قليلة هي الدراسات التي تتناول موضوع البيئة في محيطها الاقليمي والعربي، على الرغم من ان هذا الموضوع بات يمثل قضية هامة وملحة ليس على الصعيد العربي فحسب، بل وعلى الصعيد العالمي. وغني عن القول ان جملة التطورات التكنولوجية الراهنة لها الكثير من الايجابيات مثلما لها الكثير من السلبيات الراهنة التي تطال مختلف جوانب الحياة الاجتماعية للبشر. وعلى المدى ـ ربما غير المنظور في الوقت الحاضر ـ فان اهم هذه السلبيات هو موضوع البيئة. وقد اطلعنا على دراسة قامت بها الامانة الفنية لمجلس الوزراء العرب المسئولين عن شئون البيئة بجامعة الدول العربية حول موضوع البيئة في الدول العربية وما تواجهه من تحديات ومشاكل وخاصة في مجال التعدين. وعلى الرغم من ان الدراسة وجهت اهتمامها لقطاع حيوي ذي صلة بتلوث البيئة وهو قطاع التعدين، الا انها تكشف في جوانبها العديدة الكثير من النواقص والسلبيات التي تهدد البيئة في الاقطار العربية. وتقول الدراسة التي اعدها الدكتور احمد حمزة مستشار الجامعة العربية لشئون البيئة ان الاوضاع الاقتصادية الموجودة في الدول العربية لا تسمح بتوجيه استثمارات كافية لضبط التلوث ومعالجة المخلفات وبالتالي يكون من الصعب على الانشطة والخدمات العامة الملوثة في مجال التعدين والتي تعاني نقصا حادا في السيولة لتمويل انشطتها ان تطالب بتمويل التكاليف الاضافية لعمليات الانشاء وتشغيل وحدات معالجة المخلفات او اتخاذ اجراءات علاجية لا تحقق عائداً على الاستثمارات، علما بانه يمكن تلافي هذه العقبة بتوجيه عناية اكبر للبدائل الوقائية كاستخدام التكنولوجيا الانظف والتي تحقق عائدا ماديا وتقلل من الاعباء المالية لمكافحة التلوث. ويحذر الدكتور حمزة من ان يؤدي استمرار تضارب القوانين في الوطن العربي وعدم وضوحها وعدم واقعية الحدود القصوى لانبعاث الملوثات وعدم الجدية في الالزام، وضعف الاهتمام من قبل المخالفين بتطبيق الحلول العملية لعلاج المشكلة الى استمرار تفاقمها واستمرار التدهور المطرد في الاوضاع البيئية وخصوصا في مواقع تركز الانشطة الانتاجية وللتجمعات السكانية. وفي مجال التشريعات الخاصة لمكافحة التلوث في الصناعات التعدينية في الوطن تكشف دراسة الدكتور حمزة عن ان اعداد المعايير العربية يتم عادة على غرار تلك المعمول بها في البلدان الصناعية المتقدمة الا انها لا تتلاءم مع ظروف البيئة والقدرات الفنية، والاقتصادية في الدول العربية، ويؤدي ذلك الى عدم الالتزام بها اذ انها معايير غير معقولة او متناسقة ويتعذر تطبيقها من الناحية الاقتصادية. ان التشريعات السائدة بالوطن العربي لا تشجع على استخدام الاساليب والتكنولوجيا محدودة الفاقد او عديمة الفاقد بيد انه بالامكان تعزيز هذه النهج عن طريق تنفيذ نظام التراخيص الذي يحدد الشروط الواجب توافرها لمكافحة التلوث ومواجهة الاخطار الناجمة عن عمليات الانتاج والخدمات. لذلك لابد من فرض عقوبات لردع مخالفة شروط الترخيص دون إلحاق الضرر بالنشاط المستهدف علما ان التحدي الذي يواجه الجهاز التشريعي العربي هو المواءمة بين وضع معايير صارمة لفرض قدر من الالتزام مع توفير الوسائل الفعالة لاحتواء اثر هذه المعايير الصارمة على المنشآت المستهدفة. كما ان العقبات الرئيسية لتحقيق الالتزام البيئي في الوطن العربي في القطاعات الصناعية تشمل عدم الاخذ في الاعتبار اختلاف الاوضاع الاقتصادية والبيئية في مناطق تركز الصناعات التعدينية وصعوبة توفير الكوادر البشرية والمختبرات والدعم المالي لاجهزة الرقابة البيئية، حيث ان عدم الاهتمام بنشر الوعي البيئي وتشجيع المشاركة الجماهيرية لا يحفز مسئولي الصناعة على الالتزام الطوعي، علاوة على ان الاستخدام الجائر للمواد الطبيعية في الوطن العربي وعدم ادخال الآليات الاقتصادية لمكافحة التلوث، خصوصا توفير الدعم لاسعار المياه والطاقة وعدم فاعلية الالتزام بالمعايير الخاصة بالتحكم في التلوث وقلة الاستثمار في مشروعات حماية البيئة تعتبر اهم معوقات الحد من التلوث في الصناعات التعدينية عربيا. ان مصادر التلوث في الصناعات التعدينية بالوطن العربي تشمل الصناعات الاستخراجية من النفط، والغاز الطبيعي، وخامات المعادن (الحديد والنحاس