يتحدث المسئولون والمعنيون بالتنمية ولاسيما التنمية الاقتصادية، ويتحدث الشارع الاماراتي بتركيبته الاماراتية والوافدة، ويتحدث القطاع الخاص بجزئيه الوطني والاجنبي، ويتحدث الاعلام والعاملون فيه عن التوطين، والكل يدلو بدلوه في هذه القضية الشائكة التي اصبحت احدى اهم اشكاليات التنمية الاجتماعية والاقتصادية في الامارات، واهم التحديات التي تواجه مجتمع الامارات وبنائه سواء اولئك العاطلين عن العمل والباحثين عن فرصة عمل، او المستثمرين من الفعاليات الاقتصادية اماراتيين ووافدين الذين يجدون انفسهم لا خيار لهم الا استيعاب نسبة من العمالة المواطنة في اطار سياسة التوطين او الرحيل من الامارات!! وتدور هناك الكثير من التفسيرات والتأويلات وربما الكثير من المغالطات والتجاوزات حينما يتم تناول هذه القضية فيما ينظر البعض الى التوطين على انه سبيل الخلاص من المعضلة السكانية التي يعاني منها الاقتصاد والمجتمع الاماراتي، فإن البعض الآخر ينظر الى التوطين بنظرة اكثر شمولية حينما يجد التوطين في توطين محيط المجتمع عامة وليس محيط العمل فحسب.. وامام هذه الاختلافات والتأويلات تصبح قضية التوطين احدى القضايا التي يدور حولها الحديث فيما الفعل قليل وفي الوقت الذي تنجح فيه دول قريبة منا وذات ظروف متشابهة بالامارات في توطين الاقتصاد والمجتمع فإن الامارات تسجل اخفاقا واضحا في سياسة التوطين. فالمملكة العربية السعودية وفي اطار سياسة السعودة حققت نجاحا واضحا ليس على صعيد توطين سوق العمل فحسب وانما سعودة المؤسسات كالمصارف والشركات سواء في رأسمالها او قاعدتها البشرية. وهكذا هو الامر في سلطنة عمان التي نجحت والى حد كبير في تعمين سوق العمل كخطوة اولية، نحو تعمين الاقتصاد العماني، ثم المجتمع العماني حيث استطاعت السلطنة وفي اطار هذه السياسة ان تحقق نجاحا كبيرا وملحوظا في اعادة التوازن الى سوق العمل لصالح العمالة العمانية، ثم صياغة استراتيجية للتنمية الاقتصادية افضت الى ايجاد قاعدة انتاجية متنوعة زراعية وصناعية وتجارية ذات صيغة عمانية واضحة.. وكان لتعمين سوق العمل، ثم تعمين الاقتصاد الاثر المباشر والكبير في صناعة مجتمع عماني ينبعث منه العبق العماني المتميز.. ثم هكذا هو الامر بالنسبة لدولة البحرين حيث السياسة الواضحة نحو بحرنة سوق العمل البحرينية واعادة زمام الامور في تلك السوق الى اصحابه. ثم التنمية البشرية التي تؤكد على تقديس العمل الشريف حيث افضت الى المحافظة على المجتمع الاقتصادي البحريني وبالتالي على البحرين وطنا وهوية وشخصية!! وفيما نجحت تجارب السعودية والتعمين والبحرنة فإن الامرتة قد سجلت فشلا واضحا بسبب غياب الفعل وزيادة الحديث، وغياب السياسات والاستراتيجيات وتضارب المصالح وتزايد التجزئة وتفاقم التباين في المجتمع الاقتصادي الاماراتي سواء على صعيد الامارة الواحدة او الدولة.. وفي ظل هذه المعطيات فإننا نفتقر الى المنهجية العلمية للتوطين، والفهم الدقيق لمعنى التوطين وفيما يتحدث الجميع عن التوطين يتراجع التوطين على صعيد الاقتصاد او المجتمع وتتراجع القناعات بأهمية التوطين.. ويبقى الحيث حول التوطين مستمراً!! معنى التوطين ما هو مفهومنا للتوطين؟! ما هي حدوده؟! ما هو محيطه؟! ما هي آلياته وقنواته؟! من المسئول عن التوطين الدولة ام المؤسسة ام الاسرة ام الفرد نفسه؟! ما هي اهمية التوطين في مجتمع كالامارات، وفي ظل اقتصاد ناشيء كاقتصاد الامارات؟! ماذا نريد من التوطين؟! وهل التوطين هو توطين الوظائف وسوق العمل ام انه توطين الاقتصاد ام توطين المجتمع ام توطين الوطن؟! لماذا يرتفع صوت المطالبين بالتوطين الآن وليس قبلا والى اي مدى تحقق التوطين في الامارات على