أكدت دراسة اقتصادية حديثة ان السنوات القليلة المقبلة تحمل تغييرات كبيرة لحياة العاملين في مجال التجارة والاعمال المختلفة مشيرة الى ان التأثر الذي يلحق بالعاملين في مجال التكنولوجيا العليا سيكون اسرع الى الظهور من غيره في المجتمعات، كما ان المجتمعات الصناعية المتقدمة ستقابل هذه المؤثرات المتعددة قبل غيرها من مجتمعات البلدان النامية لكن النمو سيشمل جميع الدول دون تمييز في النهاية. وذكرت الدراسة التي اعدتها الدكتورة وداد آرمسترونج امينة الهيئة الادارية بأكاديمية يونيفرسال البريطانية ووردت بالعدد الجديد من مجلة الشئون العامة التي اصدرتها ادارة البحوث والدراسات بديوان صاحب السمو ولي عهد أبوظبي ذكرت انه مهما كان الوقت الذي سوف تستغرقه الشركات والدول للانتقال من مجتمع العلاقات التقليدية إلى مجتمع العلاقات الالكترونية فإن الواقع الذي سيفرض نفسه هو ان الانسان يملك الحرية التامة لتوجيه ذلك النمو نحو غرض او قيمة او وضع يريد ان يكون عليه في المستقبل. واشارت الى ان مسئولية هذا التوجيه ليست محصورة في الذين ينتجون التكنولوجيا المتقدمة ولا السياسيين او الاقتصاديين ولكنها تشمل الجميع موضحة ان البريد الالكتروني والشاشات الموحدة الصورة ومؤتمرات الفيديو والمكالمات التلفونية والفيديو تشكل جميعها وسائل للتغلب على الانفصال أو التباعد الفيزيائي، وكلما تزايد استخدامها فإن الفواصل الموضوعة بين مكان العمل والأماكن الاخرى سوف تضمحل حتى تتلاشى، مما يعود على الانسان بنوع من المشاعر السعيدة التي تنقله الى حيث يريد في الوقت الذي يريد، ويضفي على عوالمنا الشخصية بعداً جديداً من التواصل مع الآخر الذي يشاركنا إعمار هذا العالم دون تمييزات عرقية أو لونية أو اعتقادية أو انتمائية أو مجتمعية. وأضافت انه اذا كانت التطورات العلمية لايمكن تجزئتها حسب الرغبات الفردية المتعارضة، فان من الممكن ان يتوصل الناس الى قواعد مجتمعية تعني بتبني الاتجاه نحو تحسين ظروف الحياة، على نحو يحقق مستوى أعلى من احترام انسانية الانسان، عن طريق تشريعات دولية مرافقة بآليات تنفيذ فاعلة، مبنية على شفافية تضمن لكل فرد ابداء رأيه في المصير المشترك لسكان هذا العالم. وذكرت الدراسة ان الانترنت يعتبر أداة النشر الفردي الأكبر في العالم على الاطلاق، فهي كون واسع غير نهائي قابل للتمدد الى درجات قابلة للتحديد والتعيين، لاتقف الحدود في طريق مستخدميه، ولذا فإن الانترنت استحقت ان تعتبر الاداة التي جعلت العالم يصبح جزءاً من غرفة صغيرة وليس قرية كبيرة كما كان المتفائلون يرددون من بضعة عقود بعد ثورة الاتصالات مشيرة الى انه لكي تنشر أفكارك ومعلومات على الانترنت دون حدود أو موانع، ما عليك إلا ان تطبعها على كمبيوترك في الموقع الذي تحجزه لك وتسميه كما تريد، لقاء أجور خدمة زهيدة جداً. أو ان تبعثها بالبريد الالكتروني الى أي موقع، حيث يمكن لرسالتك ان تشغل ملايين الناس وأن تصل عشرات الملايين منهم. واوضحت ان عرض النطاق الترددي للشبكة كبير جداً، والعوامل التي تضيف التكلفة منخفصة الى درجة ألا تحتاج الى التفكير بها، كما ان الرسائل العادية تقبع فترة ثم تزول دون ترك أي آثار، ومادمت لاتستهدف إيقاع الاذى بالآخرين فانك لن تخشى أي ملاحقات أو أضرار تنجم عن رسائلك، حتى ان بعض الفكاهات والمزحات الثقيلة نسبياً تمر غالباً بسلام رغم تسببها في غضب الآخرين أحياناً لفترة من الزمن. وأضافت انه من الأمثلة الجادة على استخدام الانترنت