ان تاريخ دولة الامارات بشكل عام وتاريخها الاقتصادي بشكل خاص يمكن تقسيمه إلى فترتين رئيسيتين وذلك وفقاً للمتغيرات الاقتصادية التي حدثت في الامارات وحددت معالم مجتمع الامارات، ففيما كانت الفترة التي سبقت عام 1962. يمكن ان نطلق عليها عصر اللؤلؤ وذلك نظراً لما كانت تمثله صناعة الغوص على اللؤلؤ من اهمية كبرى في البناء الاقتصادي للامارات، فإن الفترة التي تبدأ منذ يونيو 1962 تمثل عصر النفط حيث كان للطفرة النفطية آثار كبيرة جداً على البناء الاقتصادي كما كان للاكتشافات النفطية تحولات كبيرة في المجتمع الاقتصادي وترتبت عليها متغيرات سواء على صعيد التركيبة الاقتصادية او على صعيد دور كل من القطاع الحكومي والقطاع الخاص، ونتناول هنا التغير الذي حدث على دور القطاع الخاص في الاقتصاد الوطني خلال هاتين الفترتين. تعتبر الخصخصة من اهم المفاهيم والمصطلحات الاقتصادية التي استجدت في الفكر الاقتصادي الحديث واصبحت تشغل حيزاً كبيراً من تفكير المحللين الاقتصاديين والمعنيين بالساحة الاقتصادية العالمية وترك هذا المفهوم الجديد اصداء واسعة لدى الاقتصاديين العرب والمحللين الاماراتيين، وعقدت العديد من المؤتمرات والندوات التي شخصت هذا المفهوم وحددت ابعاده وتأثيراته وتداعياته سواء على صعيد الاقتصاد الوطني او الاقتصادات العربية والعالمية، ومهما يكن هذا المفهوم في معناه الواسع الذي يعني بيع كل او جزء من ملكية المؤسسات والشركات الحكومية والعامة إلى القطاع الخاص، او معناه الضيق والذي يعني ادارة تلك المؤسسات من قبل القطاع الخاص بهدف تفعيل دور القطاع الخاص في الاقتصاد الوطني وتحميله جزءاً من المسئولية، او بهدف معالجة الاختلالات في المؤسسات الحكومية والعامة بسبب فشل الادارة العامة في القيام بواجباتها على النحو المناسب. مهما يكن ذلك الا اننا نجد ان الامارات قد عرفت هذا المفهوم وعملت بموجبه في الفترة التي سبقت عصر النفط اي خلال مرحلة، او عصر اللؤلؤ حيث كان للقطاع الخاص دور واضح في النشاط الاقتصادي على الرغم من محدودية الامكانيات والموارد المالية والبشرية، فيما كان القطاع العام او الحكومي له دور محدود آنذاك. وفيما يعتبر النفط المصدر الرئيسي للدخل القومي والايرادات النفطية المصدر الاساسي للموازنة العامة الاتحادية وموزانات الحكومات المحلية وفيما يعتبر النفط ايضا المساهم الاكبر في الناتج المحلي الاجمالي، فإن صناعة الغوص تشكل الثقل ذاته في الاقتصاد الوطني في الفترة التي سبقت الاكتشافات النفطية، ولكن كانت ملكية هذه الصناعة تعود للقطاع الخاص سيما يعتبر النفط من ملكية الحكومات المحلية في عصرنا الحالي. القطاع الخاص واهميته في عصر اللؤلؤ فيما نبحث اليوم عن القطاع الخاص وأهمية القيام بدوره الريادي في احداث تنمية اقتصادية لاسيما بعد ان وفرت له الحكومة والحكومات كل التسهيلات. وحقق مكاسب ضخمة خلال سنوات الطفرة ـ وفيما تتعالى الاصوات المنادية بضرورة قيام القطاع الخاص بدوره الحقيقي في الاقتصاد الوطني، وضرورة احداث تحول في ملكية المؤسسات العامة والحكومية لتصبح لصالح القطاع الخاص وذلك في سياق التوجه نحو الخصخصة، فإننا وفي ظل قراءتنا للتاريخ الاقتصادي للامارات نجد ان الامارات قد عرفت مفهوم الخصخصة وطبقته في فترة ما قبل الاكتشافات النفطية حين كان للقطاع الخاص دوره الحقيقي في الاقتصاد الوطني ومساهمته الفعلية في تحقيق اهداف الحكومات المحلية، وتوفير متطلبات واحتياجات المجمع. ومما يؤكد ذلك هو ان اجمالي عدد العاملين في الامارات يبلغ نحو 77 الف عامل طبقاً للتعداد السكاني لعام 1968 منهم 13541 مشتغل يعملون في قطاع الزراعة وصيد الاسماك وما نسبته 17.6% من اجمالي العاملين حيث كان القطاع الزراعي وصيد الاسماك مملوكاً من قبل القطاع الخاص من ابناء الامارات آنذاك وكانت النسبة الكبرى من العاملين في الزراعة وصيد الاسماك من المواطنين فيما هناك شريحة محدودة من المستثمرين الاجانب يعملون في هاتين المهنتين. من ناحية اخرى فإن القوى العاملة المواطنة العاملة في القطاعات الاقتصادية ولاسيما الانتاجية منها معظمهم من المواطنين قياساً بالوضع الحالي. كما ان مساهمة الفرد المواطن في القطاع الخاص واضحة حيث تؤكد الارقام على حجم تلك المساهمة في الاقتصاد الوطني، فيما نجد ان الوضع مختلف جداً في عصر