مدار العقود الثلاثة من عمر الدولة.. والى اي مدى هي قناعتنا اليوم بأهمية التوطين. وهل هناك تنمية بشرية واقتصادية واجتماعية تحقق اهداف التوطين؟! لقد تباينت الرؤى والتفسيرات حول مفهوم التوطين واهميته وابعاده وحدوده، ففيها ينظر بعض المسئولين والمحللين والكتاب الى ان التوطين هو احلال العمالة المواطنة الاماراتية محل العمالة الوافدة لمنحها فرصة العمل في وطنها وذلك كحق دستوري وعلى الدولة بهيئاتها ومؤسساتها وبدوائرها ان توجد هذه الفرص حتى لو كان ذلك على حساب التخصص والنوعية والاستعداد لدى المواطنين الاماراتيين.. فإن البعض الاخر ينظر الى التوطين على انه توطين للاقتصاد الاماراتي وهي نظرة اكثر شمولية حيث يربط البعض قضية التوطين ليس في سوق العمل والانتاج فحسب وانما يشمل كافة قطاعات الانتاج وعناصره في الاقتصاد فالصناعات والسلع والبضائع يجب ان تكون منتجة محليا او جزءا منها. وبالتالي فإن الاقتصاد لن يكون اقتصادا اماراتيا مالم تكن وسائل الانتاج اماراتية، ورأس المال اماراتيا، والقوى العاملة اماراتية وبالتالي فإن الانتاج يصبح آنذاك اماراتيا يعزز من الاقتصاد والمجتمع. وهنا يطالب البعض بضرورة حماية الصناعات والمنتجات الوطنية. وحماية سوق العمل بجعلها اكثر اماراتية واعادة التوازن الى هذه السوق بجعلها لصالح الاماراتيين او القوى العاملة الاماراتية. إن التباين في الرؤى والتفسير لمعنى او مفهوم التوطين في الامارات وغياب الفهم الدقيق للتوطين وعدم الاستفادة من تجارب الدول القريبة والتي تعتبر تجارب ناجحة بكل المقاييس، كل ذلك قد جعل من الجهود المبذولة في هذا الشأن جهودا تفتقر الى التركيز تجسد ذلك في غياب التخطيط وكثرة الحديث وتباين السياسات فيما بين امارات الدولة، وبالتالي اصبح النقاش في قضية رئيسية كالتوطين نقاشا طويلا ولكنه يفتقر الى الاجراءات الفعلية والتطبيق الفعلي سواء على صعيد القطاعات الاقتصادية او على الامارات وسياساتها الداخلية!! وفيما تشهد سوق الامارات مزاحمة حقيقية غير متكافئة من قبل كل ما هو مستورد نجد ان (المحلي) لا يجد الحماية اللازمة من قبل الحكومة الاتحادية او الحكومات المحلية في الامارات وقد اتخذت هذه المزاحمة اشكالا مختلفة وتركت آثارا سلبية واضحة على الاقتصاد او المجتمع، فسوق العمل مثلا تشهد مزاحمة العمالة الوافدة للعمالة المواطنة الامر الذي ادى الى بروز ظاهرة البطالة الظاهرة وفي اوساط المواطنين، والاقتصاد الوطني قد فقد هويته حينما اصبحت الصناعات والمنتجات الزراعية والصناعية والسلع الاخرى تزاحم كل ما هو منتج محلي ولم تجد الصناعة المحلية والسلع الوطنية الحماية المطلوبة من قبل الدولة مما احدث فوضى حقيقية في سوق الامارات واصبحت المنافسة بين الصناعات والسلع المستوردة بعد ان ادى غياب الرقابة والحماية للصناعة الوطنية إلى خروج «الوطني» من سوق المنافسة هذه. وفيما يقول بعض المسئولين بان اقتصادنا الوطني يحقق مكاسب وان الصناعات الوطنية تحقق تطورا كبيرا وقدرة على المنافسة، نجد ان الواقع غير ذلك، فالعمالة المواطنة تنحسر من سوق العمل وتخرج، ونجد ان الصناعات الوطنية تخسر لعدم وجود الحماية وتخرج من سوق المنافسة، فالاعلام والمحللون وبعض المسئولين في الدولة ينادون بضرورة التعامل مع قضية التوطين بشكل جاد وفعلي، سواء على صعيد سوق العمل، أو على صعيد الاقتصاد أو على صعيد الاستثمار أو على صعيد المجتمع والوطن ونحن نؤكد هنا على اهمية التوعية، بضرورة التوطين ليس في نطاقها الضيق والمقتصر على توطين الوظائف، وليس على صعيد الاقتصاد فحسب وانما على صعيد توطين الانسان الاماراتي والوطن، وسوف نتناول سياسة التوطين واهميتها في الحلقة المقبلة.