والزنك) والخامات غير المعدنية وتضم الفوسفات والبوتاس. علما ان العديد من الدول العربية تعتمد على منتجات النشاط الاستخراجي كمادة اولية للانتاج والتصدير حيث بلغت القيمة المضافة للصناعة الاستخراجية نحو 101 مليار دولار، أي ما يقدر بنسبة 18% من اجمالي الناتج المحلي الاجمالي العربي ومقابل 11% للصناعة التحويلية. وانطلاقاً مما يهدد البيئة بالدول العربية من اخطار وملوثات، فان المطلوب اتخاذ العديد من الاجراءات والخطوات المهمة لحماية البيئة، منها على سبيل المثال عدم تحويل اراضي الغابات لانشطة اخرى وعدم تحويل الاراضي الزراعية الخصبة لاستخدام صناعي وترك حيز كاف في موقع المشروع لتخزين النفايات الصلبة ومعالجة المياه المستعملة معالجة ملائمة واعادة استخدامها وتوفير حزام اخضر حول محيط موقع المشروع فضلا عن ضرورة تعديل المرافق المقترحة لتنسجم مع التكوين الطبيعي للموقع بحيث لا تشوه مظاهر عناصر التكوين المرئي للبيئة بسبب التنمية. كما توجد ضرورة لقيام الدول العربية بترشيد استخدام الموارد الطبيعية لزيادة كفاءة العمليات التعدينية التي تستهلك قدرا كبيرا من الطاقة. وهنا يطالب الدكتور حمزة بالتوسع في اعادة استخدام المياه للحد من الاستهلاك وتوفير مصادر المياه اللازمة للتوسعات الصناعية مستقبلا، والحد من التلوث، والاقلال من تكاليف نقل ومعالجة المخلفات السائلة فضلا عن ضرورة انشاء نظم للادارة البيئية المتكاملة في المناطق الصناعية الرئيسية وتنفيذ خطط عمل لتحديث الصناعات القائمة على اسس تتماشى مع الظروف البيئية والاقتصادية السائدة في هذه المناطق مع توفير التمثيل المناسب للمجتمع المحلي والمؤسسات الصناعية والاجهزة الحكومية من الاطراف المعنية بالبرامج التنفيذية لنظم الادارة البيئية المتكاملة. وكذلك هناك اهمية للتوسع في استخدام التكنولوجيا النظيفة واتخاذ الاجراءات الوقائية للحد من الفاقد في الوطن العربي، وادخال ضوابط جديدة لمكافحة التلوث باجراءات قليلة او عديمة التكلفة داخل المنشآت الصناعية، وتشجيع استخدام الخامات غير المسببة للتلوث اضافة الى ضرورة ادخال تعديلات على المعدات وعلى تصميم المنتج بهدف الحد من انبعاث الملوثات. ولا شك ان هناك خطورة تترافق مع منح موافقات لمشروعات استثمارية ايا كان نوعها بدون تطبيق اشتراكات القوانين البيئية عند اجراء دراسات تقييم الاثر البيئي للصناعات الجديدة والمراجعة البيئية للصناعات القائمة بما يضمن اتخاذ تدابير ملائمة للحد من اثر الملوثات على البيئة اضافة الى اهمية حث وكالات التمويل الدولية لمراعاة المعايير البيئية المناسبة عند تمويل مشروعات تنمية الصناعات التعدينية، وتشجيع ادماج التكنولوجيات الحديثة في المشروعات الصناعية التي تمولها هذه الهيئات. من هنا فانه توجد ضرورة لتشجيع المنشآت التعدينية على الالتزام بحماية البيئة من التلوث عن طريق توفير الحوافز الاقتصادية سواء في صورة رسوم او اعفاءات ضريبية والاعفاء الجمركي لمعدات التحكم في التلوث، وتخفيض الضرائب على المواد والمنتجات صديقة للبيئة علما بان التجربة في العديد من الدول العربية ابرزت ان اتاحة الحوافز المادية والدعم الفني والمساندة الشعبية لا تكفي وحدها لتحقيق الالتزام. كما اننا ننوه الى اهمية قضية حيوية اشارت اليها دراسة الدكتور حمزة وهي ضرورة تشجيع اجهزة حماية البيئة في معظم الدول العربية على بناء قدرات ادارية بيئية داخلية في منشآت الصناعات التعدينية حيث ان احدى لبنات اقامة نظام متكامل لحماية البيئة هي المراجعة البيئية الداخلية. وتتيح المراجعة البيئية تقييم دوري وشامل للنظم الفنية والادارية ، والنشاطات داخل المنشأ التي تؤثر على الامتثال البيئي والتي تؤدي الى تحديد احتياجات التغيير لتحسين اساليب التشغيل والادارة. كما يفترض ان تتم المراجعة البيئية في اطار الخطة المعتمدة من المنشآت لادارة البيئة ذاتيا والتي تشمل عناصرها وضع خطة أو سياسة التزام بيئية رسمية بها اهداف الادارة البيئية وبرامج التوعية والبرامج التدريبية للعاملين وتشغيل وصيانة المعدات المطلوبة لتحقيق الاهداف البيئية وانشاء وحدة متخصصة داخل المنشأة لمكافحة التلوث وتطوير نظم المراقبة الذاتية.