ماذا ينتظر العرب من العالم في ظل الألفية الثالثة؟! وكيف يكون واقعنا العربي في ظل حركة المتغيرات الاقتصادية الحديثة؟! وكيف يواجه العرب حركة الاستعمار الحديث؟! وكيف يواجه النظام السياسي العربي حركة او حركات التمرد الداخلية في ظل الازمات المستفحلة؟ وهل سوف تشهد الألفية الثالثة حركة تنمية اقتصادية عربية، ام ان معطيات الحاضر تعزز حقيقة التخلف العربي الذي يستشري في جسد الأمة العربية بفعل الفقر بجانبيه المادي والمعنوي والذي اصبح السمة البارزة التي تميز هذه الأمة العربية على الرغم من الخبرات العلمية العديدة. وعلى الرغم من الخيرات المادية الضخمة فيها. إن للفقر مشاكله الوخيمة فيما اذا استشرى في المجتمعات، وشهدت الدول التي عانت من الفقر ويلات من الدمار، وعانت شعوبها من مشاكل خطيرة نفسية واجتماعية واقتصادية وسياسية، وصحية ومعيشية، وكانت لتلك المشاكل الناجمة عن هذا السرطان الرهيب أبعاد آنية ومستقبلية وبسببها عانت تلك الدول من حروب اهلية طاحنة وتخريب لمشاريع التنمية، واستبداد من انظمة الحكم فيها على الرغم من الثروات الطبيعية التي تختزنها اراضيها، وجبالها وسهولها ومياهها!! للفقر بعد ان اولهما مادي ويتمثل في محدودية دخول الغالبية العظمى من افراده وتلك الغالبية تشكل قاعدة المجتمع التي متى ما انهارت او تصدعت فإن المجتمع بأسره ينهار او يتصدع، وثانيهما معنوي ويتمثل في فقر المجتمع من القيم والسلوكيات والثقافة الاصيلة والاخلاقيات ولاسيما تلك المرتبطة بالعمل، وفي الوقت ذاته طغيان الثقافات الوافدة في ظل اضمحلال ثقافة أهل المجتمع!! وفي اطار سعيها المحموم للسيطرة على مختلف مناطق العالم ولاسيما تلك التي تمثل لها عمقا استراتيجيا فإن الدول الصناعية ـ غربية كانت ام شرقية ـ قامت بعمل مسح شامل لتحديد الآليات المناسبة التي تمكنها من اختراق هذه المناطق واحكام السيطرة عليها بعد ان يتم الاتفاق فيما بينها على اقتسام السيطرة واختيار الآليات وتبادل الادوار، ومن هذا السياق اختارت دول النفوذ الآليات المناسبة. والاسلحة والتي تمكنها من الوصول الى اهدافها من خلال اقصر الطرق واسهلها واقلها كلفة!! وحينما مسحت المنطقة العربية فإنها قد جزأتها الى مناطق ذات عمق سكاني وثقافي استراتيجي تعاني من مشاكل مادية بحكم الاعباء المعيشية المتزايدة للسكان مع محدودية الموارد، ومناطق اخرى عربية تعاني من محدودية العمق السكاني مع ضعف الاستراتيجية الثقافية قياسا بالمجموعة الأولى، ولكنها ثرية بأموالها وثرواتها النفطية، مستشرية في نزعتها الاستهلاكية ضعيفة في قدراتها الانتاجية والتصنيعية، تقليدية في انظمتها السياسية، متخلفة في بنائها الاقتصادي، تواقه في تحقيق حضور دولي وسمعة شكلية في هذا العالم، وتشمل هذه المجموعة كافة دول مجلس التعاون، وفي هذا الاطار عمدت دول النفوذ نحو اختراق هذه المناطق من خلال تصدير الارهاب لها وتسخين الاوضاع الداخلية والاقليمية فيها. الدول الصناعية ودول المجموعة الثانية (دول مجلس التعاون) لقد سعت الدول الصناعية الى تحقيق اهدافها الاستراتيجية في دول مجلس التعاون باستخدام وسائل واساليب تجعل هذه المنطقة من المناطق الساخنة في العالم، وحتى لا تسمح لها بتحقيق اي نهضة تنموية باستخدام ثرواتها وعوائدها النفطية الضخمة فجرت حربا طاحنة استمرت سنوات طويلة بين العراق وايران كانت دول مجلس التعاون طرفا مباشرا فيها، ثم مالبثت هذه الحرب ان تلقي بأوزارها وتشهد المنطقة محاولات للنمو حتى تم تفجير الوضع مرة اخرى بغزو القوات العراقية للكويت في اغسطس 1990 وقد كان لهذه الازمة اثار خطيرة على مجمل الاوضاع الاقتصادية والاجتماعية والنفسية لدول وشعوب المنطقة، وهذا ما سعت اليه دول النفوذ وما خططت له وذلك كي تجهض محاولات هذه المنطقة