لقد تناولنا في الحلقة السابقة كيف عملت دول النفوذ (الاستعمارية) في تحجيم اقتصاديات الدول الخليجية وهي اقتصاديات ناشئة، وكيف اخترقتها باستخدام سلاح الفقر المعنوي أساساً والذي يستند الى (الاستهلاك والخوف وضرب البنى الثقافية المتصدعة والمحدودة). وفي هذه الحلقة نتناول كيفية تعامل دول النفوذ مع دول المجموعة الأولى، وهي الدول العربية ذات البعد الديموجرافي السكاني، والعمق الثقافي الاستراتيجي ولكنها تعاني من محدودية الامكانيات المادية بسبب الاعباء المادية التي تتحملها الحكومات، ونقص مواردها المالية وتفشي الفساد الاداري والمالي، وغياب السياسات الاقتصادية المرنة والمحفزة للانتاج والمنافسة، وتنضوى تحت اطار هذه المجموعة (مصر، السودان، الجزائر، العراق، اليمن، المغرب، الاردن، فلسطين). لقد تعاملت دول النفوذ مع هذه المجموعة من خلال الخيار المادي أو السلاح المالي حيث عمدت الى إفقار هذه الدول وجعلها دول مدينة باتباعها اسلحة التدمير الذاتي كما حدث في العراق والجزائر وليبيا، واستخدام أسلوب الحسار العسكري والاقتصادي كما حدث في العراق وليبيا والسودان، أو سلاح المساعدات المالية التي تقدمها لهذه الدول مثل مصر واليمن والاردن والمغرب، أو بدفع هذه الدول في خلافات وحروب أهلية أو اقليمية طاحنة كما حدث للسودان والصومال، والجزائر واليمن (حرب أهلية)، أو العراق التي اقحمتها في حروب حزبية داخلية، ثم حرباً اقليمية لسنوات طويلة مع ايران، أو خلق أزمات اقليمية مع الكويت، ثم ضرب العراق من قبل القوات المتحالفة، ثم هناك الحصار الاقتصادي الذي فرضته دول النفوذ باسم الأمم المتحدة على كل من ليبيا والعراق والسودان ويلاحظ ان دول النفوذ قد استخدمت شتى الاسلحة واقساها ضد الدول ذات العمق الاستراتيجي للتنمية كالعراق (حروب داخلية، حروب اقليمية، حصار اقتصادي، حصار عسكري)، ثم السودان (حروب أهلية، اقليمية، حصار اقتصادي)، ثم ليبيا (حصار اقتصادي) فيما استخدمت سلاح المساعدات مع كل من مصر والمغرب والاردن وفلسطين. لقد حاولت الدول القيادية في هذه المجموعة ان تحقق تنميتها وتكسر طوق الحصار المفروض عليها ولكن في غياب التنسيق والتكامل فيما بينها ولاسيما على الصعيد الاقتصادي، وفي ظل غياب الارادة السياسية فانها لم تتمكن من الصمود واستسلمت لواقع السياسات التي تملى عليها من قبل دول النفوذ بطريقة مباشرة باستخدام المساعدات، أو غير مباشرة من حيث الايعاز للمنظمتين الدوليتين (صندوق النقد الدولي، والبنك الدولي للتعمير) حيث عمدتا وخاصة صندوق النقد الى فرض سياسات اقتصادية في ظاهرها اصلاحات اقتصادية وفي حقيقتها تخريب لمشاريع التنمية. وكانت للوصفات العلاجية ولاسيما من الصندوق الدولي للدول العربية هذه قد أدت الى تخريب حقيقي لمشاريع التنمية سواء في اختلالات هياكل التنمية للقطاع الحقيقي، أو لموازين المدفوعات ولاسيما الميزان التجاري، أو للمديونيات الخارجية حيث اصبحت قطاعات حيوية في هذه الدول مرهونة للخارج، أو سياسات سعر الصرف لعملات هذه الدول حيث أصبحت تعاني من تذبذب حقيقي، بل وانخفاض مستمركما يحدث حالياً في السوق المصرية، ثم زيادة الاعباء المالية للحكومات العربية هذه بحكم التضخم وارتفاع المديونيات وعجز الموازنات بسبب تضاءل المساعدات المالية التي كانت تقدمها الدول المانحة وهي دول مجلس التعاون الخليجي بعد تعرض دول التعاون لأزمات متتالية أثرت على حجم مساعداتها للدول العربية المتلقية للمساعدات وخاصة دول المواجهة، وتشهد السوق العربية حالياً بطالة متفاقمة واختلالات هيكلية في القطاعات الاقتصادية. وفي ظل غياب الديمقراطيات في معظم الدول العربية فإنه من الطبيعي ان يتم الاستسلام لمخططات دول النفوذ التي تملى سواء بشكل مباشر من خلال سياسة العصا والجزرة أو سياسة الترهيب والترغيب، أو بشكل غير مباشر من خلال صندوق النقد والبنك الدولي وهاتان المنظمتان تمثلان ذراعا صلبة وقوية تستخدمها دول النفوذ ضد دول العالم الثالث ولاسيما من قبل الولايات المتحدة. وذلك في حال تمرد دول العالم الثالث أو عصيانها ضد السياسات الاستعمارية لدول النفود، وفي ضوء ذلك لابد ان تتعامل الانظمة العربية هذه مع تلك السياسات من منطلق مصالحها، وبالتالي فإن الخاسر الحقيقي هو الشعب العربي الذي أصبح يكابد الفقر وتفاقم البطالة، وانخفاض معدلات النمو وتعطيل مشاريع التنمية، ثم ارتفاع الأسعار وتراجع معدلات الدخل الفردي، وانخفاض الاهتمام بالتنمية البشرية، ونقص الخدمات الصحية الاجتماعية، وتفشي الامراض والعاهات النفسية والاجتماعية والصحية والاخلاقية، وتفشي الفساد الاداري والمالي والاقتصادي. ومن ناحية اخرى فإنه من الطبيعي ان تفرز هذه الحالة شرائح من العرب تعاني من التشرد والتشرذم والتشتت والضياع في مختلف دول العالم، وتعاني هذه الشرائح من البطالة أو القبول بالعيش في ظروف معيشية ونفسية وصحية لايقبلها الانسان العربي، ولعل في الشعب العراقي خير مثال على ذلك حيث يكابد هذا الشعب مرارة التشرد والفقر وهو الشعب المنتمي الى حضارات بابل وآشور، وينتمي الى اغنى البلدان العربية قاطبة سواء من الناحية التاريخية الحضارية والثقافية أو الناحية المادية والثروات الطبيعية الضخمة ومنها النفط والعمق السكاني الديموجرافي.. وأصبح رغم كل ذلك يكابد الحرمان من لقمة العيش الكريمة ويفتقر الى الأمان والسلام للعيش في وطنه. كذلك وللأسباب تلك فإن المال العربي أصبح يتدفق من مختلف الدول العربية حيث يهاجر ليستقر في مصارف وشركات وأسواق الغرب والشرق فيما التسابق محموم بين الدول العربية لجذب رؤوس الأموال والاستثمارات الاجنبية التي بدورها سوف تعمد الى استغلال حالة الانعدام التي يعيشها الاقتصاد العربي وسوف لن يعنيها تاريخ المنطقة العربية أو الانسان العربي أو التنمية بقدر ما تعمل على تحقيق أهدافها في تحقيق اقصى ربحية وربما السيطرة والهيمنة على مختلف القطاعات الاقتصادية، وبعد ذلك السيطرة على سلطة القرار السياسي في منطقتنا العربية، خاصة بعد انعدام أو تخلف الوعي العربي اثر هجرة العقول العربية هي الاخرى بحثا عن مناخ صحي تنمو فيه وتمارس دورها الطبيعي بعيداً عن الاضطهاد النفسي والقهر الاجتماعي والتحكم الفكري ومصادرة الحريات الشخصية والفكرية وغياب الحوار الحر والديمقراطية الحقيقية في وطن ينشد ابناؤه التقدم والتنمية ومواكبة ركب الأمم والشعوب الاخرى التي حققت تقدمها وتنميتها، فيما تسعى دول اخرى نحو كسر طوق الحصار والهيمنة الأجنبية من خلال مشاريع التنمية وارساء اركان الديمقراطية.