ان التعاون فيما بين دول مجلس التعاون ودول الاتحاد الاوروبي ما زال في اطواره الاولى على الرغم من مضي اكثر من ثلاثة عشر عاما على توقيع اتفاقية التعاون الاقتصادي المشترك. واثناء تلك الفترة تحقق العديد من الفعاليات وتخللتها مجموعة من اللقاءات والحوارات والمؤتمرات، والتي كانت تهدف الى تحقيق صيغ متطورة لتنظيم العلاقات بين المجموعتين. ولكن من الملاحظ ان «الصفة التجارية» قد غلبت على الحوار الخليجي الاوروبي. فبرزت نقاط الخلاف وتراجعت نقاط التلاقي. الا اننا يجب ان نعترف ان تطوير البنية التكنولوجية لدول المجلس لا يرتبط بموضوع تعاونها مع الدول المتقدمة فحسب بل وبما تبذله هي من جهود لتحقيق هذا الهدف. فعلى هذا الصعيد يمكن القول ان الاتفاقية الاقتصادية الموحدة بين دول مجلس التعاون ساعدت على تسهيل التحرك داخل اقليم دول مجلس التعاون بقيود اقل، وان كان هذا التحرك ما زال بطيئا. هذا بدوره سيسهل عملية التفاوض الجماعي لحيازة التكنولوجيا الاجنبية، وسيقلل من الازدواجية في ممارسات نقل التكنولوجيا. لذلك فان هناك حاجة ماسة الى خلق حوار صريح داخل البيت الخليجي ، حتى نستطيع ان نحدد ما هي اولوياتنا المشتركة، وما هي سبل تحقيق تلك الاولويات؟ ينبغي على دول مجلس التعاون ان تعمل جاهدة، وبصورة عاجلة، لتوثيق التعاون، وتأسيس الآلية المناسبة لتنفيذ ذلك البرنامج ان احد اهم فوائد ذلك التعاون، اننا سنتمكن من التحدث وبصوت واحد امام العالم الخارجي. ولذلك ينبغي الاهتمام بتأسيس جهاز مستقل ضمن هيكل الامانة العامة لدول مجلس التعاون يهتم بقضايا التنمية العلمية والتكنولوجية في دول المجلس، وان يعطى اولوية عالية. ان غياب مثل هذا الجهاز جعل تأثير البرامج العلمية والتكنولوجية سواء ما بين دول المجلس نفسها او ما بين دول المجلس والدول الاخرى ضعيفا وغير محسوس. لابد من العمل على بناء القدرات التكنولوجية الوطنية والتي بدورها ستساهم في خلق التكنولوجيا المحلية. ومن المجالات التي يمكن ان تمثل اولوية في جهود وبناء القدرات التكنولوجية الوطنية مسألة التفاوض وابرام العقود التكنولوجية. ولذا نرى انه من الضرورة القيام بتوعية تكنولوجية بصورتيها العامة والخاصة، وذلك عن طريق عقد الندوات وورش العمل والدورات التدريبية المتخصصة في مجال نقل التكنولوجيا بهدف توصيل المفهوم الصحيح لنقل التكنولوجيا الى المهندسين والادرايين والفنيين في قطاع الانتاج والخدمات. وبسسب ضعف قاعدة العلم والتكنولوجيا في دول مجلس التعاون، فانه لمن الطبيعي ان يأخذ مسار التعاون التكنولوجي بين دول مجلس التعاون ودول الاتحاد الاوروبي مسارا آخر - المساعدات الفنية والتي غالبا تقدم الى دول مجلس بأسعار باهظة - ولذلك فانه ينبغي على دول المجلس التعاون الاهتمام ببناء قاعدة مؤسسة للعلم والتكنولوجيا، تستطيع من خلالها، وبصورة فعالة، من مد جسور التعاون مع الدول والاقاليم الاجنبية. وعليه ينبغي علينا ان نوضح للاطراف التي نرغب ان نتعاون معها ونؤكد على ذلك باننا نسعى ونتطلع الى تكوين منظومات للتعاون في المجالات والاهتمامات المشتركة، وليس هدفنا الحصول على المساعدات الفنية، والتي تزول بزوال المؤثر. اذا كنا نحن ندرك اهمية التدفق التكنولوجي الى دول مجلس التعاون، فانه لحري بنا ان نوفر للمستثمرين المعلومات والبيانات الدقيقة والصحيحة فيما يتعلق بالتكنولوجيا الاجنبية. فيمكن للامانة العامة لدول المجلس ان تتعاون مع منظمة الخليج للاستشارات الصناعية والمراكز البحثية في دول المجلس وبمساعدة المفوضية الاوروبية لانشاء نظام للمعلومات التكنولوجية في اقليم دول المجلس لجمع وتبادل المعلومات التكنولوجية حول الاستثمارات الاجنبية المباشرة، وعقود نقل التكنولوجيا، وتسجيل براءات الاختراع والعلامات التجارية، وبرامج دول مجلس للتنمية التكنولوجية، ومصادر التكنولوجيا المختلفة، وتجارب وممارسات الدول النامية في