ما يقوم به أشخاص أو جهات لجمع أناس يربطهم اهتمام مشترك، علاوة على الاغراض التعليمية والتثقيفية والاعلامية التي يمكن تحقيقها. إذ يمكن تشكيل الجمعيات والاندية والمؤسسات والاحزاب على مواقع الانترنت، ويكون اعضاؤها منتمين الى جميع الدول وموجودين في مختلف بقاع الدنيا ولديهم خصائص متباينة الى درجات لاتحصى. واشارت الدراسة انه بفضل الانترنت أصبح ممكناً لأي شخص ان يرسل الرسائل الى جميع انحاء العالم، دون ان تعرف سكرتيرته ما اذا كان موجوداً في مكتبه أو منزله أو مدينته أو دولته أو مكان آخر. ويمكن للأطفال في المدارس أن ينتجوا ألبوماتهم وأفلامهم الخاصة وإتاحتها لأسرهم وأقاربهم وأصدقائهم في انحاء من العالم، وتوسيع مداركهم ومحيطهم الذي كان في بعض المجتمعات محدداً ضمن نطاق غير متسع، ولايزال في بعضها الآخر محدوداً جداً قد لايتعدى الدرجة الثانية من العلاقات التعددية للقرابة حيث يمكن لمستخدم طريق المعلومات الالكترونية ان يكتب في رسائله ما يريد، وان يضيف الصور الفوتوغرافية القديمة أو الجديدة لاضفاء الحميمية، وان يضع لقطات سينمائية جرى انتاجها على نحو خاص، وان يدخل الاغنيات والأصوات المسجلة بصورة انتقائية، وان يخترع الشخصيات والأوضاع المحببة أو التحذيرية ويبث المحادثات الشخصية، فينتج بسهولة واضحة عالمه الخاص والمشترك. وقد يتخطى مستخدم الانترنت ذلك الى خلق عالم افتراضي حافل بالابداع والجدة والإلهام، وتنتج الشركات مئات من البرامج التي تسهل القيام برحلات في عوالم غريبة واستثنائية، اضافة الى رحلات المحاكاة الاخرى، كما في ديزني لاند وبرامج تعليم الطيران واكتشاف الفضاء والعمليات الطبية والصناعات الضخمة والتكنولوجيا المتقدمة وبحوث الجيولوجيا والميكروفيزياء والفلك ويضاف الى ذلك ما نفذته اعداد كثيرة من الشركات الكبيرة والحديثة على السواء من وضع محاكيات لرحلات في مناطقها ومراكزها التجارية، مع إتاحة الفرصة للشراء والدفع عن طريق الانترنت، حيث يمكن لأوامر الشراء وسندات القبض والدفع ان تنفذ عبر البريد الالكتروني والوسائل المعتمدة في طريق المعلومات السريع. وأوضحت الدراسة ان بعض الشركات التي توزع اخبارها ونشراتها بالبريد الالكتروني تعمل على ان تستمد محتوى ما تريده من تصميمات الواقع الافتراضي أفضل ما في انتاج الخيال العلمي الذي كتبه أمثال ويليام جيبسون، الذي تحدث عن إمكان الحصول على ممارسات شخصية لأفعال افتراضية متعددة عن طريق توصيل كيبل كمبيوتر بالجهاز العصبي المركزي. وذكرت الدراسة ان هذه الخدمات الكثيرة كانت من أهم الحوافز التي دفعت الشركات والمشروعات التجارية ـ خاصة الكبرى ـ الى تبني التكنولوجيا التي تجعلها أكثر انتاجية وربحاً، من خلال ما وفرته الوثائق والشبكات الالكترونية لدوائر الاعمال والتجارة من فرص واسعة لتحسين ادارة المعلومات وخدمتها وعلاقات التعاون الداخلية والخارجية، وقد دأبت الشركات ـ على نطاق مازال يتسع باستمرار ـ على وضع مجموع الاجهزة العصبية لتنظيماتها على شبكات اتصال، تصل لكل مستخدم وتتعداه الى من هو أبعد، في دوائر الموردين والاستشاريين والعملاء، فأصبحت أكثر فاعلية وكفاءة، وأصغر حجماً في أغلب الأحوال. ومن المؤكد ان طريق المعلومات السريع قد جعل الاقتراب المادي من الخدمات الحديثة أقل أهمية، مما دفع كثيراً من الشركات والمؤسسات الى العمل بنظام اللامركزية وتوزيع انشطتها في مواقع مختلة، حتى يمكن القول مع بعض الكتاب المستقبليين انه سوف تصغر المدن