لقد تناولنا في الحلقتين السابقتين واقع العرب وموقعهم حيال حركة الاستعمار الاقتصادي الحديث ونستكمل الان معطيات هذا الواقع من خلال التغير الذي حدث على صعيد فئات المجتمع، وكيفية مواجهة حركة الاستعمار الاقتصادي الحديث في ثوبه الجديد وفي اطار منظمة التجارة العالمية WTO أو العولمة الاقتصادية أو التجارة الالكترونية. قد تتفق فئات المجتمع العربي الواحد على الهدف النهائي يشكل تقليدا ومعوقا للفكر الاقتصادي والتحرر والاستقلال الاقتصادي، وكل ما هو معيق للتنمية الاقتصادية والاجتماعية، والانطلاق نحو الحضارة والتقدم والتطور الاقتصادي المنشود، ولكن تختلف آليات التغيير أو الثورة أو اساليب تحقيق الهدف أو الاهداف، وهنا يبرز الصراع والتصادم والذي تكمن وراءه مصالح آنية ومنافع ذاتية حيث يصل هذا التصادم إلى درجة الصراع الدموي، حينها يغيب العقل، ويتضاءل دور الفكر وتضعف الحجة والمنطق ويحتدم هذا الصراع الذي يكون ثمنه غاليا جدا تدفعه كافة شرائح المجتمع بما فيها شريحة اهل التفكير الحديث، وقادة الفكر والثقافة (الحديثة) وهذا ما حدث في العديد من البلدان العربية (في السودان، في لبنان، في الصومال، في اليمن، في مصر، الجزائر)، وهناك دول اخرى تدور في ساحتها رحى الحروب ولكنها في الخفاء وخلف الكواليس ولربما ينفجر الوضع لتتحول ساحة الخلاف إلى ساحة معارك دموية تحصد كل انجازات المرحلة الماضية اقتصادية كانت أو تنموية، اجتماعية كانت ام سياسية، وتحرق تلك المعارك كل التاريخ والثقافات الحديثة منها والتقليدية وينتفي المنطق، وهنا يكون المستفيد الحقيقي الدول الاستعمارية القديمة التي تعود إلى دولنا العربية بثوب جديد، وتحت مظلة العولمة الثقافية تمهيدا لتحقيق العولمة الاقتصادية أو الهيمنة الاقتصادية كهدف نهائي والذي يقوم على امتصاص ثروات العرب السائلة أو الطبيعية وتهجيرها إلى العالم الصناعي سواء بارادة العرب من حيث الودائع الضخمة لدى مصارف الدول الصناعية حيث تقدر فقط الثروات الخليجية وحدها بنحو 1.7 تريليون دولار أو على هيئة استثمارات في قطاعات مختلفة بالدول الصناعية، وبالتالي فان كل تلك الودائع والاستثمارات العربية الضخمة تجعل الاقتصاديات الغربية ذات حيوية كبيرة بفضل خيرات العرب فيما تعاني اقتصاديات العرب من ازمات وضعف وتخلف بحكم انها تفتقر إلى سيولة لتنشيط حركتها وحيويتها. اما الثروات العربية الاخرى التي تذهب إلى اسواق الدول الصناعية فهي تأتي على هيئة مشتريات لسلع استهلاكية حيث اصبحت اسواقنا العربية مروجة للسلع والصناعات المنتجة في الدول الصناعية بما فيها المبالغ الضخمة التي تنفقها الدول العربية على السلاح الذي تخزنه دون استخدام وتوهم شعوبها بأن هناك اعداء يهددون الامة يجب الاعداد لهم من خلال شراء السلاح، وهذه الاسلحة تشكل عبئا كبيرا على موازنات الدول فيما تتدفق السيولة إلى مصانع السلاح في الدول الصناعية والشعوب العربية تعيش وهم التنمية! وهذا الصراع قد سهل على دول الهيمنة والمستفيدة وهي الدول الاستعمارية من اختراق شعوب وحكومات واسواق الدول العربية دون أدنى مقاومة بعد ان اصبحت الخطوط الدفاعية ضعيفة ومهلهلة وغاب التكامل وغابت شمس الامل في تحقيق حلم الوحدة العربية، وازالة كل الفوارق والتباينات الاقتصادية والاجتماعية والخلافات الداخلية والخارجية، لقد