حيازة التكنولوجيا الاجنبية. وفيما يخص التعاون التقني بين دول المجلس ودول الاتحاد الاوروبي، فانه باعتقادنا ينصب حول عدة عناصر رئيسية. يتمثل المحور الاول في العمل على تأسيس مؤسسة مشتركة للبحث العلمي والتطوير ما بين دول مجلس التعاون ودول الاتحاد الاوروبي لتنمية التعاون العلمي والتكنولوجي بين المجموعتين وذلك بعد دراسة امكانية استغلال مراكز البحوث الوطنية القائمة حاليا في المنطقتين. وتهدف هذه المؤسسة الى تشجيع وتمويل مشاريع البحث والتطوير المدنية ذات الفائدة لكلا المجموعتين في البحوث التطبيقيةة ومن المواضيع التي يمكن ان تهتم بها المؤسسة، البحوث الطبية، والزراعية والمياه وتكنولوجيا المعلومات. وتمكن هذه المؤسسة الباحثين والعلماء في دول مجلس التعاون من الاحتكاك المباشر مع نظرائهم في دول الاتحاد الاوروبي لانجاز البحوث والدراسات ، والذي من شأنه ان يطور من قدرات الباحثين والعلماء الخليجيين. كما يجب ان يسعى الطرفان لتعيين بعض المشاريع المشتركة في مجال الصناعات الصغيرة والمتوسطة. وهذا لا يعني اغفال الصناعات الكبيرة ، وتتمتع دول الاتحاد الاوروبي بخبرة غنية في تشجيع وتطوير الصناعات الصغيرة والمتوسطة ادراكا منها للدور الكبير لتلك الصناعات في عملية الابتكار والتجديد والتغيير التكنولوجي. ومن البرامج التي تتبناها الدول الاوروبية ويمكن لدول مجلس التعاون الاستفادة منها البرنامج الاستراتيجي للابتكار ونقل التكنولوجيا في اوروبا والذي يهدف الى تحسين كفاءة الصناعة لاسيما المؤسسات الصغيرة والمتوسطة. اضافة الى ان هناك العديد من المؤسسات الصغيرة والمتوسطة والتي تسعى الى مد نشاطاتها الاستثمارية الى الخارج. ينبغي ان يستفاد من تجربة دول الاتحاد الاوروبي في ادارة التكنولوجيا. فالجدير بالقول انه لن تتحقق لنا الفائدة الحقيقية من حيازة التكنولوجيا الاجنبية ما لم نتمكن من ادارة تلك التكنولوجيا بكفاءة عالية، ويكون بمقدورنا توطينها وخلق تكنولوجيا محلية نستطيع ان ننطلق بها الى الاسواق العالمية. ينبغي لدول مجلس التعاون تبني خطة وطنية ترمي الى بناء وتطوير قدرات استشارية ذات كفاءة قادرة على تقديم خدمات استشارية وهندسية حقيقية، وذلك ضمن اطار مؤسسي متسق ومتماسك قادر على التفاعل فيما بين اجزائه المختلفة واستيعاب كل المستجدات وكمنطلق للعمل الفعلي يمكن للاجهزة الاستشارية الوطنية بدول المجلس بناء علاقات تعاون متبادلة مع مؤسسات استشارية متخصصة في دول الاتحاد الاوروبي. لذا يمكن ان يشجع الطرفان وبدعم من حكومات دول الاتحاد الاوروبي قيام بيوت خبرة مشتركة (خليجية ـ أوروبية) وان تعطى الافضلية في العطاءات الى هذه البيوت وينبغي التأكيد ان مثل هذه الاجراءات تهدف الى فتح المجال امام المهندسين والفنيين الخليجيين لكي يتمكنوا من الممارسة الفعلية لاجراء الدراسات والرسوم والتصاميم لتنفيذ أي مشروع وفق المواصفات والمقاييس المعمول بها في الصناعات الحديثة والتي تلائم البيئة الخليجية. وعند السعي لجذب الاستثمارات الاوروبية، لابد من تحديد وظائف معينة للنشاط الاستثماري مثال جذب المراكز الاقليمية للمؤسسات الاوروبية، تأسيس مراكز البحث والتطوير الخاصة بالمؤسسات الاوروبية بدول المجلس. لما يرى ان هناك مميزات معينة تمتاز بها دول المجلس. لابد من ايلاء موضوع الرسملة اهتماما كبيرا، عند التفاوض لانشاء المشاريع المشتركة. والذي نعنيه بالرسملة هو تحويل ثمن التكنولوجيا الى رأسمال ذاتي من قبل المرخص (المورد) كمساهمة منه في المشروع المشترك. كما ينبغي ان تكون لمجموعة التفاوض الخليجي معرفة ودراية تامة وشاملة بالمصالح او الاهتمامات الخليجية. فاذا لم تكن تعرف بالضبط غايتك. فانك بالضبط لن تصل اليها ابدا. اضافة الى انه ينبغي علينا ان نحدد مصالح الطرف الاوروبي. فان فهم المجموعة المفاوضة الخليجية لمصالحهم واهتماماتهم لا يقل اهمية عن ادراكك لمصالحك.