ذاتها ـ شأنها شأن الشركات في المستقبل. وأضافت انه مما حفز دوائر الأعمال والتجارة والشركات الكبرى على تبني كل تكنولوجيا كمبيوترية جديدة تقريباً ان الفوائد المالية لنظم المعلومات المتقدمة يمكن ان تظهر بسرعة، مؤكدا ان الشركات الصغيرة قد استفادت من استخدام الكمبيوترات الشخصية بشكل لايقارن مع أي أدوات سبق استخدامها في عالم الأعمال، بالنظر الى رخص تكلفة المكونات المادية للكمبيوتر الشخصي وبرمجياته. واشارت إلى انه إذ اتيح لهذه الشركات الصغيرة فرص التنافس بصورة افضل مع الشركات الكبيرة، حتى المتعددة الجنسيات، فمنذ ان اصبحت الشركات الكبيرة تميل إلى تطبيق نظام التخصص، بحيث يتولى احد الاقسام كتابة المنشورات التعريفية، ويتعامل اخر مع الحسابات، ويتولى ثالث التعامل مع الزبائن، وهكذا، وجدت فجوة بين اداء الشركات الكبيرة والصغيرة في الاداء نتيجة عدم وجود قوة عاملة ومستوى اداء متفوق في الشركات الصغيرة، الا ان استخدام الكمبيوتر الشخصي استطاع ان يساهم في ردم تلك الهوة من جديد، فشكل ذلك حافزا على استخدام الكمبيوتر لدى جميع الشركات دون استثناء. واوضحت ان اكبر فوائد الكمبيوتر الشخصية في الشركات الكبيرة تتمثل في تحسين المشاركة في المعلومات، والكمبيوترات الشخصية تلغي النفقات غير المباشرة الضخمة التي تتحملها هذه الشركات لاستمرارية تنسيق اعمالها، من اجتماعات ورسم سياسات وعمليات داخلية، مع توجيه النظر إلى درجة المرونة غير المحدودة التي تتحصل نتيجة اتاحة المعلومات الكترونيا على نحو ما ذكرناه من قبل. وذكر ان الجداول الالكترونية - على سبيل المثال - حينما ظهرت لأول مرة مثلت تحسينا هائلا بالنسبة لاستخدام الورقة والقلم، واتاحت امكانية وضع صيغ رياضية خلف اي عنصر في اي جدول للبيانات، بحيث يمكن ان تنطبق هذه الصيغ الرياضية على العناصر الاخرى في الجدول، وأي تغيير في قيمة ما يمكن ان يؤثر في الخانات الاخرى، مما يعني امكان اجراء اي تقديرات مستقبلية حول محتويات، كحجم المبيعات والنمو والتغيرات في سعر الفائدة، ودراسة الاحتمالات المتوقعة ومعرفة الفروق بين الحالات. كما الغى البريد الالكتروني والشاشات المشتركة الصورة حاجة المدراء والموظفين والعملاء إلى آلاف من الاجتماعات والرحلات والتنقلات عبر القارات أو البلدان والمدن والمكاتب، وحلت بدل ذلك المحادثات والرسائل الالكترونية التي تتضمن الجداول الالكترونية وغيرها من المستندات المرافقة والملاحق، وجعلت الاجتماعات الالكترونية التي تتم عبر الانترنت نوعا من العلاقات المباشرة بين الاشخاص المعنيين يمكن ان يتم ويتطور، دون ان يتجاوز احدهم مكتبه أو مكان وجوده بخطوة واحدة، وجعلت هذه الاجتماعات اكثر فاعلية بصورة كبيرة جدا، حيث دعمت المجتمعين كلهم بخلفية معلوماتية مشتركة قابلة للتوسع وادخال التعديلات والمناقشة حتى ابرام الاتفاقات على نماذج معروضة وتحسينات مطلوبة، ويمكن لمسئولي عدد من الشركات أو المسئولين، الذين يرغبون في اصدار اعلان نوايا أو بيان صحفي ان يستخدم كل منهم كمبيوتره الشخصي لكتابة الكلمات وتنسيق الفقرات أو تحريكها ووضع البيانات والصور المرافقة والشروحات المناسبة، وان يتوصلوا إلى صيغة مقبولة من الجميع والاعلان عنها في الوقت نفسه في اماكن عديدة من العالم، دون ان يضطروا إلى الاجتماع في مكان واحد أو ان يجلسوا وجها لوجه بأجسامهم في غرفة معينة. واضافت الدراسة ان الشركات ساهمت في تطوير تقنية اجتماعات ومؤتمرات الفيديو، التي اصبح