تتنافس الدول في الوقت الحاضر على جذب الاستثمارات وترويج مراكزها المالية والتجارية والسياحية وذلك من خلال مزايا الاستثمار المتوفرة لديها سواء كانت هذه المزايا جغرافية او اجتماعية او ثقافية او مادية. وقد اشتهرت دول مجلس التعاون الخليجي بمميزاتها المتعددة وجاذبيتها للاستثمارات المحلية والاقليمية والعالمية التي اذا ما أحسنت استثمارها بالامكان أن تسهم بشكل كبير في تحقيق اهداف التنمية. ففيما يخص الموقع الجغرافي، هناك اجماع عام بين الاقتصاديين يؤكد اهمية موقع أي بلد في عملية التنمية الاقتصادية. ذلك لان الموقع الملائم للانتاج لا يمكن تحديده عرضا وانما لاعتبارات فنية واقتصادية تستهدف في الاساس تحقيق اكبر قدر من الربحية في اية وحدة انتاجية. وفي هذا الصدد، فان اختيار الموقع المناسب لممارسة أي نوع من النشاط الاقتصادي يتأثر بعوامل عديدة مثل وفرة الموارد بما فيها المواد الخام، وفارق التوقيت مع المواقع المهمة الاخرى للانشطة الاقتصادية حول العالم، ومستوى البنيات الاساسية الطبيعية وغير الطبيعية، وتوفر الخدمات سواء كانت منظورة او غير منظورة ، ومناطق تركز السكان باعتبارها مصدرا للعمالة وسوقاً محتملة، والتربة والمناخ والظروف الطبيعية والتقنية. وفيما يتعلق بتلك العوامل فان دول مجلس التعاون الخليجي سواء كإقليم واحد او أقطار منفردة تتمتع بكثير منها حيث تحتل موقعا استراتيجيا في الشرق الاوسط يقع في الوسط بين مناطق التوقيت في الشرق والغرب. كما انها ترتبط بدول العالم كافة بشبكة متطورة من الاتصالات السلكية واللاسلكية. ازاء كل ذلك لم يعد حجم السوق المحلية الصغيرة نسبيا لكل دولة خليجية يعتبر عقبة في تطور الصناعة والتجارة بل اصبحت اسواق هذه الدول سوقا اقليمية لما يزيد على 100 مليون شخص حيث يمكن من خلال كل منها الوصول بسهولة الى الاسواق الاخرى في دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية. وهناك ميزة رئيسية اخرى لدول مجلس التعاون الخليجي تتمثل في اطارها التشريعي المتطور، اذ ليس هناك ادنى شك في اهمية القوانين واللوائح التنظيمية في عملية التنمية الاقتصادية. وفي الوقت الذي شهد فيه قطاع الاعمال التجارية في هذه الدول تطورا كبيرا، سعت القوانين لمواكبة هذه التطورات من جانب والى تشجيع الممارسات التجارية من جانب اخر، وتحديد اطرها بصورة تتسم بالعدل والمساواة، مما ادى بدوره الى تحفيز النمو والتطور بشكل عام، اضافة الى تحقيق العدالة في توزيع الفرص. وفيما يتعلق بالعلامات التجارية العالمية، تعتبر التشريعات الجديدة الخاصة بالعلامات التجارية وحماية حقوق الملكية الفكرية. والى جانب ذلك، شهدت هذه الدول انشاء مركز اقليمية ودولية للتحكيم التجاري وتقدم خدمات التحكيم للافراد والمؤسسات من دول الخليج العربية في التعامل مع نظرائهم من كافة انحاء العالم. كما ان هناك مركز تحكيم خاصاً بدول مجلس التعاون لدول الخليج العربية يتعامل مع كافة القضايا الاقليمية. وقد استطاعت دول المجلس ان تطور تسهيلات التحكيم هذه بفضل اطارها التشريعي المتكامل، ونظام الاتصالات الممتاز المتوفر لديها، والاستقرار السياسي الذي تتمتع به، علاوة على علاقاتها الوثيقة مع دول العالم وتطورها كمراكز مالية اقليمية، وتوفر خدمات المحاسبة القانونية والاستشارات القانونية والمصرفية، وخدمات التأمين وغيرها من الخدمات المساندة. كما استطاعت دول المجلس خلال العشرين سنة الماضية ان تطور منشآت البنية الاساسية المادية والخدمية الضرورية لعملية التنمية، وتشمل هذه المنشآت ما يلي: الاتصالات السلكية واللاسلكية وخدمات النقل الجوي والموانئ البحرية وشبكة الطرق والجسور ومراكز المعارض والمناطق الصناعية والمناطق الحرة حيث تتوافر حاليا بدول المجلس عشرات المناطق الصناعية المتطورة والتي تتوفر فيها كافة التسهيلات للمستثمرين، وذات استخدامات متعددة موزعة على