طالبت دراسة اقتصادية تناولت التعاون الاقتصادي العربي وتحقيق التنمية المستدامة بضرورة إنشاء جهاز عربي متخصص للتعاون الاقتصادي يتولى التنسيق والإشراف على مشروعات التعاون في الدول العربية. وأن يكون لهذا الجهاز فروع بجميع الدول العربية.. واقترحت الدراسة التي أعدها الدكتور محمد موسى عثمان بالمعهد العالي المصري للعلوم الإدارية إيجاد نظام عربي موحد للشركات المساهمة الوطنية يهتم بالإشراف على تأسيس هذه الشركات وإبراز المميزات التي تتمتع بها ضرائبيا وجمركيا.. وكذا إنشاء هيئة عربية للمواصفات الموحدة تكون مهمتها وضع هذه المواصفات وضمان تطبيقها عربيا، وعلاوة على إنشاء إنترنت عربية تهتم بإنعاش حركة المبادلات التجارية الإلكترونية بين الدول العربية وأيضا مع الأسواق الخارجية. وأكدت الدراسة أن تحقيق التعاون الاقتصادي العربي بالمستوى المقبول والذي يتكافأ مع الإمكانيات والمقومات العديدة التي تمتلكها الدول العربية لابد أن ينطلق من قاعدة إدارية عربية متطورة وإنتقاء جيد لانشطة استثمارية يمكن اعتبارها نقطة البداية في إقامة تكامل إقتصادي عربي حقيقي في كافة المجالات الصناعية والسياحية والزراعية والخدمية والاستثمارية.. كما أوضحت الدراسة أهمية الدور المنوط بآليات عمل القطاع الخاص العربي في هذا المجال مشيرة إلى أن الغرف التجارية والصناعية وجمعيات رجال الأعمال وإتحادات المستثمرين وغيرها من الهيئات مدعوة للقيام بدورها في تحقيق التعاون الاقتصادي العربي المنشود. خصائص عربية للتجارة وحسبما يرى الدكتور محمد موسى في دراسته فإن للإقتصاديات العربية خصائص تتركز في عدة نقاط أهمها إرتفاع الأهمية النسبية للتجارة الخارجية لاسيما في ضوء الافتقاد إلى جهاز إنتاجي متقدم في معظم البلاد العربية الأمر الذي يعوق التكامل الاقتصادي ويحصر الإنتاج في المواد الأولية الزراعية أو الاستخراجية. ومن ثم ترتفع نسبة التجارة الخارجية للدول العربية على حساب تجارتها البينية، كما يزداد اعتمادها على الأسواق الخارجية في تسويق منتجاتها الأولية ومن جهة أخرى تحرم من إيرادات ضخمة كان من الممكن تحقيقها في حالة زيادة القيمة المضافة لهذه المنتجات عن طريق تحويلها لمنتجات مصنعة أو نصف مصنعة. 24 مليار دولار وقدرت الدراسة حجم التجارة البينية للدول العربية حاليا بنحو 24 مليار دولار بنسبة لا تتجاوز 8% من إجمالي حجم تجارتها البالغة 300 مليار دولار.. مشيرة إلى أن الجانب الأكبر من التجارة الخارجية للدول العربية 276 (مليار دولار) يتجه إلى أسواق خارج حدود الوطن العربي مما يدل على تخلف نمط التجارة الخارجية العربية وتدهور العلاقات العربية - العربية التجارية من ناحية.. والإندماج المتزايد في السوق الرأسمالية العالمية من ناحية أخرى.. وأوضحت أن الصادرات السلعية العربية تجاوزت 134 مليار دولار مقابل واردات بقيمة 1475مليار دولار وأن قيمة خدمة الدين العربي العام تكلف الخزانة العربية نحو 151 مليار دولار سنويا توازي 256من إجمالي الناتج المحلي العربي البالغ 589 مليار دولار. تنويع هيكل التجارة ويرفض الدكتور محمد موسى في دراسته الإتهام الموجه لهيكل التجارة العربية بأنه متشابه وغير متنوع.. وأنه يعوق زيادة حجم المبادلات التجارية العربية.. مؤكدا على عكس ذلك أن التجارة العربية تتميز بتنوع هيكلها من دولة لأخرى.. وأنه على الرغم من التشابه في أن صادرات الدول العربية معظمها مواد أولية وإستخراجية إلا أن هذه الصادرات تختلف نتيجة لتنوع وإختلاف المواد الأولية والاستخراجية من دولة لأخرى حيث تتركز المواد التعدينية في مصر والمغرب العربي في حين تملك دول مجلس التعاون الخليجي إحتياطي ضخم من النفط ومشتقاته الأمر الذي يبرهن على أن التنافس مستبعد بين المنتجات العربية في حالة قيام التكامل وأن هذا التكامل سيتيح للدول العربية إقامة صناعات متطورة ومؤهله للنفاذ والمنافسة في الأسواق الخارجية. تذبذب القطاع الصناعي وأضافت الدراسة أن الصناعات التحويلية العربية تمثل نحو 6% من مشاركة القطاع الصناعي العربي من إجمالي الناتج المحلي العربي.. كما أن القطاع الصناعي كله يتسم بالتذبذب الكبير لعدة أسباب أهمها هيمنة قطاع الصناعات الاستخراجية عليه بنسبة تتجاوز 60% وهي الصناعات التي ترتكز على النفط والغاز الطبيعي بصفة أساسية وعلى عدد محدود من الخدمات المعدنية وغير المعدنية مما يجعل أداء القطاع مرتبطا بالتطورات في الأسعار والطلب العالميين لهذه المواد.. علاوة على ذلك فإن الصناعات التحويلية العربية بإستثناء البتروكيماويات رغم زيادتها ونموها المطرد لاتزال تعتمد على أنشطة صناعية خفيفة تتم في منشآت يقدر عددها بنحو 35 ألف منشأة في الصناعات الغذائية وحوالي 56 ألف منشأة في قطاع صناعة المنسوجات والملابس. قطاعات صناعية جديدة وأشادت الدراسة بتوجه الاستثمارات العربية نحو قطاعات صناعية وإنتاجية جديدة كالأسمدة والأسمنت والصناعات الثقيلة كالسيارات والألمنيوم. وكذا توسيع وتطوير قاعدة الصناعات القائمة في مجال الحديد والصلب والصناعات الغذائية والمنسوجات والملابس الجاهزة مؤكدة أن نهضة هذه القطاعات ستفتح أبواب أسواق كثيرة لاسيما في أفريقيا والأمريكتين وأيضا بعض الدول الأوروبية أمام الصادرات الصناعية العربية خاصة وأن الدول العربية تمتلك المقومات اللازمة لقيام صناعات متطورة في مجال هذه المنتجات الصناعية الحيوية. واستعرضت الدراسة هيكل الصادرات الصناعية العربية مشيرة إلى أن النفط ومشتقاته يستحوذ على حوالي 79% من الصادرات العربية عامة وحوالي 85% من الصادرات الصناعية مقابل 28% سلع مصنعه ونصف مصنعة كما أن الاقتصاديات العربية تعتمد على الأسواق الخارجية في تغطية جانب كبير من احتياجات خاصة لواردات من السلع الصناعية.. وتشترك جميعا في أهمية الواردات من السلع الصناعية والزراعية وأن كان هيكل الواردات يختلف من بلد لأخر مما يدل على إستمرار اعتماد الوطن العربي على الخارج في كثير من السلع الغذائية التي لا تتجاوز نسبة الاكتفاء الذاتي فيها نحو 65%. الجماعية المفتقدة وتناولت الدراسة في تحليلها للأوضاع الاقتصادية العربية التعاملات مع العالم الخارجي وأظهرت أن الدول العربية تتعامل بشكل يفتقد إلى الجماعية وبدرجات متفاوته مع أغلب التجمعات الإقليمية والدولية حيث تبلغ نسبة التعامل 599% مع الدول الصناعية المتقدمة مقارنة بنحو 144% مع الدول النامية و257% مع باقي دول وتجمعات العالم المختلفة.. كما صنفت العلاقات الاقتصادية بين الدول العربية إلى ثلاث مستويات أولها من حيث جماعية الدول الأطراف في هذه العلاقات والتي تتم عادة من خلال جامعة الدول العربية أو أية إتفاقات أو مؤسسات إقتصادية تتناول تبادل اقتصادي من مجموعة الدول العربية.. وثانيها العلاقات الثنائية التي تتم من خلال إتفاقيات ثنائية ذات طابع إقتصادي وتجاري وأخرها العلاقات الاقتصادية الإنفرادية والخاصة بالتبادل عبر أنظمة أو مؤسسات تقيمها دولة واحدة من تلقاء ذاتها هادفة من وراء ذلك خدمة عامة الدول العربية. وأشارت إلى أن هذه الأنواع من التفاعلات كانت نتيجة مباشرة لتداعيات عديدة منها النمط الاستثماري الذي انساب إلى البلاد العربية في القرن الماضي وكذا التراجع الاقتصادي والتركيز على تصدير المواد الخام دون تصنيعها.. علاوة على عوامل أخرى في مقدمتها عدم استقرار الأوضاع الأمنية في المنطقة لفترة طويلة بسبب الصراع العربي - الإسرائيلي الذي كان أهم الأسباب الطاردة للإستثمار في المنطقة. وأيضا وجود أسواق مال نشطة وقوانين معوقة للإستثمار الأمر الذي فرض على المنطقة العربية أوضاعاً ضاعفت من اختلال اقتصاديات الدول العربية وعدم قدرتها على زيادة حجم المبادلات التجارية البينية وحتى الخارجية. الجهود دون الطموحات وحول ملامح التوجهات التنموية العربية أفادت الدراسة بأن الجهود التي بذلت خلال الفترة الماضية لم تكن على القدر المطلوب، وأفضت إلى تكريس التبعية الاقتصادية العربية للنظام الرأسمالي العالمي ونقل قوالب جامدة وتطبيقها على الأسواق العربية دون تطويعها لتتناسب مع سمات هذه الأسواق التي قد تكون مختلفة الأمر الذي أفرز مشكلات عديدة لاسيما في قطاع النقد والسيولة وأسعار صرف العملات الأجنبية كما أدت الهرولة تجاه تبني نظريات الغرب ونقلها بالنص إلى تعميق التجزئة والتباعد بين الدول العربية وعدم استغلال إمكاناتها المادية والبشرية.. وأوضحت أن قائمة التحديات المفروضة على الاقتصاديات العربية طويلة مشيرة إلى أن معظم الدول العربية لاتزال تخضع وارداتها لنظام الحصص الكمية والنقدية الأمر الذي يتعارض صراحة مع قرار إنشاء السوق العربية المشتركة من تحرير المبادلات التجارية بين الأعضاء من القيود الإدارية.. كما أن بعض الدول العربية تتيح نظاما اقتصاديا يستلزم تخصيص مبالغ معينة من النقد الأجنبي لاستيراد احتياجاتها وخططها الاقتصادية. دراسات دقيقة وذكرت الدراسة أنه لكي يتسنى وضع أطروحة جيدة لعلاج هذه الثغرات يجب أولا إعداد دراسات دقيقة ومتعددة ترصد تجارب التعاون والتكامل الاقتصادي العربي وتحلل نتائج هذه التجارب والعوامل التي أفضت إلى هذه النتائج وتحدد سمات التطور الاقتصادي والتجاري والاستثماري العربي وتداعياته السلبية والإيجابية على الوضع الاقتصادي الحالي.. كما شددت على ضرورة دعم الإدارة العربية وإنشاء الهيئات المساندة وتوجيه الاهتمام إلى تسهيل التجارة وإزالة جميع القيود الجمركية الإدارية وعدم إختلاف رسوم تعويضية عنها تحت مسميات مختلفة، وترتيب تسهيلات ائتمانية لتسوية المدفوعات الجارية وكذا تجنب الإزدواجية في المشاريع الائتمانية العربية لاسيما الصناعية منها بالإضافة لتنسيق السياسات العربية في المجالات المختلفة. وخلصت الدراسة إلى أن المسيرة الاقتصادية العربية مازالت حتى الآن دون مستوى الطموحات المكافئة للإمكانات المتوفرة مما يستدعى دراسة التحديات والمعوقات التي تواجه الاقتصاديات العربية في الفترة القادمة وأبرزها التنافسية المؤهله للسيطرة على أكبر مساحة من السوق.. وكذلك العولمة والجودة الشاملة والتحديات التكنولوجية والتكتلات الاقتصادية الاقليمية والدولية.. مشيرة إلى أن محاولات الدول العربية للإتجاه للتكتل الاقتصادي من خلال إقامة منطقة حرة مازالت ضعيفة ولم تحقق أهدافها الأمر الذي يعني تعظيم مكاسب لدول التكتلات الاقتصادية الأخرى على حساب الدول العربية. القاهرة ـ يوسف شاكر: