كانت الهجمات على مبنى التجارة الدولية في نيويورك ومبنى البنتاجون في العاصمة الأمريكية واشنطن غير مسبوقة سواء في مضامينها او آثارها. ويلقي هذا التحليل الأولي ، الضوء على الآثار المترتبة على تلك الهجمات على قطاع السياحة. وبرغم جسامة الاضرار النفسية الناجمة عن تلك الهجمات، إلا ان اداء السياحة الدولية بدأ يكشف عن نتائج ايجابية ويعود تدريجيا الى حالته الطبيعية. ونتيجة لذلك، وكما حدث في مرات عديدة في اوقات سابقة، بدأت صناعة السياحة تتعافى وظهرت مجموعة من المؤشرات التي تؤكد على ذلك. وتشير احصاءات العام الماضي إلى ارتفاع عدد المسافرين الى 690 مليونا، اي بزيادة قدرها 50 مليونا عن العام الاسبق. وتشكل تلك الزيادة ارتفاعا في معدلات نمو السياحة الدولية مقداره 7.4%، وهي زيادة قريبة من تلك التي شهدتها فترة التسعينيات باكملها، وضعف معدلات النمو التي تحققت العام 1999. وتجاوزت معدلات النمو في منطقة شرقي آسيا متوسط النمو السنوي حيث قفزت الى 14.7%، بينما شهدت منطقة الشرق الاوسط زيادة مقدارها 12.9% وحققت منطقة جنوب آسيا معدلات نمو بلغت 11%، بينما منطقة الكاريبي وماجاورها زيادة مقدارها 7.5% وجنوبي اوروبا 8.4% ومنطقة البحر الابيض المتوسط وشرقي اوروبا 26.1%، وامريكا الشمالية 5.7 قياسا بالعام 1999. وحققت تلك التدفقات السياحية عوائد مالية قاربت 476 مليار دولار امريكي، بزيادة مقدارها 4.5% مقارنة بالعام السابق. وعندما نتمعن في هذا الرقم، يتعين علينا ان نضع في الاعتبار سعر الصرف الحالي للدولار الأمريكي والذي سجل ارتفاعا ملحوظا مقابل العملات الاخرى في تلك الفترة. وتشير احصاءات المنظمة الدولية للطيران المدني الى ارتفاع حركة الطيران العادية بنسبة 8%، وارتفاع حركة الطيران الدولي الى 10% خلال العام 1999. كماتشير بيانات شركات الطيران الامريكية الاعضاء في اتحاد النقل الجوي الامريكي الى زيادة في حركة الطيران الدولي مقدارها 8% وزيادة في حركة السفر الجوي الداخلي مقدارها 5.9%. وشهد مجمل العام 2000 نموا متواصلا بفضل متانة الاوضاع الاقتصادية في عدد من الدول واستقرار الاوضاع السياسية، فيما عدا النزاع الاسرائيلي الفلسطيني وعودة الانتعاش للاقتصادات الآسيوية والاحتفالات التي صاحبت الالفية الثالثة وبعض النشاطات الاخرى مثل معرض هانوفر والدورة الاوليمبية في استراليا. واتسم اداء الاقتصاد الدولي في الفترة التي سبقت شهر سبتمبر 2001 بمجموعة من الاعراض، منها تباطؤ الاداء الاقتصادي الذي حد من معدلات النمو في اجمالي الناتج المحلي العالمي وقلصه من 3.2% كما كان متوقعا الى 2.7%، هبوط اسعار الاسهم في اسواق المال العالمية، وخفض اسعار الفائدة في الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي في محاولة لتنشيط الاقتصاديات. وبصرف النظر عن التوقعات المتفائلة لآداء الاقتصاد الدولي خلال العام 2002، إلا ان ثقة المستهلكين بدأت تهتز، مما ساهم في احداث التباطؤ الذي يشهده الاقتصاد الدولي. وبالرغم من كل الاحتمالات، إلا ان صندوق النقد الدولي يبدو واثقا من انتعاش الاقتصاد الدولي نتيجة لتراجع اسعار النفط، وسياسات المصارف المركزية، خاصة في الولايات المتحدة وأوروبا، واحتمالات النمو، خاصة صناعة التكنولوجيا المتطورة، وباختصار يبدو ان حالة الاقتصاد الدولي كانت وستكون افضل مما هي عليه. وتكشف هذه الاوضاع، بشكل جزئي اسباب انخفاض معدلات النمو في قطاع السياحة قياسا بالعام 2000. وتتجه ارقام حركة السياحة القادمة في العديد من الدول والبيانات الخاصة بحركة الطيران في الاتجاه نفسه. ويبدو انه من السابق لأوانه اجراء تقويم دقيق يمكن ان يقود الى مستخلصات يعتد بها عن الاوضاع في اعقاب الهجمات مباشرة. وينبغي تحليل الموقف في ضوء التطورات والمستجدات على المدى القريب. وستؤثر تلك الاحداث ولاشك على اداء قطاع السياحة الدولية خلال العام 2001. ومع ذلك تبقى الاشارة الى ان موسم