دخلت صناعة النفط العالمية منطقة جديدة من الاضطراب منذ الهجمات الارهابية ضد الولايات المتحدة في الحادي عشر من سبتمبر الماضي، والتي انتشرت أولى موجات الصدمة منها سريعاً عبر الحلبة السياسية والاقتصادية الدولية، وفي القطاع النفطي كانت تلك الموجات محصورة حتى الان في حركات تأرجح مفاجئة في الاسعار، التي مالت الى الانخفاض بسبب الفائض في العرض والانخفاض في الطلب. وعلاوة على ذلك، فان الدول المصدرة الرئيسية للنفط سارعت الى اعلان استعدادها لزيادة انتاجها اذا اقتضت الضرورة لتلبية الاحتياجات العالمية وضمان استقرار السوق. ومن الملاحظ ان بعض التصريحات التي تطرقت لهذا الموضوع من قبل مسئولين كبار في دول أوبك أشارت الى نطاق سعري مستهدف لسلة أوبك للنفط الخام يتراوح بين 22 ـ 25 دولاراً للبرميل ولم تعد تشير الى متوسط قدره 25 دولاراً للبرميل، وهذا يشير الى قبول ضمني لهبوط في الأسعار الى المستوى الادنى في النطاق السعري الذي يتراوح بين 22 ـ 28 دولاراً للبرميل والذي حددته أوبك قبل أكثر من عامين، في حين ان سعر سلة أوبك بلغ في المتوسط 27.60 دولاراً للبرميل في عام 2000، و25.63 دولاراً للبرميل في الربع الثاني من هذا العام. ومع بلوغ طاقة الانتاج الاجمالية الى ما يقدر بـ 31.5 مليون برميل في اليوم والانتاج الفعلي الى حوالي 27.6 مليون برميل في اليوم في شهر اغسطس الماضي، فان دول أوبك عموماً والسعودية والامارات بشكل خاص لديها حالياً قرابة 4 ملايين برميل في اليوم من الطاقة الانتاجية الاحتياطية التي يمكن تفعيلها اذا ما اقتضت الضرورة. وفوق كل ذلك، هناك المخزون الاستراتيجي الذي تحتفظ به دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية. وفي الشهور والسنوات المقبلة، ستظل صناعة النفط العالمية عرضة لمضاعفات أحداث الحادي عشر من سبتمبر المأساوية. وفي حين أصبحت بعض هذه المضاعفات ملموسة، فان مضاعفات اخرى قد تكون أكثر خطورة تعتمد على الرد العسكري للولايات المتحدة والاجراءات الاخرى التي تتخذها لمكافحة الارهاب الدولي. والسيناريوهات المحتملة يمكن تلخيصها بالنقاط التالية: انخفاض الطلب على النفط أثارت الهجمات الارهابية في الحادي عشر من سبتمبر، من خلال مفاقمتها للتباطؤ الاقتصادي، وخاصة في الولايات المتحدة وأوروبا واليابان، احتمال حدوث ركود اقتصادي مطول وانخفاض عالمي في الطلب على النفط. وعلى افتراض ان الامدادات النفطية لن تتعطل، فان ذلك سيعني ضغطاً تخفيضياً على الأسعار وزيادة في المشكلات بالنسبة لأوبك فيما يتعلق بالتزام أعضائها بحصصهم الوطنية والتزامها بسقف انتاجها الاجمالي. تباطؤ الاستثمارات ان الاثر الثاني والمحتمل سيتمثل في اعادة توجيه الانفاق الاستثماري من قبل شركات النفط الرئيسية نحو مناطق اخرى غير الشرق الأوسط. ومع توجيه أصابع الاتهام نحو هذا الجزء من العالم باعتباره مهداً رئيسياً للارهاب ولأولئك الذين يمولونه، فان عدداً لا بأس به من الشركات الدولية سيميل الى وضع مشروعاته المتعلقة بالتنقيب والانتاج على الرف. والمناطق الاخرى التي تتوجه اليها الانظار بشكل متزايد في الوقت