وقفنا في الحلقة الماضية على تمهيد لهذا الموضوع محاولين تحليل ظاهرة الاستعمار والتحري الدقيق عن طبيعتها التي هي في حقيقة الامر تحويل للريع وفائض العمليات الاقتصادية من دول الاطراف إلى دولة المركز عبر آليات السيطرة المنظمة المدعمة بالقوة العسكرية والاعمال الهمجية، ثم عرضنا على التقويم التاريخي للعامل الاقتصادي، ووجدنا كم استطاع الشرق العربي الاسلامي ان يربط اوروبا به لا سياسيا وحسب بل واقتصاديا. واليوم نكمل هذا العامل، فنرى انه ليس من باب الصدفة ان تكون المدن الاوروبية على ساحل البحر الابيض المتوسط وبالاخص الايطالية نصف الشرقية حتى اليوم، لم تهدأ قط طيلة العصور الوسطى مثل البندقية وفينيسيا، هذه المدن كانت في مقدمة العوامل التي ادت إلى النهضة الاقتصادية في الغرب منذ اواخر القرن العاشر الميلادي. ان الحروب الصليبية التي شنتها اوروبا على العالم الاسلامي العربي طيلة مئتي عام لم تكن بأهدافها الدينية المعلنة فقط، وانما ايضا وفي جوهرها تحويل للريع الذي ينتجه الاقتصاد العربي إلى رجال الاقطاع والكنيسة الاوروبية تحت حجج ومزاعم دينية زائفة، وبعد هزيمة الصليبيين، ادرك بعض رجال الفكر والسياسة الاوروبيين، اعتماد الدول العربية والاسلامية على تجارة الهند، لذا وضعوا اقتراحات وخططا معينة لتدميرها، ان مارينوسانيتو اقترح حلفا مع Tortary Dnbai وقيام اسطول في المحيط الهندي للسيطرة على جزره وسواحله، في حين ناضل غليوم آدم من اجل بناء اربع سفن ضخمة في مضيق هرمز لتقفل البحر الاحمر من جزيرة سوقطرة، معتمدا على مساعدة الغرب له. ان مثل هذه الاعمال تضمن للغرب عدة فوائد في آن واحد، اولها، انها تصل إلى المواد والسلع التي تحتاجها من الهند والارخبيل الاندونيسي والشرق الاقصى دون وساطة العرب، وثانيها تضعف العرب والمسلمين عن طريق قفل باب التجارة ومصدر الرزق الاساسي لهم، وثالثها تؤمن اسواقا لتصريف منتجاتها الفائضة، تلك المنتجات التي بدأت تتزايد وتتراكم مع بدايات نظام الانتاج الرأسمالي بدأ من القرن الخامس عشر، ان سيطرة البرتغاليين على المحيط الهندي والخليج العربي تندرج تحت هذا الاطار، ولم تكن هذه السيطرة عملا ترفيهيا أو استكشافيا أو مجرد مغامرة بعض الملاحين. الاستعمار البرتغالي، هو باكورة الاستعمار في العصر الحديث كان نتيجة لتحضيرات طويلة وخطط متقنة محكومة بظروف موضوعية، ورغم ان التحرك الاستعماري البرتغالي إلى المنطقة العربية كان هو الاخر بحجج دينية وثأرية، الانتقام من العرب المسلمين الذين سيطروا على شبه الجزيرة الابيرية (اسبانيا والاندلس) إلا ان الهدف الاساسي للطموحات البرتغالية كان لاحكام السيطرة الاقتصادية واحتكار التجارة الشرقية. وليس هنالك وجه للمقارنة بين الفتح العربي الاسلامي لاسبانيا والاستعمار البرتغالي لدول الخليج العربي، فبينما كان الاول - حسنة - لاسبانيا جعلها تتفوق بالنتيجة على كل قريناتها من الدول الاوروبية، عمل الاستعمار البرتغالي على تدمير الحضارة العربية الاسلامية، باشكال متعددة واساليب مختلفة اخطرها واهمها تجميد اشكال الانتاج السائدة آنذاك والتي كان من المؤمل لها ان تتطور إلى مراحل راقية وصولا إلى مجتمعات متقدمة بالمفهوم السائد اليوم، ان اساليب الزراعة العمانية والملاحة الاماراتية آنذاك كانت تفوق نظيراتها الاوروبية في العصور الوسطى. لقد وجد البرتغالون انفسهم في اراض اكثر غنى من اراضيهم واستطاعوا التعرف على صناعات حرفية راقية اكبر واهم من صناعاتهم، (صناعة القوارب، واستخراج المعادن، وصيد اللؤلؤ.. الخ) بالاضافة إلى ذلك انهم وجدوا ملاحين مهرة من العرب وعلى رأسهم البحار العربي المشهور (احمد بن ماجد) الذي استعان به فاسكودي جاما - الذي يعده الغرب مكتشف رأس الرجاء الصالح - ليعرفه على سواحل شرق افريقيا والمحيط الهندي وليقوده إلى مدينة كلكتا. لقد نجح البرتغاليون في نهاية المطاف في اكتشاف طريق بحري إلى الهند يتجنب طرق القوافل القديمة بين البحر الابيض المتوسط من جهة والبحر الاحمر والخليج العربي من جهة ثانية، لاشك ان اكتشاف طريق رأس الرجاء الصالح وبعض مناطق امريكا اللاتينية افاد البشرية، لكن اقامة الحصون والمحطات التجارية على السواحل الافريقية والعربية والاسيوية وتجنيد المرتزقة وقتل الاهالي بالجملة وارغامهم على العمل بالسخرة وتهجيرهم واصطيادهم بالقوة (تجارة الرقيق) كل ذلك كان عملا يندى له جبين الانسانية خجلا وتقشعر له الابدان لهول فظاعته وشدة وحشيته وبربريته. ان الاكتشافات الجغرافية التي قام بها البرتغاليون وغيرهم لم تكن بالهاجس العلمي الصرف، وانما كانت بفعل الدوافع الاقتصادية بالدرجة الاولى، ان سعيها الاساسي والموضوعي كما هو معروف تاريخيا يعود إلى انكماش وانغلاق الاقتصاد الاوروبي بعد سيطرة العثمانيين على البحر الابيض المتوسط والبحر الاحمر وتحويلهما إلى بحرين اسلاميين، وكما كانت الحروب الصليبية هي المنفذ الوحيد للاقطاع (الكنسي والاجتماعي)، كذلك كانت الاكتشافات الجغرافية النافذة الوحيدة للاقتصاد الاوروبي وهو يتحول إلى الرأسمالية، على كل لقد اطلقت هذه الاكتشافات سلسلة من ردود الفعل الاقتصادية واحدثت اثارا تراكمية متصاعدة نتج عنها ثلاث نتائج مهمة هي: 1- تراكم وانتقال كميات هائلة من الذهب والمعادن النفيسة (الفضة وغيرها) من الخليج العربي إلى اوروبا وبالاخص (البرتغال واسبانيا) بسبب ما فرضه المستعمرون والمستكشفون على اهالي البلاد من ضرائب واتاوات أو ما نهبوه بشكل مباشر من المناجم والخزائن، وكان هذا النهب (لرأس المال النقدي) احد اهم المصادر الاساسية للتراكم البدائي لرأس المال الذي وفر الظروف المناسبة لنشوء الرأسمالية كمرحلة وعملية اجتماعية تاريخية.