السياحة في النصف الشمالي من الكرة الارضية قد انقضى سلفا، محققا نتائج ايجابية بالرغم من انها تقل كثيرا عما تحقق خلال العام 2000. وفيما يتصل بالاثار المباشرة لتلك الهجمات نجد ان تداعيات الهجمات على الولايات المتحدة الامريكية تجاوزت في آثارها اي ازمة حدثت من قبل. اننا امام اوضاع غير عادية ولا تكفي الخبرات المتراكمة إلا للمساعدة في اجراء تحليل للاثار المترتبة على مثل تلك الاحداث. وبالتوازي مع اوضاع اقتصادية غير مثالية، كانت هناك ازمة عدم التأكد من التداعيات التي تؤثر تأثيرا مباشرا على الولايات المتحدة اكبر مصدر للسياح في العالم واكبر قوة اقتصادية فيه من جهة، والاجراءات الفورية التي ان حدثت سيكون من الصعب تفسيرها، من جهة اخرى. استقبلت الولايات المتحدة 50.9 مليون سائح شكلوا 7.3% من اجمالي التدفقات العالمية، حققت هذه النسبة عوائد مالية بلغت 85 مليار دولار امريكي. وكمصدر للسياح سجلت الولايات المتحدة نحو 35.4 مليون رحلة جوية خارجية (5% من الاجمالي العالمي)، منها 4.9 ملايين رحلة الى المكسيك 3.8 ملايين الى كندا، 4.7 ملايين الى منطقة الكاريبي 12.9 مليوناً الى اوروبا و3.9 ملايين الى آسيا العام 2000. وانفق السياح الامريكيون 65 مليار دولار (13.7% من الاجمالي العالمي) هذا عدا الرحلات الداخلية التي تجاوزت مليار رحلة خلال العام نفسه. ما بعد التفجيرات تعرضت شركات الطيران بشكل عام، والامريكية على نحو خاص لهزات كبيرة، ما حدا بها الغاء السفريات الداخلية والدولية لعدة ايام. وتوقفت حركة السفر الجوي في امريكا الشمالية حتى 13 سبتمبر، ثم عاودت رحلاتها تدريجيا من والى الولايات المتحدة. وتقدر المنظمة الدولية للطيران الخسائر التي لحقت بشركات الطيران الأمريكية خلال ذلك الاسبوع بنحو 10 مليارات دولار. ومن النتائج التي يحتمل ان تتمخض عنها الاوضاع الاحجام عن السفر الجوي. ومن الصعب قياس هذا الاحجام او توقع مداه الزمني. كما لا يمكن قياس تراجع الاقبال على السفر الجوي، او التكاليف الاضافية الناتجة عن اجراءات تشغيل ورقابة اكثر صرامة والزيادات في المجالات الاخرى مثل التأمين. إلا إنه من الجلي ان كل ذلك سيكون له اثر كبير على استراتيجيات شركات الطيران التي ينبغي تصميمها بطريقة تمكنها من تحقيق نتائج ايجابية. أما فيما يتعلق بالاقتصاد الدولي فقد اعلن هورست كوهلر ـ المدير التنفيذي لصندوق النقد الدولي في الثاني عشر من شهر سبتمبر، اي بعد يوم واحد من التفجيرات قائلا «ان ما نود ان نؤكد عليه الآن، انه وبصرف النظر عن جسامة هذه المأساة الانسانية إلا ان تلك الاحداث لن يكون لها إلا اثر محدود على الاقتصاد الدولي والنظام المالي العالمي. وسارعت المصارف المركزية الى توفير التدفقات المالية للحفاظ على السيولة النقدية للنظام المالي. وسارع مجلس الاحتياط الفيدرالي والمصرف المركزي الأوروبي لخفض اسعار الفائدة بمقدار نصف نقطة. وبقيت اسعار صرف العملات الاجنبية على حالها. وشهدت اسواق المال الرئيسية في اوروبا واسيا هبوطا في اسعار الاسهم خلال الأيام التي تلت التفجيرات مباشرة، إلا ان الاسعار عاودت الارتفاع. ومن الاسهم التي شهدت هبوطا حادا في الاسعار اسهم شركات التأمين والطيران والشركات العاملة في قطاع السياحة. كما سجلت اسعار اسهم شركات الطيران الامريكية هبوطا بلغ 52%، ورصيفاتها الأوروبيات 40%. وفي الوقت الذي تمر فيه صناعة السياحة بظروف بالغة الصعوبة، إلا انه يبدو ان اسواق المال قد افرطت في تشاؤمها. وتمتلك الغالبية العظمى في الشركات العاملة في صناعة السياحة (الفنادق، شركات التوزيع، شركات الاغذية وشركات الترفيه وغيرها) قواعد اقتصادية صلبة وتنتشر عملياتها في جميع انحاء العالم. ومع ذلك يصعب التكهن بما سيحدث على المدى القريب. ولاتزال اسواق المال تمر بمرحلة حرجة حتى اليوم. ومن جهتها ارتفعت اسعار النفط في بداية الامر، إلا ان هذا الاتجاه التصاعدي في الاسعار يمكن ان يتغير عندما تعلن الدول المنتجة إن كانت ستحافظ على مستويات الانتاج أو ستضخ المزيد من النفط. السيناريوهات المحتملة وبالرغم من تعدد السيناريوهات المحتملة إلا انه ما احد يستطيع تحديد تأثيرات هذه الاوضاع على السياحة الدولية. إن تداعيات أي ازمة ترتبط بالتطورات السلبية التي تصاحبها. وعلى اي حال فان الخبرة تؤكد لنا عدم مرونة الاقبال على السياحة، وتفاعلها مع الازمات وقدرتها على تجاوز العقبات والمواقف غير المواتية الناجمة عن عدم الاستقرار السياسي والمالي او عن الكوارث الطبيعية. ولا يتوقع للطلب على حركة السفر الدولي ان يشهد تراجعا حادا.. ومن وجهة النظر السياحية، يمكن ان يتمثل احد السيناريوهات في اعادة توزيع اجمالي الطلب بالتركيز على السياحة الاقليمية او المحلية، بدون احداث اي تغييرات على حوافز الرحلات، اضافة الى تغييرات محتملة في اجمالي الانفاق السياحي ومتوسط طول فترة الاقامة. وقد تكون صناعة الطيران اكبر المتضررين. وسيكون الاثر على الرحلات الطويلة اكبر من ذلك الذي يقع على الرحلات الداخلية او القصيرة بكثير. واذا تمعنا في الماضي القريب، الفترة 1950 ـ2000 نجد ان معدلات نمو السياحة الدولية تعرضت للانخفاض مرة واحدة فقط وبمقدار 0.4% حدث ذلك العام 1982 الذي شهد مناخا اقتصاديا غير موات وقيود على السفر في منطقة وسط وشرق اوروبا بسبب الاوضاع السياسية داخل بولندا. كما تسببت احداث اخرى مثل حرب الخليج 1991 والنزاع في كوسوفو 1999 في تراجع معدلات النمو وليس في عدد المسافرين، بالرغم من انه لا يمكن مقارنتهما بالاوضاع الراهنة. ومن الملاحظ ان معدلات النمو حققت ارتفاعا واضحا في اعقاب هدوء الاوضاع، فقد حققت زيادة مقدارها 8.3% في اعقاب حرب الخليج، و7.4% في اعقاب انهاء الصراع في كوسوفو. وتكشف هذه الارقام عن الحقائق التالية. ـ تحاشي المسافرين التوجه الى مناطق تشهد نزاعات او تلك المتاخمة لها. ـ انخفضت حركة السفر الجوي. ـ بدأ المسافرون البحث عن مناطق بديلة، خاصة تلك التي داخل الاقليم نفسه او قريبة جغرافيا في وطن السائح. وقد كان عدم الاستقرار الاقتصادي والمالي الذي عصف بغالبية الدول الآسيوية خلال العامين 1997 ـ 1998 وما رافقه من اضطرابات اجتماعية، عنصراً اساسيا في تراجع اداء قطاع السياحة الآسيوي حيث هبط عدد المسافرين الى 88 مليونا العام 1998 بعد ان سجل 89.1 العام 1997 و90.3 مليونا العام 1996. وبعد عام واحد فقط ارتفع عدد السياح الى 97.6 مليون سائح، اي بزيادة قدرها 10.8% عن العام السابق. كما ارتفع حجم التدفقات السياحية الى 111.9 مليون مسافر العام 2000، بزيادة قدرها 14.7%. وسوف تؤدي التفجيرات الى اتخاذ اجراءات سياسية وعسكرية واقتصادية من قبل الولايات المتحدة وحلفائها. وسيعتمد اثر تلك الاجراءات على السياحة على طبيعة ما سوف يتخذ من اجراءات، والتوقيت والمنطقة الجغرافية. وإن لم تحد تلك التدابير من اتساع حركة السفر، فان ما حدث خلال حرب كوسوفو سوف يتكرر. وعليه فقد تشهد صناعة السياحة تباطؤاً في النمو خلال الاشهر المقبلة، وسوف يتوجه السياح والمسافرون الى مقاصد اخرى مشابهة. وفي ضوء ما ورد يمكن القول انه وفي الوقت الراهن وبما يتوفر من معلومات، فانه من غير المتوقع ان يحدث انخفاض حاد في معدلات نمو السياحة الدولية خلال العام 2001. وإن تجاوزنا اي تطورات غير عادية جديدة، فانه يتوقع لهذا النمو ان ينمو نقطة ونصف النقطة قياسا بالتوقعات الأولية التي تم خفضها سلفا حتى تأخذ في الحسبان المستجدات التي ستحدث في الاقتصاد الدولي. وإن لم تكن للتدابير السياسية والعسكرية والاقتصادية المتوقعة أية نتائج اجتماعية خطيرة أو تأثيرات نفسية، فان نتائج عدم الاستقرار الجغرافي المؤقت ستكون كما كانت ابان حرب كوسوفو. وعليه فانه من المتوقع على المديين القريب والبعيد ان تحافظ السياحة الدولية على معدلات النمو السنوية والتي يتوقع لها ان تكون نحو 4.1% حتى العام 2020.