تعتبر كمية السلع والخدمات التي تم بيعها أو التي يجري التفاوض على بيعها عبر وسائل الكترونية مذهلة على الصعيد العالمي. وتعمل فرق الاستشارات العملية على مدار 24 ساعة في العديد من الشركات بحيث تنقل العمل على المشروعات الى الفريق الموجود في المنطقة الزمنية الملائمة التالية مع انتهاء يوم العمل. وفي الوقت المناسب، تقوم الانظمة الخاصة بطلبات الشراء القائم على الانترنت بتنبيه مزودي المنسوجات في المحيط الهندي بالموعد المطلوب لوصول شحناتهم الى موانيء شمال أوروبا. وهناك أعداد متزايدة من المناقصات الحكومية تهاجر الى منصات على الشبكة في جميع انحاء العالم. وتفيد التقديرات أنه بحلول عام 2005، فان اكثر من 15% من النشاط الاقتصادي العالمي سيتم على شبكة الانترنت، وهو رقم قد يصل الى 3 تريليونات دولار كل عام. وقد يسخر القراء من هذا الكلام خاصة مع انخفاض قيم سوق الانترنت. ولكن هناك فرق كبير بين الايمان بالاقتصاد الجديد والايمان بأسعار الاسهم غير الواقعية المرتبطة بالشركات في الاقتصاد الجديد. إن العديد من المكاسب الاساسية في الانتاجية الناجمة عن تقنية المعلومات سيفوز بها المستهلكون او المرضى في المستشفيات او الطلاب وليس مزودي خدمات تقنية المعلومات. وبالتالي، فان سعر السهم ينخفض، وحتى التباطؤ في مبيعات تقنية المعلومات في الولايات المتحدة لا يعد سبباً للتشكيك في قدرة تقنيات المعلومات والاتصالات على اعادة تشكيل الاقتصادات وافادة اولئك الذين هم بأمس الحاجة للنمو الاقتصادي واقصد بذلك الدول الفقيرة في العالم. لقد اثبتت الانترنت بأنها اداة قوية للتعامل مع قضايا اجتماعية مهمة كذلك. فقد لعب البريد الالكتروني دورا اساسيا في حشد التدخلات الصحية ردا على انتشار مرض« ايبولا» في اوغندا وفي تنظيم استجابات انسانية لازمات اللاجئين في البلقان وافريقيا. ولديها حتى دور اكبر تلعبه في المستقبل، من خلال المساعدة في ادراج مراكز الصحة الاساسية ومستشفيات المناطق في الدول الفقيرة على الشبكة لكي تتمكن من المشاركة بشكل افضل في الازدهار اللافت في المعرفة العالمية حول علاج الامراض والسيطرة على الأوبئة وفي حشد التقنيات الجديدة من اجل حل مشكلات صحية ملحة. إلا انه وعلى الرغم من الثورة التي اشعلتها التقنيات الجديدة، فانه لايزال هناك معوقات هائلة امام نجاح هذه التغيرات الكاسحة في العالم النامي. وبدون وجود استراتيجية وطنية تسخر للارادة السياسية ولقيادة قطاع الأعمال، فان المعوقات التنظيمية ستبقى في مكانها والانظمة التعليمية ستواصل تخريج عمال غير مهرة على نحو بائس، كما ان الوصول الى تقنية المعلومات واستخدامها سيبقى فقط في ايدي العالم المتطور وبعض جيوب النجاح في الدول النامية. اذا كان هناك عنصر يمكننا ان نشير اليه بثقة كأولوية استراتيجية اساسية للدول النامية، فان ذلك العنصر هو تحرير الاتصالات. وحيثما تبقى انظمة الاتصالات خاضعة للاحتكارات سواء الحكومية منها او الخاصة، فان النتيجة تكون في كل مكان قطاعا لتقنية المعلومات سييء الاداء على نحو مخيب للآمال، قطاعا بمشاركين قلة واسعار مرتفعة وجودة متدنية في الخدمات وتقنية متخلفة. والحل الاساسي هو فتح باب المنافسة والدخول السهل لمشاركين جدد في قطاع تقنية المعلومات وبالتالي افساح مجال واسع امام المبتدئين والشركات الأجنبية وشركات محلية من خارج قطاع تقنية المعلومات التقليدي. ان تحرير الاتصالات لا ينبغي ان يشمل الاتصالات الهاتفية المحلية وطويلة المسافة فقط، وانما ايضا توفير خدمة الانترنت وخدمة الهواتف الخليوية وفتح الدارة الكهربائية المحلية. وهذه الخطوات كان لها على الدوام تأثيرات قوية على نحو لا يصدق على الاقتصاد. وعندما تدخل المنافسة، فان اسعار تقنية المعلومات تنخفض بشكل حاد وترتفع جودة البنية التحتية وتصبح خدمة العميل اولوية لدى مزودي تقنية المعلومات. وفجأة تصبح الاتصالات اكثر توفراً لنطاق واسع من الافراد والشركات والمؤسسات التي كانت في السابق ممنوعة من الوصول اليها. وهذا الوصول الى المعلومات والاتصالات يقود الى مساعدة مجتمع الأعمال والشبكات الاجتماعية التي تعزز التنافسية الاقتصادية. وفي العديد من الأماكن، تصل مسألة التحرير الى قضية الارادة السياسية الاساسية. ويتعين على القادة السياسيين ان ينظروا الى احتكارات الاتصالات باعتبارها شيئا يفوق مجرد كونها مصدرا رئيسيا للربح، ربما للحزب الحاكم، مشتقا من سوق محدودة. وبمقدور انظمة الاتصالات المتحررة ـ وينبغي ـ ان تصبح المحرك الرئيسي للنمو بالنسبة للاقتصادات الوطنية مغذية الابتكار ونشاط الاعمال في جميع مجالات الاقتصاد. الا ان قصر النظر والخوف من التخلي عن «البقرة التي تدر نقداً» لايزالان يقفان في طريق الاصلاح الاقتصادي الحيوي. هناك اولويات أخرى واضحة غير تحرير الاتصالات ينبغي التعامل معها لتشجيع الاستثمار في مشاريع مرتبطة بالتقنية. وتعتبر الحواجز الجمركية المنخفضة لمنتجات وخدمات تقنية المعلومات والتفكير الجدي بالخصوصية والأمن على الشبكة والثقة القانونية بالتعاملات الرقمية والمزيد من القضايا الجوهرية.. مثل الحصول على القروض، وقابلية النظام القانوني للتنبؤ به والانفتاح للاستثمار الاجنبي المباشر.. تعتبر من بين القضايا السياسية الاساسية التي ينبغي التفكير بها لدى تهيئة بيئة يمكن لتقنية المعلومات ان تزدهر فيها. وفي القطاع الخاص، ينبغي على قادة نشاط الاعمال ايضا ان يعيدوا دراسة اولوياتهم. واحدى الخطوات المهمة التي ستؤدي ليس فقط الى فتح الامكانيات امام تقنية المعلومات لكي تحفز النمو الاقتصادي في العالم النامي، وانما ستقود بالتأكيد ايضا الى عدد لا حصر له من فرص جني الارباح تتمثل في قيام رؤساء الشركات في الدول المتطورة بوقف اهمال امكانيات السوق طويلة الأجل لخمسة مليارات شخص يعيشون في الدول النامية، التي يبلغ الدخل السنوي المشترك لاقتصادات اكثر من ستة تريليونات دولار. فهناك تعطش عميق في الاقتصادات النامية للمعلومات.. المعلومات للأعمال والتجارة والصحة والتعليم والترفيه ومن المبتذل القول ان المعلومات تعتبر عنصرا اساسياً في جعل الاسواق تعمل، ولكن الصحيح ايضا هو ان المعلومات غير متوفرة بالقدر الكافي ومتوفرة فقط بأسعار باهظة في معظم الدول النامية. والامر لا يتطلب قدرا كبيرا من الخيال للربط بين هذه الندرة في المعلومات وامكانيات السوق غير المستغلة. لكن الابداع سيكون مطلوبا لتعزيز نماذج اقتصادية قابلة للتحقيق. وفي الدول الفقيرة، تحتاج تسهيلات تقنية المعلومات لأن تكون متعددة الوظائف لكي يتم استغلال وصول المجتمع الى منافذ الانترنت الى اقصى فائدة من اجل مساعدة نشاطات الاعمال المحلية والمدارس المحلية والعيادات الصحية المحلية وما شابه ذلك. ويتعين ملاءمة البرامج والأجهزة مع الظروف المحلية من حيث اللغة والتلاؤم والقدرة على العمل في الظروف الصعبة والصيانة السهلة. والامر المؤكد هو انه حالما تنجح شركات تقنية المعلومات الأولى في استغلال اسواق فقراء العالم، فان باقي الشركات المنافسة ستترك تحاول اللحاق بتلك الشركات وتسأل نفسها: «لماذا لم نفعل نحن ذلك؟». وبدون وجود كادر من العاملين الذين يملكون المهارات الضرورية في تقنية المعلومات، فان من المستحيل بناء صناعة مزدهرة حول التقنيات الجديدة. كما ان من المستحيل جذب الاستثمار وايجاد فرص العمل التي يمكنها ان تنساب من قطاعات المعلومات العالمية وتقنية الاتصالات. ففي الجانب الأكبر من العالم النامي، يتخرج