نحو التحرر والتنمية حيث ادخلت تلك الازمات دول المنطقة في عجوزات مالية ضخمة اصبحت تعاني منها ميزانيات حكومات هذه الدول اثر مساهمة دول المنطقة في تكلفة وفاتورة تحرير الكويت من القوات العراقية، وقد ترتبت على الاوضاع غير المستقرة في المنطقة تحقيق اهداف الدول الاستعمارية وذلك: ـ تحجيم او ضرب محاولات التنمية والتحرر الاقتصادي لدول المجلس من خلال استخدام احتياطياتها وثرواتها النفطية وجعلها دولاً مصدرة للنفط الخام وفي هيئة الأولية. ـ عزل دول المجلس ذات العمق المالي والنفطي عن باقي مجموعة الدول العربية (المجموعة الأولى) ولاسيما الدول المتآخمة الحدود مع (اسرائيل) وذلك بجعلها منشغلة بدوامة الاصلاحات الداخلية وعدم تقديم العون والمساعدة للدول العربية الاخرى المواجهة لاسرائيل، وقد نجحت دول النفوذ في تحقيق هدفها هذا عندما استسلمت دول المواجهة وخضوعها للأمر الواقع والدخول في اتفاقيات سلام او استسلام!! ثنائية كانت أم جماعية من خلال مؤتمر السلام في مدريد وهكذا تحجمت قضية فلسطين. ـ العمل على الحيلولة دون طلب دول المجلس سحب ارصدتها واحتياطياتها المالية الضخمة من دول النفوذ والتي تقدر بنحو 1.7 تريليون دولار تؤكد الدلائل على مدى اهميتها في تحريك النشاط الاقتصادي في مصارف واقتصاديات دول النفوذ. ـ ساهمت تلك الازمات وحالات الخوف التي ترتبت عليها في تدفق المزيد من السيولة الى الاسواق الأوروبية والأمريكية خاصة والاستقرار فيها على هيئة ودائع خاصة، أم استثمارات عقارية خاصة من منطلق قناعة اهل الودائع والمستثمرين بأن منطقة مجلس التعاون والخليج لم تعد آمنة وغير مستقرة ورأس المال يحتاج الى الاستقرار والأمان قبل الربحية والعائد!! ـ ساهمت تلك الازمات في تفاقم النزعة الاستهلاكية لدى شعوب المنطقة من خلال استشراء حالة شراء السلع والمنتجات المصنعة او المنتجة في اسواق الانتاج في دول الغرب والشرق وبالتالي وبسبب الظروف النفسية التي خلفتها تلك الازمات تحولت دول المجلس الى سوق استهلاكية وتزداد نزوعا نحو الاستهلاك بدلا ان تصبح اقتصاديات هذه الدول اقتصاديات منتجة!! ـ تزايد الانفاق العسكري لدول المنطقة وبالتالي زاد الطلب على الاسلحة المصنعة في مصانع السلاح في الغرب والشرق وبالتالي تحركت مكائن مصانع الاسلحة في انتاج اسلحة يتم تصديرها لدول المنطقة بعد ان توقفت هذه المصانع بسبب انتهاء الحرب الباردة بين المعسكرين المتحاربين، الامر الذي يعني تدفق المزيد من السيولة الى اسواق دول التصنيع الامر الذي يعني نمو اقتصاديات الدول الصناعية، والمزيد من المديونية، كما يعني ايجاد الاف الفرص للعمل امام العمالة في الدول الصناعية وتفاقم البطالة وتراجع معدلات النمو في دول المجلس وتراجع مشاريع التنمية فيها!! ان الانهيار الكبير الذي حدث في دول جنوب شرق آسيا في مايو عام 1997 حدث بفعل تدخل اطراف خارجية مدعومة من قبل الدول الصناعية وذلك عندما استشعرت هذه الدول بأن الدول الآسيوية (النمور الصفر) تسعى إلى الانعتاق الحقيقي من ربق السيطرة والهيمنة الأجنبية، وانما تحاول كسر الطوق الضيق الذي فرضته عليها الدول الصناعية والتمرد على دول السيطرة العالمية في جعل الدول الاسيوية سوقا مصدرة للموارد الأولية الطبيعية. ولم تكن الدول الاسيوية (النمو الصفر) هي المقصودة من هذا الانهيار وانما الاقتصادات الناشئة التي تعمل على التحرر من الهيمنة الاجنبية وتحقق استقلالها الاقتصادي الحقيقي حيث تركت هذه الازمة آثارا سلبية واضحة على اقتصاديات دول منطقة مجلس التعاون وسجلت اوضاعها المالية تراجعا حادا، واسواقها المالية ركودا واضحا، وفشلا في مشاريع التنمية، وبالتالي انعكست الاوضاع الاقتصادية في دول المجلس على اقتصاديات الدول العربية الاخرى (المجموعة الأولى).