تقوم التجارة الدولية (الخارجية) بدور كبير في عملية التنمية الاقتصادية، فعن طريق هذه التجارة يتم تصدير الفائض من السلع والخدمات المصنعة خصيصا للتصدير الخارجي والحصول على النقد الاجنبي (العملات الصعبة)، اللازم لتمويل الواردات التي تحتاجها الدولة من مختلف انواع السلع الاستهلاكية والرأسمالية ـ من غذاء وآلات ومعدات نقل وأدوية ـ وذلك لدعم عملية التصنيع واشباع الحاجات الاستهلاكية المتزايدة، كما ان التجارة مهمة لتطور وتقدم أي دولة نامية كانت أم متقدمة فهي بشقيها الواردة والصادرة مهمة لجميع دول العالم بدون استثناء. ودول مجلس التعاون تتسم بعدد من السمات الاقتصادية المشتركة وخصوصيات متنوعة منها اعتمادها على التجارة الخارجية تصديرا واستيراداً، كتصدير النفط ومشتقاته وهي السلعة الاولى والاستراتيجية التي توفر النصيب الاكبر من الدخل القومي. ومن العوامل التي تصاحب وتحقق التكامل الاقتصادي الاكبر هو التبادل التجاري. فزيادة نسبة الواردات والصادرات البينية بين اقطار مجلس التعاون يعني ذلك ان هناك تنسيقا وبرنامج عمل يحقق التقارب والتعاون الاقتصادي بينهم. واجتمعت في البحرين الاسبوع الماضي لجنة التعاون التجاري الخليجي حيث بحثت من ضمن جدول اعمالها معوقات التبادل التجاري الخليجي البيني استنادا الى الدراسات العديدة التي اعدتها الامانة العامة حول هذا الموضوع. ونصت مجموعة من المواد في الاتفاقية الاقتصادية الموحدة لدول مجلس التعاون على تحرير حركة الموارد الاقتصادية بين اعضاء مجلس التعاون بإزالة كافة القيود على حركة الاشخاص والسلع ورؤوس الاموال وتوحيد التعرفة الجمركية تجاه العالم الخارجي مع تنسيق سياستها وعلاقاتها التجارية تجاه الدول الاخرى والتكتلات والتجمعات الاقتصادية. ونظرا لتشابه هياكل دول مجلس التعاون الاقتصادية في الانتاج والاستهلاك وضعف قاعدتها الانتاجية واعتمادها على مصدر قطاعي واحد للدخل القومي الا وهو (النفط) فان التبادل التجاري البيني يكون محدودا مقارنة بالتبادل التجاري مع دول العالم وخاصة الاجنبية منها، اضافة الى وجود تعرفة جمركية كحاجز لا يزال يقلص حركة السلع بين هذه الاقطار. ان تطبيق نصوص مواد الاتفاقية الاقتصادية سوف يؤدي تدريجيا إلى اتساع تدريجيا التبادل التجاري البينى لأقطار مجلس التعاون وذلك عبر اعفاء مجموعة من المنتجات الصناعية والزراعية والحيوانية من الرسوم الجمركية واشتراك دول مجلس التعاون مشتركة ومتحدة في المعارض التجارية والاقليمية والدولية. كذلك تشكيل لجان رسمية متخصصة مشتركة مع القطاع الخاص لتقوم بالتفاوض مع مصدري السلع الرئيسية مما يحقق لها وفرة نقدية مع التركيز على النوعية والجودة من السلع المشتراة. كما تنص الاتفاقات الخليجية ايضا على وضع مجموعة من الأنظمة الاسترشادية والتي تصبح مستقبلا أنظمة وقوانين إلزامية على جميع دول مجلس التعاون، كنظام الوكالات ومراجعات الحسابات والقانون التجاري والجمركي الموحد ومنح التسهيلات اللازمة للبواخر والسفن المملوكة لأي دولة من دول مجلس التعاون أو مواطنيها ومعاملتها كمثيلاتها الوطنية. علاوة ايضا على اعطاء الأولية في المشتريات الحكومية للمنتجات الوطنية ذات المنشأ الوطني. وتتمثل التجارة البينية بين دول مجلس التعاون على السلع ذات المنشأ الوطني والسلع المعاد تصديرها، ويتميز التبادل التجاري البيني بضآلة حجمه مقارنة باجمالي التبادل التجاري. الا ان ذلك الحجم بدأ في الازدياد وبخطوات متأنية لتحقيق الوحدة الاقتصادية بفضل ازالة القيود امام حركة التبادل التجاري بينها. هي مؤشرات ايجابية نحو تطبيق الاقتصادية الخليجية.. الا ان التشابه المطلق في القطاعات الاقتصادية وانتاج سلع متشابهة جعل من التجارة البينية محدودة بين دول مجلس التعاون ومتكاملة مع الدول الصناعية. وفي الوقت الراهن تتسم المبادلات التجارية البينية لدول مجلس