كل سنة عدد قليل من العاملين ممن يملكون المهارات ذات الصلة والمطلوبة لخوض المنافسة في الاقتصاد الجديد. وليس سرا ان الاجهزة التعليمية في معظم الدول النامية تعاني بشكل يائس من عجز في التمويل ولا تحتل في اغلب الاحيان الأولوية في التخطيط الوطني. اما المناهج الدراسية فهي قديمة عفى عليها الزمن وغير متناغمة مع ثورة تقنية المعلومات. لكن هذا الوضع لا ينبغي ان يستمر بحيث يصبح هو القاعدة. وكما اتضح من خلال نماذج التميز التعليمي مثل معاهد التقنية الهندية ومعاهد تيك دي مونتريه المكسيكية، فان رؤية مخلصة واستثمار استراتيجي طويل الأجل يمكنهما ان يبنيا معاهد على المستوى العالمي تقدم مستوى تعليميا راقيا يفرز بعضا من ابرع مستخدمي تقنية المعلومات في العالم. ويتعين على الجامعات الوطنية ان تقيم شراكة مع الجامعات في العالم المتطور من اجل تعزيز نقل التكنولوجيا والتحسينات في المناهج وخبرة المدرسين. وتتيح علاقات العمل الوثيقة مع مجتمع الاعمال المحلي والشركات متعددة الجنسيات للمهارات الموجودة في معاهد التعليم العالمي بأن تصبح اكثر ارتباطا بالسوق. وكانت الشراكة بين القطاعين العام والخاص ساحة ناجحة للمشروعات في العالم النامي خارج الجامعة وعلى مستوى المدارس الاعدادية والثانوية، وهناك امثلة ساطعة مثل برنامج «وورلد لينكس فور ديفلوبمنت». ويعمل هذا البرنامج الذي يرعاه البنك الدولي بدعم من شركات من القطاع الخاص وهيئات اخرى على ربط المدارس الثانوية بالانترنت، ويدرب المدرسين على ادخال اجهزة الكمبيوتر في مناهجهم الدراسية اليومية وتطوير برامج تعليمية لطلابهم لكي يتعاونوا عبر الانترنت مع طلاب في دول اخرى، وحتى الان، قام برنامج «وورلد لينكس فور ديفلوبمنت» بتدريب اكثر من 5000 مدرس في 20 دولة نامية ونجح من خلال استخدام تقنية المعلومات، في ايجاد جيوب من التميز في التعليم الثانوي في جميع انحاء العالم النامي. ويتعين كذلك على قادة الدول النامية التفكير في امكانيات نشر المهارات الخاصة بتقنية المعلومات على مواطنيها خارج النظام التعليمي الرسمي، وتضم اكاديميات سيسكو نتويركنج، التي تعمل حاليا مع قرابة 6000 اكاديمي من 96 دولة، واكثر من 154 الف طالب منخرطين في مساقات تدريب على ادارة الشبكة في جميع انحاء العالم، وقد تلقت شبكة نوادي الكمبيوتر، التي بدأت نشاطها في بوسطن بولاية ماساشوستس تلقت مؤخرا منحة من شركة «انتيل» لانشاء شبكة عالمية مؤلفة من 100 مركز تعليمي لما بعد المدرسة يتوقع ان يستقطب اكثر من 50 الف شاب إلى برامج قائمة على التكنولوجيا، وتظهر هذه الامثلة من الشركات الخاصة المشاركة في عملية التعليم امكانيات تخطي الصعاب المتعلقة بالنظام التعليمي الرسمي، كما انها تظهر اهمية القيادة في مجتمع الاعمال في تشجيع المهارات والمعرفة الضرورية جدا. واذا كنا نعيش حقا في خضم ثورة لتقنية المعلومات، فاننا نحتاج لثورة ولا اقل من ذلك في انظمة التعليم العالمية، وعندها فقط ستكون كل دولة قادرة على المشاركة بشكل كامل في الاقتصاد العالمي الجديد. ويتعين على قادة الدول النامية ان ينظروا إلى هذه الفترة باعتبارها تحمل فرصة عظيمة، فالادوات القوية بشكل تقنيات المعلومات والاتصال متوفرة لتعزيز التطور الاقتصادي ولتخفيف الانقسامات الاقتصادية الاجتماعية والجغرافية التي ميزت العلاقات الدولية طوال عقود. ولكن من اجل الاستفادة من هذه الفرصة الهائلة، يتعين على القادة ان يظهروا تحليهم بالمزايا القيادية، وهناك حاجة لاتخاذ قرارات صعبة من قبل القطاعين العام والخاص من اجل استغلال التقنيات الجديدة، ان المكافآت على اتخاذ تلك القرارات تعتبر واضحة ومهمة، ومن المؤكد ان اوائل المتحركين هم الذين سيجنون اعظم الفوائد.