هدفنا من هذه الدراسة ابعد من الأهداف الاقتصادية والتاريخية، انه ذكرى أليمة لماض يعيد نفسه اليوم بحزم ويتحقق، ولكن بصورة أشد واقسى سواء كان ذلك في الشكل أو في المضمون. ونعتقد ان الكثيرين من العلماء والمفكرين سيرحبون بمثل هذا النوع من الدراسات المركبة، والتي تختلط فيها الدراسات التاريخية بالاقتصادية وبالسياسية. ورغم اننا لن نذهب أو ننحو منحى الاخرين في اعتبار العامل الاقتصادي هو العامل الوحيد في تفسير التاريخ الا انه بالمقابل، يبقى عاملاً عريضاً وكبيراً واحياناً حاسماً. الاستعمار كظاهرة اقتصادية سياسية وبأشكاله المتعددة القديمة والحديثة يبقى في التحليل النهائي مجرد اداة قهر ونهب. قهر الشعوب والامم المستعمرة بغية فرض ثقافات وقيم معينة تخرج تلك الامم من خصوصيتها لتذيبها في النهاية في بوتقة المتروبوليتان (الدول الاستعمارية)، اما النهب فيفصح عن نفسه في عمليات التحويل الواسعة والمنظمة للريع وفائض العمليات الاقتصادية من الاطراف (الدول المقموعة) الى المركز (الدول القامعة) عبر آليات السيطرة المنظمة والمدعمة بالقوة العسكرية والاعمال الهمجية الوحشية، والاستعمار البرتغالي للخليج العربي في القرنين السادس عشر والسابع عشر لايخرج عن هذا الاطار، ولكي يبرر الاستعمار نهبه هذا، فكان لابد من ان يستخدم ثقافة معينة يدعم بها توجهاته. فقد استغل العواطف البريئة لدى الجماهير والعامة من الاوروبيين تارة باسم الدين وتارة باسم الثأر من اجل ان يغطي اهتماماته بالايرادات تارة والارباح والنفقات تارة اخرى، تلك الاهتمامات التي كانت أكبر بكثير من اهتماماته بنشر التعاليم المسيحية، اما ادعاءاته بنشر الثقافة والحضارة هي مجرد ادعاءات كاذبة دحضتها الوقائع والنتائج. ان اساطيل البرتغاليين ومن بعدهم الهولنديين والفرنسيين واخيراً الانجليز والتي شكلت الموجة الثالثة للاستعمار الغربي للشرق، تعود اليوم بشكل اساطيل أمريكية بالدرجة الاساس، وتغذية الصراعات القديمة بين العثمانيين والفرس تعود اليوم بشكل صراعات اقليمية طاحنة بين ابناء وشعوب المنطقة، ورغم وجود أكثر من عامل يطوى تحت لوائه اهل المنطقة (الخليج العربي بشاطئيه والمنطقة العربية والاسلامية) في مواجهة الاخطار الاجنبية والخارجية، الا ان فهم قوانين التاريخ وقواعده مازالت بعيدة عن اذهان البعض من ابناء الامة وهذا البعض سواء بقصد أو بدونه فان تجاهله لمثل هذه الحقائق سيصب في النتيجة في طاحونة اعداء الامتين العربية والاسلامية على السواء. التقويم التاريخي للعامل الاقتصادي كان الاساس الاقتصادي للاستعمار البرتغالي يرتكز على دعامتين: هما جلب ونهب المواد الاولية بما فيها المعادن الثمينة (الذهب والفضة) واللؤلؤ، وتأمين سوق لتصريف الفائض من البضائع الأوروبية، كل ذلك يسير جنباً الى جنب مع احتكار الموقع الجغرافي المتميز للخليج من اجل السيطرة على طرق التجارة شرقاً مع الهند وغرباً مع أفريقيا وأوروبا. ولكي نقدم تقويماً دقيقاً وعلمياً للعامل الاقتصادي في الظاهرة الاستعمارية. فانه لابد من دراسة تلك الظاهرة بجذورها التاريخية، ان تفوق الغرب الاقتصادي الحالي على الشرق لايزيد عمره على بضع مئات من السنين وهي فترة لاتكاد تبلغ الا كسراً عشرياً في التاريخ المدون للانسانية، اما تفوق أهل الشرق وبخاصة العرب فانه يرجع الى بضعة آلاف من السنين وقبل الميلاد. ويبرز هذا التفوق في العصر الوسيط ابان الزخم الاسلامي اذ تمكن العرب وبهدي الدين الاسلامي الحنيف ان يكونوا أمة تمتد من خليج بسكاي (فرنسا) الى دلتا السند وحدود الصين وان يقربوا بين الشرق والغرب الى حد لم يكن معروفاً من قبل وساهموا بشكل فعال في الحركة التجارية التي امتدت الى كوريا وارخبيل الهند من ناحية وجنوب شرق افريقيا وأوروبا والبحر البلطيقي من ناحية اخرى. ان نصيب أوروبا آنذاك في التجارة الدولية كان دون شك متواضعاً للغاية، اذ قل سكانها وضعف انتاجها وتقلصت حضارتها، لتصبح حضارة ريفية قائمة على الاقطاع، واذا كانت الجماهير الأوروبية لم تستهلك الا ما تنتجه ارضها، فان الصفوة من اهل السياسة والعلم والقوة فيها كانت تشترى أو تحصل على منتجات الترف الشرقية للمساكن والملابس وغيرها فلم تخل المساكن والحصون الأوروبية من تأثير الشرق الغربي عليها، سواء في المواد الاولية أو الهندسة المعمارية، كما ان السيوف والادوات الحربية والمنزلية الصقلية كانت تتفوق على نظيرتها عندما كانت تصنع على الطراز الشرقي، ان اميرات أوروبا كن يتباهين بلباسهن الدمشقي (نسبة الى دمشق) والموسلين (نسبة الى الموصل)، واذا اضفنا الى ذلك كله وصول العرب المسلمين الى الاندلس وبقاءهم هناك قرونا عدة ونقلهم الحضارة الشرقية عامة والاسلامية خاصة بما فيها علوم الطب والهندسة والفلك والكيمياء.. الخ، لادركنا كم استطاع الشرق ان يقدم لأوروبا وبخاصة الشرق العربي الاسلامي دون استعمار أو سيطرة أو استغلال لدرجة انه استطاع ان يربط به أوروبا لا سياسياً وحسب بل واقتصادياً.. وفوق كل ذلك انسانياً.