الحالي هي غرب افريقيا، وبخاصة انجولا، وبحر الشمال وكازاخستان، حيث ينسب الى حقل كاشاجان العملاق لوحده وجود احتياطي يعادل ضعف الاحتياطي المتبقي في القطاع البريطاني من بحر الشمال برمته، وقد صرح رئيس شركة (ENI) فيتوريو منساتو في الثاني عشر من سبتمبر الماضي قائلاً ان «الوضع الراهن قد يدفع بصناعة النفط الى إيلاء اهتمام أكبر بحقول نفطية تقع في مناطق اخرى غير المناطق التقليدية». وستقوم الدول الصناعية أيضاً بمراجعة سياستها الخاصة بالأمن والتنويع الجغرافي للامدادات النفطية. تشديد العقوبات الأمريكية ان الحشد الهائل للدول الغربية تحت العلم الأمريكي يتخطى، على الأقل بشكل مؤقت، الخلافات بين الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي بشأن «العقوبات الثانوية» المفروضة على ايران وليبيا. ومن غير المتوقع ان تستمر الشركات الأوروبية واليابانية والشركات الاخرى في تجاهل العقوبات الأمريكية من خلال التوقيع على اتفاقيات جديدة مع أي من هذه الدول في المستقبل القريب. وفيما يتعلق بالعراق، فان أفضل ما يمكن ان يتوقعه المرء هو ابقاء الوضع الراهن على ما هو عليه. ولكن احتمال حدوث ذلك سواء بتجميد أو تشديد العقوبات الراهنة على ايران وليبيا والعراق سيؤدي الى تفاقم التباطؤ المنتظر في الاستثمارات في ثلاث من الدول المصدرة للنفط البارزة واعادة توجيه الاستثمارات نحو مناطق تعتبر أكثر أمناً. وستكون هذه العواقب الاساسية على الصناعة النفطية لمأساة الحادي عشر من سبتمبر أقل تأثيراً اذا أسفرت الضربات العسكرية الأمريكية على افغانستان عن إطاحة سريعة بنظام طالبان وتدمير تنظيم القاعدة لاسامة بن لادن وتنظيمات اخرى على نفس الشاكلة. خطر التصعيد ان الآفاق المحتملة قد تكون أكثر خطورة اذا ما أصبح العراق هدفاً للعمل العسكري او اذا أثارت «الحرب الطويلة» التي وعد بها جورج بوش دائرة جهنمية من الردود الانتقامية الأمريكية والأعمال الانتقامية الارهابية المضادة. وفي تلك الحالة، فان أسوأ السيناريوهات سيتضمن انقطاعاً في الصادرات النفطية العراقية وهجمات ارهابية ضد منشآت نفطية في دول خليجية معينة، وستكون النتيجة عندها أزمة حادة بصورة أو بأخرى في الطاقة مشابهة لتلك الازمات التي حدثت في فترتي 1973 ـ 1974 و 1979 ـ 1980 مع انقطاعات في الامدادات وانفجار سعري جديد. وفي انتظار رؤية المنعطف الذي ستتخذه الاحداث، يبدو للوهلة الأولى وكأن الزيادة طويلة الاجل في حصة الشرق الأوسط من الصادرات النفطية العالمية يمكن ان تتقلص بشكل مؤقت. فبعد ان وصلت الى نسبة 46.1% في عام 1973 والى 48.5% في عام 1979، انخفضت حصة المنطقة الى 28.3% في عام 1985 قبل ان تعود الى 36.7% في عام 2000، ومع مراجعة الاستثمارات المقررة في مجالي التنقيب والانتاج في الشرق الأوسط، فان حصة المنطقة من الصادرات العالمية ستتقلص مجدداً على الارجح في السنوات المقبلة. غير أنه وعلى المدى الطويل، وحتى لو حدث السيناريو الأسوأ الذي سبق وصفه، فان الشرق الأوسط سيبقى المنطقة الرئيسية القادرة على الاستجابة للنمو المستقبلي في الاحتياجات النفطية العالمية.