قضية واحدة أجمع عليها الكل في جيتكس من الشرق والغرب والشمال والجنوب ممن التقوا تحت سقف واحد في مركز دبي التجاري العالمي، كلمة واحدة أصبحت تثير أعصاب المنتجين والشركات المصنعة في مجال تقنية المعلومات وبرامج الكمبيوتر، انها «القرصنة» داء العصر وحشرة الاقتصاد الرقمي الجديد و«قراضة» صناعة البرمجيات في العالم. ورغم ان الحرب عليها شرسة والضرب فيها من كافة الجبهات وبكافة الاسلحة فان مقاومتها أكثر شراسة. تتلون مثل الحرباء وتتخذ لنفسها كل يوم شكلاً جديداً يحميها ويعطيها فرصة جديدة للافلات. ورغم انها تضرب في واحدة من أهم الصناعات ودعامة من أهم دعائم التقنية الحديثة فإنها تستخدم التقنية الحديثة ذاتها في الدفاع عن نفسها والحاق أكبر الاذى بها. وهكذا تطورت القرصنة من شكلها التقليدي المتمثل في عميات نسخ البرامج وبيعها الى شكل آخر أكثر خطورة وهو القرصنة عبر الانترنت مستخدمة أحدث تقنيات المعلومات وأوسعها انتشاراً في ضرب صناعة البرمجيات العالمية. وكما لكل قرين وحليف فإن القرصنة وجدت لنفسها قريناً وحليفاً خطيراً تمثل في «الغش التجاري» الذي يعني وجوده مع القرصنة في مكان واحد دماراً شاملاً ربما كان أشد فتكاً من أسلحة الدمار الشامل. فماذا يقول الخبراء وممثلو الشركات العالمية المشاركون في جيتكس دبي 2001 في هذه الظاهرة وما هي وسائلهم لمواجهتها؟ ما هو حجم خسائر الشركات العالمية من هذه الظاهرة سنوياً، وما هو حجم الخسائر العربية في هذا الصدد؟ ثم ماذا عن مكافحة هذه الظاهرة السلبية وما هي مستويات المكافحة في دول المنطقة؟ ما هي أكثر الدول حرصاً على نقاء أسواقها من هذه الظاهرة وهل هناك قائمة سوداء من الدول التي تمارس هذه الظاهرة؟ وما هو الدور الذي يلعبه معرض جيتكس في مكافحة هذه الظاهرة؟ نشر الوعي يقول وحيد عطا الله مدير عام مركز دبي التجاري العالمي ان معرض جيتكس يلعب دوراً مهماً في مقاومة القرصنة دون ادنى شك خاصة وان جيتكس تحول الى مهرجان سنوي لتقنية المعلومات في منطقة الشرق الأوسط وليس مجرد معرض عادي، وندرك هذا الدور اذا علمنا ان السلاح الاساسي في مكافحة القرصنة هو التوعية. وجيتكس يلعب دوراً اساسياً في نشر الوعي بتقنية المعلومات واستخدامها. كما ان هناك تعاونا كبيرا بين إدارة المعرض ممثلة في مركز دبي التجاري العالمي والجهات المعنية وفي مقدمتها وزارة الاعلام واتحاد منتجي برامج الكمبيوتر في رصد أية تجاوزات أو عمليات قرصنة وملاحقتها قانونياً لحصر الظاهرة في أضيق نطاق. ولهذا أصبحت الامارات في مقدمة دول المنطقة التي تلاحق القرصنة والتي نزلت بها الى ادنى المستويات. وقد تم اغلاق منصات عرض لعدد من الشركات خلال العامين الماضيين اثناء فترة المعرض وبحضور كافة وسائل الاعلام المحلية والاقليمية والعالمية وكان لهذا أثر كبير في طمأنة الشركات العالمية بوجود قوانين تطبق بحزم وتحمي استثماراتها الأمر الذي اجتذب هذه الشركات وجعل من مدينة دبي مركزاً رئيسياً لصناعة التكنولوجيا وتقنية المعلومات. وأكبر دليل على دور جيتكس في مكافحة القرصنة ان الاتحاد العالمي لمنتجي برامج الكمبيوتر قدم شهادتين لجيتكس بخلوه تماماً من أعمال القرصنة. فإذا كان أكبر حدث على مستوى المنطقة في مجال تقنية المعلومات خلال تماماً من القرصنة فهذا مؤشر كبير جداً على نظافة سوق الامارات وعلى ثقة الشركات من المعرض وفي دولة الامارات. منصة عالمية من جانبه وجه جواد الرضا المدير الاقليمي لاتحاد منتجي برامج الكمبيوتر الشكر لإدارة جيتكس على الدور الفعال للمعرض في مكافحة القرصنة. وقال ان جيتكس يعد منصة عالمية لمكافحة هذه الظاهرة ليس فقط في الامارات وانماً على مستوى المنطقة كلها فضلاً عن ان المعرض يعلب دوراً عالمياً في نشر تقنية المعلومات وتوسيع نطاق استخدامها. كما ان المعرض فرصة نادرة للاتحاد لكي يلتقي بالمصنعين للبرامج والموزعين تحت سقف واحد ويناقش معهم مشاكل القطاع وقضاياه وكيفية التصدي لها. ولهذا فان الاتحاد يعقد مؤتمره السنوي واجتماعاته على هامش فعاليات معرض جيتكس وهو ما حدث هذا العام. وحول دور الاتحاد في جيتكس يقول جواد الرضا ان الاتحاد يستغل المعرض في نشر التوعية بأهمية استخدام البرامج الاصلية والتوعية بمخاطر استخدام البرامج المقلدة وعمليات النسخ غير الشرعية للبرامج، ويحرص على التواجد بشكل دائم ويقوم بجولات على الشركات العارضة للتأكد من ان كافة البرامج المعروضة للبيع في سوق الكمبيوتر هي برامج أصلية وفي حال وجود أية مخالفات يقوم بالاتصال بالجهات المعنية في وزارة الثقافة والاعلام وشرطة دبي ودائرة التنمية الاقتصادية فضلاً عن إدارة المعرض لاتخاذ الاجراء اللازم. جائزة دولية وكشف الرضا انه ونتيجة لهذه الجهود التي ادت الى تقليص معدلات القرصنة الى ادنى حدودها حصل على جائزة عالمية من اوتو ديسك كوربوريشن العالمية وقد تسلم هذه الجائزة على هامش فعاليات جيتكس 2001 بوصفه المدير الاقليمي للاتحاد نتيجة لدوره في الحد من عمليات النسخ غير الشرعية. وحول القرصنة باستخدام الانترنت يقول جواد الرضا ان هذا النوع يعد الاخطر نظراً لانتشار الانترنت وسهولة استخداماتها. وقدر عدد المواقع التي تبيع برامج مقلدة حالياً بنحو مليوني موقع مشيراً الى صعوبة شديدة في ملاحقة هذه المواقع. وقال ان الاتحاد نجح في اغلاق العديد من هذه المواقع واحالة بعضها للقضاء وانذار مواقع اخرى بالتوقف عن بيع برامج لاتملكها. وقدر جواد الرضا المدير الاقليمي لاتحاد منتجي برامج الكمبيوتر خسائر صناعة البرمجيات سنويا حول العالم بأكثر من 11 مليار دولار أمريكي. 100 مليون دولار صناعة البرمجيات العربية ليست بمعزل عن الظاهرة التي تهدد بتدمير هذه الصناعة. وكما يقول د. م. عادل محمد خليفة رئيس مجموعة خليفة للكمبيوتر فان خسائر صناعة البرمجيات العربية بسبب القرصنة تقدر بنحو 100 مليون دولار سنوياً. ويضيف ان صناعة البرمجيات العربية امامها فرصة لتكون واحدة من أهم الصناعات العربية خاصة وان العالم العربي لديه ثروة هائلة من العقول المتخصصة في هذا المجال التي تعتمد عليها كبريات الشركات العالمية، ولهذا نجد ان صناعة البرمجيات العربية في مستوى عالمي بكل معنى الكلمة. وحول مستويات القرصنة في الدول العربية يقول د. عادل خليفة ان الظاهرة خفت كثيراً في الدول التي تطبق وفي مقدمتها الامارات. وهناك دول قطعت شوطاً طويلاً في مكافحة الظاهرة مثل مصر والكويت ولهذا حدثت طفرة في توزيع منتجات الشركات في هذه الدول. ولكن في المقابل هناك قائمة سوداء من الدول التي لاتبذل أي مجهود بل وتسمح بعمليات النسخ غير الشرعية مثل ليبيا ودول المغرب العربي، فهذه الدول ليس بها قانون أصلاً لمكافحة الظاهرة، وبالنسبة لشركتنا فإن حجم خسائرنا العام الماضي بسبب القرصنة تجاوز 5 ملايين دولار. وحول دور اتحاد منتجي البرامج في مكافحة الظاهرة قال د. عادل خليفة ان عضوية شركته في الاتحاد أسهمت كثيراً في تخفيض خسائر الشركة بسبب القرصنة، فقد ساهمت مثلاً في تخفيض معدلات القرصنة بالدول الاعضاء في المقر الاقليمي للاتحاد بالشرق الأوسط. وفي منطقة واحدة هي البريمي