إن الحديث عن برامج التخصيص في دول المنطقة يحظى الآن بطابع أكثر جدية وعملية نظرا للحاجة الماسة لكي يأخذ القطاع الخاص دورا كشريك للحكومات في التنمية الاقتصادية، وكذلك نظرا للظروف المالية والاقتصادية التي تمر بها دول المنطقة وخاصة على صعيد استمرار المخاوف من تذبذب عوائد النفط وتراكم العجوزات المالية والتجارية. أن الكثير من التجارب العالمية توحي إن نجاح تجارب التخصيص يرتبط بوجود قطاع مالي فعال ومتنوع يملك مجموعة من المؤسسات والاليات خصوصا إذا ما أريد للمشروعات المخصصة أن تمثل مدخلا لتوزيع ملكية المؤسسات على قدر اكبر من المستثمرين ، وان تتم عملية تسعير هذه المؤسسات وفقا لأفضل الاسعار. ويوجد العديد من الامثلة العالمية التي تؤكد وجود ترابط بين قوة وكفاءة الاسواق المالية من ناحية ودرجة التخصيص من ناحية اخرى سواء في بداية عملية التصنيع او في مرحلة زمنية لاحقة. وعلى سبيل المثال فإن بلدان اشتهرت بدور اكبر للقطاع الخاص في مختلف انشطة التنمية مثل الولايات المتحدة واليابان وكندا وهونج كونج نراها تمتاز بذات الوقت بوجود اسواق كبيرة للاسهم والاوراق المالية الاخرى0 اما فرنسا فإنها كانت تمتاز بصغر سوق الاسهم لديها وذلك لغاية عام 1986 عندما تم تنفيذ برنامج واسع لتخصيص البنوك والشركات الرئيسية المؤممة0 وبحلول عام 1987 تم تخصيص 28 من بين 66 بنكا ومؤسسة استهدفها برنامج التخصيص وذلك من خلال سوق الاسهم، وقد حقق ذلك زيادة كبيرة في عدد المساهمين في الشركات العامة بلغت نحو ستة ملايين مساهم وبلغ دخل الدولة من هذا البرنامج نحو عشرين مليار دولار. اما في المانيا فإن جانبا رئيسيا من اسباب صغر سوق الاسهم لديها يعود الى الدور المتكامل Universal الذي تلعبه منذ تأسيسها البنوك الالمانية، حيث لا تقتصر انشطتها على تقديم خدمات الصيرفة التجارية العادية بل التملك المباشر والواسع لأسهم الشركات الخاصة الرئيسية كمستثمرين طويلي الأجل في هذه الشركات مما يعني عدم تداول الا نسبة ضئيلة من هذه الاسهم0 وفي بريطانيا لعب برنامج التخصيص الضخم للعديد من الشركات الرئيسية مثل بريتش بتروليوم وبريتش تليكوم وبريتش غاز دورا بارزا في اعادة تنشيط سوق الاسهم الى درجة اصبحت تعتبر في العديد من النواحي اكثر كفاءة الآن من سوق الاسهم الامريكية، فلقد فاق حجم العديد من الاصدارات الحديثة للاسهم البريطانية بالارقام المطلقة والنسبية ارقام الاصدارات الجديدة الامريكية كما ان تكاليف الوساطة في سوق الاسهم جديدة الاصدار اقل منها في الولايات المتحدة0 وكانت احدى المنافع الاضافية لذلك هي مساهمة صغار المدخرين مساهمة كبيرة في سوق الاسهم نتيجة لإعطاء الافضلية لاصحاب الصفقات الصغيرة من الاسهم في الشركات التي نقلت الى القطاع الخاص مما ادى الى زيادة عدد المساهمين في المملكة المتحدة الى اربعة امثاله تقريبا منذ عام 1981، الا ان هذا العدد قد تناقص بعد ذلك نظرا لقيام العديد منهم بإعادة بيع حصصهم الى مستثمرين طويلي الاجل وذلك من اجل جني ارباح ارتفاع اسعار الاسهم المخفضة. إن حجر الزاوية في نجاح برامج التخصيص وقيام اسواق الاسهم بدورها في هذا النجاح بدول مجلس التعاون الخليجي يكمن في اتخاذ التشريعات والاجراءات لحماية مصالح المستثمرين، ان برامج التخصيص تنقل اهتمام الدولة من حماية المؤسسات التي تملكها وتؤدي دورها الاجتماعي الى حماية المستثمرين الذين سوف يملكون هذه المؤسسات، ومن خلال استعراض تجارب التخصيص في عدد من بلدان العالم يتبين ان هناك اجماعا على ان قرار التخصيص هو بالدرجة الاولى قرار سياسي، أي انه يصدر من اعلى سلطة سياسية في البلاد لكي يأخذ صفة التنفيذ الجدي والشامل وبحيث يحدد هذا القرار الجهات التى سوف تتولى الاشراف على تنفيذه مع اعطائها الصلاحيات اللازمة للقيام بذلك والقطاعات والانشطة التى سوف يشملها قرار التخصيص0 ان القرار السياسي الذي يعطى الضوء الاخضر لتنفيذ هذه الخطوة هو ضروري وخصوصا في الدول النامية نظرا لاحتمال غياب المؤسسات الدستورية والتشريعية او التنفيذية التى تملك السلطات الفعلية لاصدار مثل ذلك القرار. ومن الاشتراطات التي ابرزتها التجارب العالمية ان قرار التخصيص يجب الا يمثل خطوة معزولة وقائمة بذاتها، بل ان يمثل جزءا من برنامج للاصلاح الاقتصادي، ان التخصيص ليست عصاة سحرية تشفى علل المجتمع الاقتصادية والاجتماعية، فهذه الخطوة تهدف في جوهرها الى توسيع مشاركة القطاع الخاص في ادارة المؤسسات الاقتصادية القائمة وذلك بهدف تحسين كفاءتها وانتاجها، الا أن هدف الدول النامية ومنها الدول الخليجية لا ينحصر على تحسين ما هو موجود من مؤسسات وانشطة بل وتوسيعها وزيادتها كما ونوعا0 بالاضافة الى ذلك فان برامج الاصلاح الاقتصادي يجب ان تطال السياسات النقدية والمالية والتسعيرية والتجارية والقانونية، وهى جميعها سياسات وعناصر تمثل خطوطا متوازية احيانا، ومتشابكة احيانا اخرى مع برنامج التخصيص. وفيما يخص علاقة البورصة ببرامج التخصيص تبرز قضية تسعير اسهم او القيام ببيع المؤسسات المخصصة، فلا شك ان طريقة وآلية تسعير هذه المؤسسات سوف يتم اختيارها لكل حالة على حدة ووفق اعتبارات كثيرة، فهناك بعض المؤسسات الخدمية التى يمكن بيعها الى قطاع عريض من المستثمرين والجمهور من خلال البورصة في حين ان هناك مؤسسات تقوم بانشطة تخصصية لا يعنى بها سوى نفر معين من المستثمرين الذي ستدخل معهم الدولة في مفاوضات مباشرة للتوصل الى صفقة وشروط البيع، كذلك هناك الاعتبارات الخاصة بجنسية المستثمرين الذين سوف يسمح لهم بالمشاركة في الاستثمار في المشروعات المخصخصة وطبيعة هذه المشروعات وحجمها ومدى اهميتها او شراء اسهم المؤسسات المخصخصة مباشرة من البورصة. ان التوجهات الخليجية الراهنة لتنفيذ برامج التخصيص تمثل فرصة كبيرة لتفعيل القطاع المالي الخليجي ، وتوسيع رقعة المؤسسات والإدارات المالية القادرة على تحويل الودائع القصيرة الاجل المتكدسة لدى البنوك التجارية الى استثمارات منتجه طويلة الاجل في مختلف الافرع والانشطة الاقتصادية. إن تطوير اسواق المال يمكن ان يساهم في زيادة معدلات النمو الاقتصادي والرفاهية الاجتماعية وتسهيل تنفيذ السياسات والبرامج المؤدية إلى ذلك ومنها سياسات وبرامج التخصيص بدول مجلس التعاون الخليجي.