اصبحت المهمة سهلة بل وأصبح العالم العربي يسعى جاهدا لدى الدول الصناعية التي كانت مستعمرة عسكريا له لمعالجة أى مشاكل داخلية كانت ام اقليمية تحدث بين الدول العربية، تطلب دولنا العربية تدخلا مباشرا لحل بعض الخلافات والصراعات الداخلية، وهذا حدث ومازال يحدث على الرغم من اننا على يقين ان تدخل الدول (الاستعمارية) هو بهدف زرع القنابل التي تستطيع تفجيرها متى شاءت وكيفما ارادت، انها ارادة المتسلط ورغبة المستسلم، وهذا يؤكد على ترجمة حقيقية لحالة الفقر المعنوي والمادي الذي تعيشه امتنا العربية والذي ادى إلى تراجعها لتصبح في ذيل الامم غير قادرة على استرداد حقوقها المغتصبة وكرامتها المهدرة، ولا لاموالها المصادرة ولا لعافيتها العليلة. وبعد.. واذا كان حال عالمنا العربي في ظل حركة الاستعمار الاقتصادي الحديث، واذا كانت كافة الدول العربية على يقين بمدى خطورة اوضاعها الداخلية، وبطبيعة اهداف حركة الاستعمار هذه، واذا كان وطننا العربي يعيش حالة التشرذم والصراعات الطائفية والاقليمية والحروب الاهلية والفكرية، واذا كانت امتنا العربية منقسمة على نفسها فكريا، وسياسيا واقتصاديا، واذا كان الصراع قد انتقل من ساحة الانظمة إلى ساحة الشعوب، ومن ساحة الخلاف على الآليات الفكرية إلى الخلاف على الثوابت والمسلمات، واذا كانت تلك الثوابت التي تحكم العلاقات العربية العربية اضحت هشة وضعيفة، ان لم يكن اعلن موتها، اذا كان هذا حال امتنا العربية، فكيف يمكن لها ان تواجه حركة الاستعمار الحديث في ثوبه الاقتصادي الجديد حيث لم يأت ببزته العسكرية كما كان عليه الامر في السابق وانما جاء بثوبه المخملي، أو بثوبه الاقتصادي سواء بسلعه الترفيهية أو الاستهلاكية، أو برأسماله البراق في ظاهره الخادع في حقيقته، أو في استثماراته ومعداته وآلياته التي سوف تطحن البقية الباقية من اقتصادياتنا الوطنية، حيث يسعى هذا الاستعمار إلى الاجهاض على كل محاولات التحرر والتنمية الاقتصادية في وطننا العربي، ويعمل على زرع قنابل على هيئة «ازمات» اقتصادية الهدف منها ان يعيش أو وطننا العربي حالة الازمات الاقتصادية، كما حدث ويحدث حاليا، ويعمل بالتالي على ابقاء امتنا العربية وشعبنا العربي يعيش على فتات الدول الصناعية فيما هي اي هذه «الصناعية» تعيش على خيرات امتنا من نفطها واموال وعقول بشرية عربية هاجرت اليها، وموارد طبيعية تصدر لها وسيولة يومية تتدفق اليها، واذا كان هذا الوضع الحالي، فكيف سيصبح الحال في ظل معطيات المستقبل؟! ان التحولات الاقتصادية والمتغيرات الاستراتيجية العالمية ذات المرجع الفكري والاقتصادي التي تحملها الينا اتفاقية منظمة التجارة العالمية W.T.O، وكذلك في ظل العولمة الاقتصادية التي تحمل كل بذور التدمير لدول لم تعمل على التحرر والانعتاق، عشش فيها التخلف والفساد وغابت عنها الحريات والديمقراطيات. ونحن امام مواجهة صريحة وتحديات خطيرة في الفية ثالثة لا مناص من لملمة مقومات ثرواتنا ولا مجال من العمل العربي المشترك على الصعيد الاقتصادي والتعليمي أولا لكونهما سبيلان للوعي وتحقيق التنمية لشعبنا العربي، ولابد في هذا الاطار من العمل على تحقيق تكامل اقتصادي وتعليمي عربي يتحدد من خلاله الاهداف المرحلية والنهائية التي تصل بنا إلى تحقيق حلمنا العربي وهو وجود أمة عربية واحدة ذات رسالة خالدة.