البترول حيث الهيمنة الاجنبية على سوق العمل واضحة ومازالت تتزايد مع مرور الايام على الرغم من محاولات تقليصها وعلى الرغم من مناشدة الحكومة والحكومات للقطاع الخاص بالالتزام بمنح المواطنين فرصة العمل في مؤسسات ووحدات القطاع الخاص الا ان ميزان القوى العاملة يميل وبحدة لصالح العمالة الوافدة مع تزايد نسبة البطالة بين المواطنين!! وفيما كانت حصة الفرد في الناتج المحلي الاجمالي عالية في عصر اللؤلؤ وخاصة في القطاعات الانتاجية (قطاع اللؤلؤ، قطاع الزراعة، قطاع الاسماك) فإن تلك الحصة قد تقلصت إلى حد واضح في عصر النفط واصبحت مساهمة الفرد وخاصة الاماراتي مقتصرة على القطاعات الخدمية فحسب!! اما المرأة فقد كان لها حضور واضح في اقتصاديات الامارات في عصر اللؤلؤ فهي وان لم تكن مساهمة بشكل مباشر في صناعة صيد اللؤلؤ الا ان لها مساهمة فعلية في مختلف القطاعات الاخرى سواء في الزراعة حيث تقوم بالعمل في الحقل، ثم التسويق للمنتجات الزراعية وكانت تعمل في سوق السمك. كما نعمل على توفير صناعات منزلية كانت تغطي جزءاً مهماً من احتياجات الطلب المحلي، ثم تقوم ببعض المهن التي تتناسب وقدراتها سواء في حياكة الملابس في صناعة بعض المنتجات الاستهلاكية او غيرها. فيما اصبحت المرأة في عصر البترول تميل اكثر إلى النزعة الاستهلاكية واصبحت اكثر تبذيراً. وتميل إلى العمل في قطاعات الخدمات والوظائف الحكومية. كذلك فإن القطاع الخاص في عصر اللؤلؤ اتسم بالانتاجية العالية في القطاعات الانتاجية والخدمية وكانت مساهمته واضحة في الناتج المحلي الاجمالي للامارات آنذاك ولاسيما قطاع التشييد والبناء، وقطاع الزراعة وصيد الاسماك وقبلهما قطاع صيد اللؤلؤ. اما في عصر النفط فإن الاقتصاد الوطني قد شهد تحولات كبيرة وتغيرت الادوار بالنسبة للحكومة او القطاع الخاص فاصبحت الحكومة والحكومات المحلية هي المسيطرة على مختلف القطاعات الانتاجية واصبحت منافساً كبيراً للقطاع الخاص الذي تقلص دوره إلى حد كبير، واصبح قطاعاً طفيلياً ومعتمداً على الحكومة الاتحادية والحكومات المحلية، اما من حيث تركيبة القطاع الخاص من حيث نوعية وحداته الانتاجية، فقد اصبحت تلك التركيبة تميل وبحدة إلى تقديم وحدات خدمية وتضاءلت مساهمته في القطاعات الانتاجية، وبالتالي من الطبيعي ان تشهد مساهمة قطاعات هامة كان لها دور كبير واهمية كبرى في عصر ما قبل النفط تراجعاً واضحاً في مساهمتها في الناتج المحلي الاجمالي وخاصة قطاع الزراعة والثروة السمكية رغم الامكانيات المتوفرة ثم تراجعاً واضحاً في قطاع الصناعة وفي ضوء ذلك فإن النفط اصبح يشكل اهمية متزايدة في الاقتصاد الوطني سواء من حيث تمويل الموازنة العامة او ميزان المدفوعات والتجارة الخارجية او الناتج المحلي الاجمالي حيث تراوحت نسبة مساهمته بين 80% إلى 90%. لقد لعب القطاع الخاص دوراً كبيراً ومهماً في صناعة اللؤلؤ في عصر ما قبل الاكتشافات النفطية حينما كانت تشكل مهنة الغوص على اللؤلؤ اهمية كبرى في الاقتصاد، اذ اعتمدت هذه المهنة في تمويلها ونشاطها على القطاع الخاص وكذلك مهنة صيد الاسماك. وبرز هذ الدور من خلال التمويل المادي الذي كان يقدمه اصحاب رؤوس الاموال لسفن الغوص والنواخذة لتغطية متطلبات رحلات الغوص خاصة سواء المؤن الغذائية او الكساء او تجهيز السفن والرجال العاملين في حقل صيد اللؤلؤ وكانوا جميعهم من القوى العاملة المواطنة، كما ساهم اصحاب رؤوس الاموال في تغطية متطلبات مهنة صيد الاسماك. فيما اقتصر الدور الحكومي في هذه الصناعات على تحصيل الضرائب وتنظيم الامن ومعالجة المشاكل والمنازعات التي تحدث فيما بين العاملين في هذه المهنة والممولين لها. ومن ناحيةا خرى فإن تجارة اللؤلؤ وتصديره إلى الخارج حيث اشتهرت الامارات كاهم اسواق التصدير للؤلؤ كانت تلك تحقق ايراداً مهماً لتمويل ميزانيات الحكومات المحلية وتغطي احتياجات الحكام من ناحية اخرى. وكانت الضرائب والرسوم الجمركية التي يدفعها تجار اللؤلؤ إلى الحكام تمثل جزءاً اساسياً في ميزانيات الامارات آنذاك، اذ بلغت الرسوم والضرائب التي تفرضها السلطات المحلية على مصايد اللؤلؤ في الامارات بنحو 42 الف روبية في ابوظبي و20.9 الف روبية في دبي و20.5 الف روبية في الشارقة وهذه الضرائب يدفع جزء منها لحرس البلد بغرض توفير الامن والجزء الآخر من نصيب الحاكم.