الناس يرونها يوميا عبر نشرات التلفزيون المنقولة، حيث تفصل المضيف عن ضيوفه قارات أو آلاف الاميال، ومع ذلك فان الاشخاص يتداولون اخر مستجدات المال والاعمال والسياسة والاوضاع المجتمعية على امتداد معنوي ومادي غير محدود، وكأنما هم يجلسون مع المشاهدين ايضا في الغرفة نفسها. واكدت الدراسة ان استخدامات اجتماعات الفيديو تتزايد يوميا في الشركات والمؤسسات الكبيرة المتوسطة، كأداة اجرائية في النشاط التجاري والصناعي اليومي، حتى انها اصبحت تحتل حيزا كبيرا من التواصل المستمر بين هيئات حكومية وشعبية لتناول المشكلات والمسائل المهمة والعادية على الاصعدة المختلفة، مع ما في ذلك من الغاء السرية التي كانت سببا مؤثرا في حجب الحقائق والمعلومات عن جماهير غفيرة من اصحاب المصلحة في الاجراء أو السلوك أو التشريع أو الصفقة، حتى لقد زادت درجة الصدق في التعاملات التي لا يمكن اخفاؤها بصورة حصرية تامة وعلى نحو دائم ومضمون. وخلصت الدراسة إلى ان ذلك كله يشيد إلى الحاجة الماسة إلى اعادة النظر في الشركات القائمة، وان نقطة البداية التي تنطلق منها اعادة هندسة الاعمال فيها هي وجود طرق ممكنة افضل لتصميم الشركة، وتركز عمليات اعادة التنظيم الاولى على تحريك المعلومات داخل الشركة بصورة جديدة، ثم اعادة تعريف الحد الفاصل بين الشركة وعملائها، ويجب ان تتضمن القضايا الرئيسية التي يعاد بحثها اسئلة عن كيفية تعرف العملاء على منتجات الشركة، وكيفية طلبها والحصول عليها، ومن هم المنافسون الجدد الذين سيظهرون بعد انحسار دور العائق الجغرافي، وكيف يمكن للشركة ان تقدم الجهد المناسب لجعل العملاء راضين بعد شراء السلعة ولديهم الاستعداد الكافي للاقبال على استهلاكها. واشارت إلى ان اعادة الهيكلة هذه سوف تترافق بظهور سوق ضخمة وتنافسية، تستدعي حاجة الشركة إلى التعاون مع خبراء من خارجها واستشاريين قادرين على تقديم المعلومات واسداء النصح، وسوف يكون هؤلاء الذين ليسوا زبائن ولا موظفين، من المدرجين على قوائم الشركة للاستفادة من معلوماتهم حسب المؤهلات والاستعداد للعمل والاجر والوقت المتاح. ولذا فان هذه القوائم والمواصفات والبيانات سوف تشكل مصدرا مهما لحركة الشركة العصرية التي تريد العمل في اطار العالم الالكتروني، وهناك برامج كمبيوترية قادرة على استقصاء ادق المعلومات في هذا الشأن، كما انها تجيب على اسئلة كثيرة تتصل بالخبرات العملية واماكن العمل والتجارب المنفذة واوضاع النجاح والتكريم والفوز، وكثير من التفصيلات الدقيقة التي قد يعتبر بعضها زائدا عن اللزوم. وذكرت ان ذلك يستدعي ان تعيد الشركات نظرها في قضايا تتعلق بالاستخدام والتوظيف لديها، مما يتصل بحجم العاملين في قسم الشئون المالية والمحاسبة والتحصيل والشئون القانونية والحراسة والتنظيف، ومن يجب الاحتفاظ بهم او الاستغناء عنهم، في ضوء الفوائد المحدودة التي تترتب على وجودهم داخل الشركة على نحو دائم أو وجودهم خارجها والاستفادة من خبراتم بعمل جزئي أو دوام مختصر وغير ذلك من صيغ متاحة للتعاون. مشيرة إلى ان اعادة الهيكلة لن تقف عند حدود دون اخرى، ولسوف تطال جميع المرافق على اختلاف انواعها ومهامها، علاوة على ادخال نوع من الروح الجديد في التعامل مع التخطيط المستقبلي ذاته، فما كان يعتبر في الماضي مدة طويلة من الزمن أو خطة طويلة الاجل لن يغدو كذلك في عصر تم فيه اختصار الزمن إلى حالات قياسية غير مسبوقة في تاريخ الاعمال والانتاج البشري. أبوظبي ـ عبدالفتاح منتصر: