تعددت صور الفساد المصرفي في الوقت الحالي وأصبح يتم بأشكال حديثة لم تكن معروفة من قبل، وهذا التعدد في أشكال الفساد لم يظهر في المنطقة العربية وحدها بل ظهر في أغلب الدول النامية وأصبح خطرا على عمليات التنمية، كما أدى الى انخفاض مستوى المعيشة فيها، وكان السبب الأول في هبوط النمو الاقتصادي الذي انحدرت اليه الدول التي كانت على وشك التقدم في جنوب شرق آسيا، وفي أمريكا الجنوبية، ومنذ شهور ضرب الفساد تركيا وأدى الى أزمتها النقدية التي مازالت تحاول علاجها حيث انخفضت الليرة التركية من 800 ألف ليرة لكل دولار أمريكي إلى 1.4 لكل دولار أمريكي. وفي بعض الدول العربية نقرأ يوميا أو كل بضعة أيام عن حالة جديدة من الفساد المصرفي، أطرافها من المديرين أو العاملين أو العملاء الذين تجردوا من القيم الإنسانية، ويدور أغلبها حول القروض التي منحت في فترات سابقة بدون ضمانات مادية أي بضمانات شخصية وكان منها مايتم بالتليفون أو بتوصية على ورقة صغيرة من أحد كبار القوم الذي لا يستطيع موظف الائتمان المختص رفضها وكانت النتيجة عدم رد هذه القروض الى البنوك وتهريب جزء كبير منها الى الخارج. وحتى القروض التي منحت بضمانات مادية وعينية تبين أن أغلبها كان مبالغا في قيمته وظهر ذلك واضحا من القضايا التي عرضت على المحاكم، ومن المستندات المزورة التي قدمت كضمانات للقروض، ويقال ان بعض الجهات التي تقدمت للحصول على قروض من البنوك كانت تعرض ميزانيات مبالغ في تقدير الأصول الواردة بها مع مستندات غير صحيحة يتم اعدادها بالاتفاق مع مديري بعض البنوك، وأرجو أن تكون هذه الظاهرة قد انتهت حاليا وأن مايتم عرضه يتضمن حقيقة المراكز المالية للجهات الطالبة للقروض بعد دراستها جيدا من الادارات المختصة. وفي بعض الدول النامية الأخرى ظهرت حديثا صور أخرى من الفساد المصرفي، منها ماتم الاعلان عنه في تركيا خلال الأزمة المالية التي تجتازها حاليا حيث كانت البنوك هناك تقوم بالحصول على قروض من الخارج بأسعار فائدة منخفضة ثم تقوم باستخدام الحصيلة في شراء أذون خزانة حكومية بأسعار فائدة مرتفعة، ويحصل بعض أصحاب البنوك شخصيا على فروق الفوائد التي يستخدمونها لصالحهم شخصيا، وفي شركات تبين أنهم يملكونها وحدهم بعيدا عن البنوك ولم ينكشف أمر هذا الفساد الا بعد مشاجرة علنية تمت في فبراير الماضي بين رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء الذي كان يساند بعد الوزراء المسئولين عن ذلك وهو ماأعلن عنه مؤخرا. وهذه الطرق قد يعتبرها البعض أنها ليست من صور الفساد خاصة وأنها لا تتضمن رشاوى أو تزوير مستندات أو سرقة مباشرة بل هي احدى صور (الفهلوة والجدعنة الخبيثة) لأن الذين يقومون بها يحصلون على قروض خارجية بفوائد قليلة نتيجة مفاوضات رسمية، ثم يشترون بحصيلتها أذون خزانة بفوائد مرتفعة ويسددونها في مواعيدها دون تأخير، غير أن الواضح بطبيعته هو شكل من أشكال الفساد لأن هذه البنوك في أغلبها تملكها الدولة وكان يتعين أن تسدد هذه الفروق الناتجة عن هذه العمليات الى خزينة البنوك وليس الى خزينة الأشخاص الذين قاموا بالتفاوض وحصلوا على القروض الخارجية باسم هذه البنوك، بالاضافة الى أن الاقتراض الخارجي لشراء أذون خزانة غير مسموح به. وفي صندوق النقد العربي وخلال السنوات الخمس الأولى من عمله 1977 ـ 1982 تمت أغرب صورة من صور الفساد في العالم العربي وفي البنوك والمؤسسات النقدية العربية، وهي صورة لم يتحرك لمعالجتها أي مسئول في جامعة الدول العربية حتى الآن بالرغم من تسجيلها في أكثر من كتاب نشر في المنطقة العربية وعندما تقرأها ستترحم أكثر على شهداء الانتفاضة الذين يموتون نتيجة فساد النفوس في هذه المؤسسات والتي لم تترك فرصة للحصول على القوة التي كان يمكن أن تمنع اسرائيل من التمادي في الظلم والطغيان والعربدة، وقد عرضت هذه الصور على محاكم أبوظبي وصدر فيها الحكم الذي ادان رئيس الصندوق حينئذ وآخرين اشتركوا معه في هذا الفساد المخفي الذي كان يعتقد أنه لن يظهر أبدا حيث تمثلت هذه الأشكال من الفساد البشري في صندوق النقد العربي فيما يلي: ـ فتح حسابات باسم الصندوق دون تسجيلها في