بعمان قام موزع واحد ببيع ما قيمته 600 ألف ريال من برامجنا كان يتم نسخها وبيعها بدون اذن منا وبدون اي عائد. وهذا مثال واحد فقط لما فعله ويفعله الاتحاد. الاسعار وحول الدور الذي يمكن ان تلعبه الشركات المنتجة في مكافحة الظاهرة وبخاصة تخفيض أسعار البرامج يقول خليفة ان البرامج الجادة تكلف الكثير وتخفيض الاسعار عن مستويات معينة سيترتب عليه انخفاض الجودة. ولهذا فإن ما تتعرض له الشركات هو عملية ابتزاز الى جانب القرصنة، كيف يمكن لبرنامج يكون سعره 100 درهم ان تبيعه بسعر البرنامج المقلد وهو 15 درهماً مثلاً. ويرتبط بهذا ظاهرة اخرى خطيرة تهدد صناعة البرمجيات العربية هي الغش التجاري. فقد استغل البعض الموقف الصعب الذي تتعرض له شركات البرمجيات بسبب القرصنة وعدم قدرتها على تخفيض الاسعار وقام بانتاج برامج ضعيفة المستوى وطرحها بالأسواق بسعر منخفض. ورغم ان هذه البرامج غير مقلده ولكنها ضعيفة المستوى وهذا نوع من الغش التجاري. وسبب هذه الظاهرة في العالم العربي هو عدم وجود قيود على الترخيص لشركات البرمجيات وعدم وجود ضوابط تحدد شروط افتتاح شركة لانتاج البرامج، ولابد من التنبه لهذا الامر لأن العملة الرديئة تطرد العملة الجيدة من السوق. وفي مصر مثلاً كان هناك 60 شركة انتاج برامج أصبحت الان 40 شركة بعد ان اغلقت 20 شركة جادة أبوابها بسبب القرصنة والغش التجاري. هيمنة اللصوص الدكتور محمد عبداللطيف رئيس واحدة من أهم دور النشر العربية التي تخصصت في مجال انتاج برامج الكمبيوتر للأطفال يؤكد ان القرصنة تعوق بالفعل انتاج أعمال جادة لأن الشركات مضطرة دائماً للبيع بأسعار منخفضة. وحذر من هيمنة اللصوص مؤكداً ان العلاج يبدأ بوضع التشريعات وتطبيقها بحزم من جهة وخوض المعركة الاعلامية لتوعية الناس بمخاطر القرصنة عليهم وعلى الصناعة في نفس الوقت. وأشاد ببعض الدول العربية وفي مقدمتها الامارات في مكافحة القرصنة ومطاردة عمليات النسخ مؤكداً ان هذا يدعم صناعة البرمجيات العربية بشكل عام ويجتذب الشركات للاستثمار فيها نظراً لأن الشركات تبحث عن المكان الأفضل دائماً. في حين طالب بعض الدول الاخرى الى ضرورة ان تحذو حذو الامارات مشيراً الى أنه شاهد بنفسه في بعض الدول عمليات نسخ علنية وفي معارض رسمية. وفي مثل هذه الأسواق لايستطيع المنتج الأصلي دخول السوق في حين ان برامجه تباع فيها علانية ويحصل اللصوص على ثمنها. حلول حماية ستيف كروتشلي مدير شركة تيك سكيورتي العالمية المتخصصة في مجال حلول الأمن يؤكد خطورة الظاهرة على المستوى العالمي. كما يؤكد أهمية دور جيتكس واتحاد منتجي برامج الكمبيوتر في مقاومتها. غير انه في الوقت نفسه يطالب الشركات المنتجة بأهمية اللجوء الى حلول حماية لبرامجها ضد النسخ غير الشرعي والقرصنة. كما دعا المؤسسات الكبيرة في الشرق الأوسط الى تثقيف موظفيها بأهمية مواجهة القرصنة وعدم الاعتماد فقط على دور الاتحاد في مكافحة القرصنة لأن التوعية هي أهم سلاح في التخلص من الظاهرة. وحذر من انتشار القرصنة عبر الانترنت مطالباً بضرورة تطوير التشريعات لتواكب هذه النقلة النوعية في القرصنة. ظاهرة عالمية أما باسل توتونجي المدير الاقليمي للشرق الأوسط وشمال أفريقيا في انترشوب العالمية، فأشار الى ان القرصنة ظاهرة عالمية وتحاول الدول منعها ولكن هذا الأمر يتفاوت من مكان الى آخر. والشيء المؤكد ان الشركات العالمية لاتتجه ابداً الى الأسواق التي لاتوجد بها قوانين محترمة أو الأسواق التي تنتشر فيها مثل هذه الظواهر السلبية. تحقيق: عبدالفتاح فايد
