيع آذان وانوف السكان الذين كان يطلق سراحهم!! ومثل هذا العمل كان روتينياً في المدن العمانية الاخرى.