مناطق استراتيجية وتوفر التسهيلات الصناعية والتصديرية لآلاف المنشآت الصناعية التي تقدم مجموعة متنوعة من المنتجات والخدمات. ومن المزايا الاخرى لدول المجلس ايضا اسلوب حياتها واصالة شعوبها. ويعد انتعاش حركة السياحة ايضا نتاجا لاسلوب الحياة في دول المجلس، وتبذل الأجهزة الحكومية جهودا نشطة للترويج لصناعة السياحة حيث تتوفر مميزات كثيرة تجعل منها منطقة جذب سياحي مثل طبيعة السكان والاماكن التاريخية والثقافية والتقليدية وتوفر الرياضات بمختلف انواعها والفنادق والمطاعم ووسائل الترفيه والمحميات الطبيعية والسواحل والاندية. واذا انتقلنا الى مستوى اخر، نلاحظ أن التجارة ظلت تلعب دورا حيويا في التنمية الاقتصادية بدول المجلس باعتبارها مساهما غير مباشر لمبدأ حرية السوق ووسيلة ترويج للتغير التكنولوجي،علاوة على كونها مصدرا للدخل واقتصاديات الحجم الكبير لوحدات انتاج السلع والخدمات. وقد حقق القطاع التجاري بدول المجلس ازدهارا كبيرا خلال السنوات الاخيرة بفضل الاقتصاد القائم على النفط من جانب، والمشروعات المشتركة بين دول الخليج العربية من جانب اخر، كما حظى بدعم كبير مع ارتفاع اسعار النفط. وتستفيد دول المجلس من هيكل ذي مستويين لتسويق مواردها وللترويج لهذه الموارد والتسهيلات والحوافز. فعلى مستوى الوزارات والهيئات الحكومية تركز البرامج المخصصة على اسواق معينة مستهدفة. بينما تقوم وزارات التجارة على المستوى الوطني بتنسيق كل مبادرات القطاع العام للتسويق والترويج، كما تساهم في مبادرات التسويق المشتركة. كما يجسد تطور القطاع الصناعي غير النفطي جهود الحكومات الخليجية لتنويع مصادر الدخل الاقتصادي. وكان المدخل لتحقيق ذلك الهدف هو اقامة صناعات واسعة تعتمد على الطاقة وموجهة نحو التصدير بحيث يمكن الاستفادة من وفرة الغاز الطبيعي وتكلفته المنخفضة نسبيا. وتغلب على القطاع الصناعي في الوقت الراهن صناعات البتروكيماويات والالمنيوم وصيانة واصلاح السفن. وفي نفس الوقت يجري التوسع في صناعات خفيفة مثل تجهيز وتعبئة الغاز وصناعة الاسفلت والمباني الجاهزة والمشروبات الخفيفة واجهزة تكييف الهواء والمنتجات الورقية والبلاستيك والبلاط والملابس. ويتميز القطاع الصناعي المتنامي في دول المجلس بنوعين من المنشآت. ويتمثل النوع الاول في عدد من المشروعات الكبرى التي غالبا ما تكون مملوكة للدولة او لشركات متعددة الجنسيات، وتعمل هذه في قطاعات تصنيع النفط او الغاز او البتروكيماويات او في قطاعات تصنيع الالمنيوم وخام الحديد. وتصدر معظم هذه المشروعات القسم الاكبر من انتاجها الى اسواق اوروبا وشرق آسيا اما مباشرة او عبر شركات التسويق. ويتمثل النوع الثاني في عدد كبير من الصناعات الخفيفة المنشأة حديثا لانتاج الغذاء ومواد البناء والبلاستيك والمساكن الجاهزة والنسيج والتجهيزات الكهربائية والكيماويات الصناعية والغاز ومنتجات الالبان والدواجن والمنتجات الورقية وغيرها من المصانع المتخصصة في انتاج معظم الاحتياجات الشخصية والصناعية. وعرضت دول المجلس منذ بدء برامج تنويع مصادر الدخل الاقتصادي في السبعينيات الكثير من الحوافز والتسهيلات بما في ذلك البيئة الحرة للاستثمار ونسب الملكية المتفاوتة لغير البحرينيين والاعفاء من الضرائب والرسوم على المواد الخام والآلات والمعدات. وكان الهدف من وراء تلك الحوافز هو استقطاب الاستثمارات الخارجية مع التركيز على استحداث نشاطات اقتصادية جديدة رائدة. وقد نجحت هذه السياسة الى حد كبير في خلق فرص عمل جديدة وخلق مناخ ملائم للنمو الصناعي. كما استحدثت هذه الدول انظمة حوافز جديدة للصناعة ترمي الى تحقيق عدة اهداف منها زيادة عدد القوى العاملة الوطنية وتنويع الصادرات وتوسيع القاعدة الاقتصادية. وتركز هذه البرامج على المؤسسات الصغيرة وتتضمن تقديم منح من جانب الحكومة وحوافز لاستهلاك الطاقة وتسهيلات ائتمانية للتصدير.