التعاون الخليجي بالتواضع بالمقارنة مع الحجم الكلي للتجارة الخارجية الخليجية. ففي البحرين تمثل الصادرات (غير النفطية) إلى دول المجلس نسبة 27% من اجمالي الصادرات فيما تمثل الواردات (غير النفطية) من دول المجلس 5ر12% من اجمالي الواردات. وفي الامارات تبلغ هاتان النسبتان 17% و5% على التوالي وفي السعودية تبلغان 5ر7% و3% على التوالي وفي سلطنة عمان تبلغان 47% و29% على التولي وفي قطر تبلغان 8% و13% على التوالي وفي الكويت تبلغان 2% و8% على التوالي. ولقد سبق للامانة العامة لدول المجلس ان اعدت مذكرة حول التبادل التجاري البيني لدول مجلس التعاون الخليجي . وقد تضمنت هذه المذكرة قائمة عريضة من المعوقات الاقتصادية والتجارية والاجرائية التى تحول دون تنمية المبادلات التجارية الخليجية، كما تقترح وسائل العلاج لهذا المعوقات. وتشير مذكرة الامانة العامة لدول المجلس الى ان تأخر دول المجلس بتطبيق تعرفة جمركية موحدة تشكل اهم العقبات او المعوقات لزيادة التبادل التجاري بين دول المجلس وتتوقع ان يؤدي تطبيق التعرفة الموحدة تجاه العالم الخارجي الى تخفيض تكاليف النقل والتخليص وتكاليف الانتاج والتوزيع عموما بحيث ينعكس ذلك ايجابيا ليس فقط على حجم التجارة بين دول المجلس بل ايضا مع الدول والتجمعات الاقليمية والدولية الاخرى. وتقول المذكرة ايضا ان المعوقات المتعلقة بالمنشآت ذات المنشأ الوطني هي الاكثر تعقيدا حيث يتطلب التصدير لدول المجلس مستندات كثيرة ويستغرق وقتا اطول من التصدير للدول الاخرى في حين تفضل بعض المنشآت اخضاع منتجاتها ذات المنشأ الوطني للرسوم الجمركية المقررة عن المرور عبر الاجراءات المطلوبة للحصول على اعفاء منتجاتها من الرسوم الجمركية لدى دخولها اسواق بقية دول المجلس. وتضمنت المذكرة عددا من المعوقات الاخرى التي تعترض التبادل التجاري البيني وهي طول اجراءات فحص وتفتيش الشاحنات على الحدود وتخليص حمولتها وصعوبة الحصول على تأشيرات دخول السائقين الاجانب ووجود منتج مشابه ومنافس لمنتج او منتجات المنشأة وتباعد اسواق الدول الاعضاء وارتفاع تكاليف النقل البحري وتفاوت الحواجز والمزايا والتسهيلات بما فيها رسوم الموانيء بين دول المجلس وتباين انظمة وقوانين التجارة بدول المجلس وعدم التقيد بتطبيق بعض احكام الاتفاقية الاقتصادية الموحدة وصعوبة تحقيق نسبة الاربعين بالمائة كقيمة مضاعفة. وللأسف فان هذه القائمة الطويلة من المعوقات تكشف عن حقيقة مؤلمة توضح تأخر دول المجلس فى تجاوز العديد من بديهيات التعاون فيما بينها. ومع ذلك يمكن القول ان هناك عدة مؤشرات تؤكد على زيادة التجارة البينية بين اقطار مجلس التعاون وهي في ازدياد مستمر. ان قيام منطقة للتجارة الحرة بين دول مجلس التعاون تجعل من السهل انسياب السلع ذات المنشأ الوطني وبحرية تامة، مما يعني اتاحة الفرصة لكثير من الصناعات القائمة ان توسع اسواقها بالتالي الى زيادة التبادل التجاري البيني.. وهذه الزيادة مع التوسع في تطبيق الاتفاقية الاقتصادية الموحدة في تنام ولن تقتصر على زيادة التجارة البينية بل سوف تمتد ايضا الى زيادة التبادل مع الدول الاخرى والتكتلات والتجمعات الاقليمية والدولية، مع تحسين ظروف هذا التبادل من خلال عدد من الاجراءات. واخيرا فان هناك العديد من الوسائل التي يمكن ان تسهم في تنمية التبادل التجاري البيني بين دول مجلس التعاون يجيء في مقدمتها تعظيم الاستفادة من المزايا الايجابية للاتفاقية الاقتصادية الموحدة والتسريع في توحيد التعرفة الجمركية تجاه العالم الخارجي والتنسيق بين اسعار صرف العملات الخليجية. كذلك العمل على توسيع نطاق السوق الخليجي وايجاد منافذ جديدة للتصدير ورعاية وتشجيع القطاع الخاص في اقامة كافة انواع المشاريع الانتاجية علاوة على اقامة المعارض الوطنية والمشتركة الخليجية للتعريف بالصناعات الوطنية بدول المجلس.