دفاتره. ـ اجراء عمليات مالية باستخدام اسم الصندوق وتحويل حصيلتها الى جهات أخرى. ـ اجراء عمليات أخرى باستخدام موارد الصندوق لفترات معينة قبل تسجيل تلك الموارد في دفاتر الصندوق. ـ تحويل المعاملات بحيث يتم تحميل الصندوق بخسائر عمليات تمت في الحسابات غير المعلنة وغير المسجلة في دفاتر الصندوق. إن قادة هذه العمليات والمخططين لها مازالوا على قيد الحياة هاربين في أوروبا وأمريكا، حيث ثبتت هذه التهم الخطيرة على رئيس الصندوق السابق وحكم عليه بالسجن 79 عاما ورد مبلغ قدره ثمانون مليون دولار الى الصندوق، غير أنه غادر أبوظبي الى لندن وأقام في انجلترا اقامة دائمة وليس هناك اتفاق لتبادل المجرمين بين الامارات العربية المتحدة وانجلترا، أما الذين ساعدوا في تنفيذ هذه العمليات فمازالوا ينعمون بالحياة الثرية في الولايات المتحدة الأمريكية، ولكنهم لم يفلتوا جميعا من العقاب. ومن واقع قضية صندوق النقد العربي وهو أكبر منظمة نقدية اقليمية تابعة لجامعة الدول العربية يمكن أن نستخرج العوامل التالية التي أدت الى الفساد البشري الذي استشرى بالصندوق والذي لم يأخذ اهتماما في علاجه حتى الآن. ـ نظم ادارية غير سليمة وللأسف اعتمدها مجلس المديرين التنفيذيين المعين من قبل الدول العربية الأعضاء نتيجة اختيار كل دولة لممثليها فيه دون دراسة!! ـ عدم الاهتمام بالرقابة والاشراف، لا من أجهزة الرقابة الداخلية ولا من جامعة الدول العربية، ولا حتى من مكتب المراجعة القانوني المسئول عن عمليات الصندوق المالية. ـ خلخلة في الاخلاقيات والسلوك، وهي الخلخلة التي ظهرت لدى الكثير من أجهزة الحكم في الدول العربية منذ الحرب العالمية الثانية وبعضها مازال مستمرا حتى الآن. ـ انهيار في أوضاع التعاون العربي والمنظمات المشتركة والذي تزايد في السنوات الأخيرة، ونرجو أن يتوقف هذا الانهيار في عهد الأمين العام لجامعة الدول العربية، وعلى أن تعود هذه الأوضاع الى مجراها الطبيعي في ضوء الاقتراحات المعروضة من سيادته للتطوير. واذا كانت تفاصيل هذه الصور الفسادية ظهرت في صندوق النقد العربي في سنواته الاولى، فمن المحتمل أن تكون مختبئة في منظمات عربية أخرى، عرضتها في كتابي الأخير (صندوق النقد العربي والقضايا المصيرية) وبالتفصيل الواضح وبموجب مراجع نقدية وقانونية وكنت أتصور أن ينال اهتماما من المنظمات العربية المشتركة فإذا ببعض قيادات هذه المنظمات تقطاعه وترفض قراءته، مع أن أحداث الفساد الواردة به مدعمة بالمستندات والأحكام القضائية. أعود فأقول أن اشكال الفساد المصرفي أصبحت متعددة، وبعضها ظهر فعلا وعرض على المحاكم، كما أن بعضها الآخر لم يظهر بعد ولابد أن يظهر قريبا، لأن الجهاز المصرفي هو الذي يقود التنمية في البلاد العربية وفي الدول النامية بوجه عام خاصة في مجال التمويل وبالتالي فإن انتشار الفساد فيه يعوق التنمية ويؤدي الى أزمات لا يعلم مداها الا الله، وقد ضرب فعلا كثيرا من هذه الدول النامية في آسيا وفي أفريقيا وفي بعض دول أمريكا الجنوبية. ومن هنا فإن الكشف عن الفساد المصرفي ووضع حلول لمعالجته يستحق فعلا تشكيل مجموعة عمل خاصة من خبراء عرب يتصفون بالأمانة القومية والكفاءة الفنية، على أن يتم تشكيلها عن طريق جامعة الدول العربية وأن تسترشد بالتوصيات التي صدرت في المحاكم التي عرض عليها قضايا هذا الفساد، وبالوسائل التي يعالج بها في الدول التي شاع فيها، وفي مقدمتها تركيا التي أصدرت قانونا منفردا في مايو الماضي باصلاح الجهاز المصرفي وعلاج الفساد السائد به. انها توصية أعرضها على السيد الأمين العام لجامعة الدول العربية، وعلى السيد الأمين العام لمجلس الوحدة الاقتصادية العربية، وخاصة وأن الفساد في البنوك العربية والمنظمات العربية المشتركة هو المستفيد الأول في الابقاء على الأوضاع الحالية للتعاون الاقتصادي العربي غير الجاد وغير الأمين، وهو الذي يقف ضد تحقيق السوق العربية المشتركة التي أصبحت مسألة حياة أو موت للأمة العربية، بل لا أكون مبالغا اذا قلت ان الفساد العربي يحارب خلق كيان عربي قوي وقادر على معالجة المشاكل المصرفية العربية. ـ مستشار بوزارة الاقتصاد المصرية