في الوقت الذي تشكل الولايات المتحدة تحالفاً عسكرياً وسياسياً دولياً لمواجهة الهجمات الشنيعة التي وقعت في الحادي عشر من سبتمبر، فان من الأهمية بمكان وضع رد منسق على البعد الاقتصادي للأزمة، فالقبول بانهيار مالي أو ركود عالمي سيمثل هزيمة نكراء بقدر ما يمثل فشلاً في عقاب مرتكبي الهجمات ومن يقدمون الحماية لهم. ان الحاجة لوضع استراتيجية اقتصادية متعددة الأطراف تعتبر ملحة. فحتى قبل وقوع الهجمات، كان العالم يشهد أول انكماش اقتصادي متزامن له في غضون عقود. وقد تباطأ النمو الاقتصادي بشكل حاد في كل مكان تقريباً وتحول سلباً في العديد من الدول وكان هناك خطر حقيقي بحدوث روكد عالمي، والبيانات الأمريكية الأخيرة قبل وقوع الهجمات تثبت هذه الامكانية هنا. ان العمليات الارهابية ستعمل على اضعاف النشاط الاقتصادي بشكل أكبر لفترة معينة من الزمن على الأقل. والأهم من ذلك هو ان الصدمة التي أصابت الثقة يمكن ان تقود الأمريكيين والمستهلكين الآخرين الى اتباع انماط استهلاكية أكثر حذراً لشهور أو حتى لفترة أطول من ذلك. وهناك احتمال أيضاً بحدوث انكماش اقتصادي عالمي. وبالتالي، فان هناك حاجة لوجود استجابة سياسية متزامنة، وقد قامت البنوك المركزية الرئيسية باتخاذ الخطوات الاساسية الأولى عن طريق ضخ كميات كبيرة من السيولة الى الأسواق لمنع حصول نقص في السيولة من شزنه ان يحدث تشويشاً في النشاط التجاري وعن طريق القيام بتخفيضات أولية في أسعار الفائدة، وقدمت دول منظمة أوبك مساهمة كبيرة باعلانها انها ستبقى على الانتاج النفطي عند مستويات ستتجنب مفاقمة المشكلة، غير ان المطلوب هو أكثر من ذلك بكثير. الخطوة التالية ينبغي ان تكون تخفيضاً اضافياً منسقاً في أسعار الفائدة من قبل البنوك المركزية وخاصة الاحتياطي الفيدرالي والبنك المركزي الأوروبي الذي يتحكم في اليورو (ويذكر ان أسعار الفائدة الخاصة ببنك اليابان تقترب من الصفر بالفعل). ومع الأخذ بعين الاعتبار الحاجة الملحة لاعادة الثقة وتوفير الحافز الأقصى لإنعاش النشاط الاقتصادي، فانه يتعين على السلطات النقدية في العالم ان تواصل العمل معاً بأسلوب سريع وحاسم. ويتعين ايضاً على جميع المناطق الاقتصادية الرئيسية الثلاث، التي تشمل اليابان والولايات المتحدة وأوروبا، ان تتبنى اجراءات مالية توسعية، وعلى نحو غريب، فان الدول الأوروبية الرئيسية واليابان كانت تفكر بتقليص في النفقات في مواجهة ركود أو تباطؤ حاد، من أجل تلبية أهداف الموازنة المخططة سلفاً. وهذا سيكون مماثلاً لاقتصاد هوفر الذي ساعد على حدوث الكساد العظيم في سنوات الثلاثينيات من القرن الماضي، مما يزيد في تردي وضع سيء أصلاً، ان أسقف العجز الاعتباطية المستهدفة من قبل رئيس الوزراء الياباني جونشيرو كويزومي ومعاهدة الاستقرار في أوروبا ينبغي تخفيضها على الفور للتغلب على الأزمة العالمية. لقد عملت الولايات المتحدة على تخفيض الضرائب بشكل متواضع وستعمل على زيادة الانفاق الحكومي من اجل الاستجابة للتأثيرات الانسانية والامنية للهجمات الارهابية. غير انه يتعين علينا عدم الانزلاق الى شكل خاص بنا من اقتصاد هوفر عن طريق اعتبار الضمان الاجتماعي المفترض (لوكبوكس) رادعاً أمام نشر فائضنا الكبير في الميزانية، ويتعين علينا على الفور تطبيق قدر وافر من التخفيض في ضرائب الدخل الشخصي الذي تم الاتفاق عليه لسنوات لاحقة أو تقوم ببساطة بتكرار الحسومات التي تمت في السنوات الأخيرة، مما يؤدي الى حقن 100 مليار دولار اخرى أو ما يقارب ذلك من القوة الشرائية في الاقتصاد خلال الأشهر القليلة المقبلة. ان نجاح هذه الاجراءات سيتحدد بشكل كبير من خلال تأثيرها على نفسية وثقة المستهلكين والمستثمرين. وهذه الاشياء الحاسمة وغير المحسوسة سيتم توجيهها بشكل مهم من خلال تطورات تحدث خارج النطاق الاقتصادي وخاصة كفاءة قيادتنا في الاستجابة للتأثيرات الأمنية المباشرة للهجمات، لكن تأثير الخطوات الاقتصادية نفسها يمكن ان يتم تعزيزه بشكل كبير اذا تم اتخاذ تلك الخطوات بسرعة وبشكل حاسم وبخاصة من خلال نهج منسق متعدد الأطراف يظهر استعداد السلطات في دول بارزة للمزاوجة بين تحالفها العسكري وتعاونها الاقتصادي الفعال. ان مثل هذا التعاون يمكن ان يعرض في أحسن أحواله من خلال اجتماعات دولية على مستوى عال. وقد يكون أوضح مثال على ذلك الاجتماع الذي عقده وزراء المالية في مجموعة الدول الصناعية السبع لاعلان العنصر الاقتصادي في استراتيجية الحرب. ومن المؤسف حقاً ان يتم الغاء الاجتماع السنوي الذي كان مقرراً لصندوق النقد الدولي في 29 ـ 30 سبتمبر الماضي، حيث كان من الممكن استغلاله لتوسيع وتعزيز الدعم للاستراتيجية متعددة الأطراف. ويستطيع المجتمع الدولي ان يظهر وحدته في الرد على تدمير مركز التجارة العالمي من خلال المضي قدماً معاً على صعيد التجارة العالمية ويتعين ان يمضي الاجتماع الوزاري لمنظمة التجارة العالمية في نوفمبر كما هو مقرر خاصة وانه سيعقد في دولة قطر على الخليج العربي. ان المراوغات التي اثارت شكوكاً حول قدرة المشاركين على اطلاق جولة جديدة من المفاوضات متعددة الاطراف ينبغي وضعها جانباً على ضوء الظروف الجديدة تماماً مثلما تغلب حلفاء الحرب الباردة بشكل تقليدي على نزاعاتهم التجارية التافهة في مواجهة المتطلبات الامنية الكاسحة. ويتعين وضع المراوغات المشابهة التي منعت الكونجرس من تمكين الرئيس جورج دبليو بوش من المشاركة في هذه المفاوضات منذ عام 1994 ناهيك عن ترؤسها، يتعين وضعها جانباً ايضاً بالاقرار المبكر لسلطة تعزيز التجارة اذا ما اردنا إقناع العالم بأن الأمريكيين جادين في ردهم بفاعلية على أحداث الحادي عشر من سبتمبر الماضي. ان البعد الاقتصادي للهجمات الارهابية قد طغى عليه بشكل طبيعي في الأيام القليلة الأولى من جانب المأساة الانسانية ومن خلال السعي لاستعادة امن أمريكا، غير انه مع عودة الحياة الى طبيعتها، فان المخاوف اليومية الاعتيادية المتعلقة بفرص العمل والأعمال ستستعيد أولويتها التقليدية بالنسبة لمعظم السكان هنا وفي جميع ارجاء العالم، وبالتالي، فان من الضروري التعامل مع الجبهة الاقتصادية للصراع بالأولوية والمهارة والتعاون الدولي تماماً كالجبهة الامنية. ونستطيع تحقيق النصر على الارهابيين فقط بتحقيق انتعاش مدو في اقتصاداتنا الى جانب الحاق الدمار بقدرتهم على ارتكاب مثل هذه الأعمال الارهابية مجدداً.