أعرب مسئول اقتصادي عراقي بارز عن اعتقاده بأن الحصار الدولي المفروض على العراق منذ حوالي 11 عاماً سينتهي بالتآكل التدريجي. وقال الدكتور عصام رشيد حويش محافظ البنك المركزي العراقي في حوار خاص لـ «البيان» أمس عقب مشاركته في اجتماعات الدورة الخامسة والعشرين لمجلس محافظي المصارف المركزية ومؤسسات النقد العربية التي عقدت بأبوظبي أمس الأول قال ان مظاهر عديدة لتآكل هذا الحصار بدأت تظهر بالفعل من أبرزها تحسن الوضع الاقتصادي العراقي خلال العامين الماضيين واتساع علاقات العراق الاقتصادية مع الأقطار العربية بالدرجة الأولى خصوصاً بعد عقد اتفاقيات لإقامة منطقة حرة مع خمس دول عربية شملت تونس ومصر وسوريا والاردن واليمن. وأكد عصام رشيد بن حويش ان العراق لديه علاقات اقتصادية واسعة مع كافة الاقطار العربية ومنها دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية كاشفاً عن أن حجم التبادل التجاري بين العراق والسعودية بلغ خلال عام 2000 حوالي 700 مليون دولار مشيراً الى ان حجم التبادل التجاري مع دولة الامارات يتجاوز هذا الرقم. وأكد محافظ البنك المركزي العراقي ان العلاقات بين بلاده ودولة الامارات العربية المستجدة كانت دائماً أكثر من جيدة خلال فترات الحصار فموانيء الامارات ظلت منفذاً رئيسياً للعراق الذي يستورد من الامارات الكثير من السلع المصنعة محلياً أو التي ترد من أطراف ثالثة مشيراً الى ان الموقف العام للامارات سياسياً واقتصادياً يحوز رضا العراق معرباً عن ثقته بأن الشعور القومي لدى دولة الامارات رئيساً وحكومة وشعباً هو معين لشعب العراق وهو يواجه ازمة الحصار. وحول مصير الدينار العراقي بعد أن تراجع سعره مقابل الدولار الأمريكي ما يتراوح بين دولارين وثلاثة دولارات للدينار الواحد الى حوالي 2000 دينار للدولار حالياً وما اذا كانت هناك نية لاصدار عملة جديدة أقوى كما حدث بالسودان مثلاً قال عصام رشيد حويش ان هناك سيناريوهات عديدة لمستقبل العملة العراقية مفضلاً عدم الخوض فيها حالياً لأنها مازالت قيد الدراسة وتطبيقاتها في علم الغيب. وأكد ان الادارة المالية للاقتصاد العراقي نجحت في إحداث تباطؤ في معدل التدهور الاقتصادي وليس ايقاف كامل للتدهور معرباً عن اعتقاده ان مذكرة التفاهم التي أبرمت بين العراق والامم المتحدة لمقايضة النفط بالغذاء والدواء قد قلصت من حجم المشكلة الاقتصادية في العراق موضحاً ان الحل الوحيد للمشكلة يكمن في رفع الحصار الشامل والكامل لذلك فان العراق بعد مضي حوالي 11 سنة من فرض الحصار يرفض القبول بأي حلول جزئية ويرفض أية محاولة لتمييع الموقف. وحول السياسة العراقية في التحول من استخدام الدولار الى اليورو قال عصام رشيد حويش ان هذا التحول له جانبان سياسي واقتصادي يتمثل الأول في ان الولايات المتحدة الأمريكية استخدمت كافة الاسلحة المتاحة لها لمحاربة العراق بسبب ما نعتقده من مواقفه القومية ووجدنا أن من حقنا ان نستخدم السلاح المتوفر لدينا للضغط على الدولار الأمريكي في حين يكمن الجانب الاقتصادي من التحول في المراهنة على مستقبل اليورو الذي نعتقد بأن مستقبله سيكون أفضل وبالفعل بدأ العراق يحقق أرباحاً من عقود تم توقيعها منذ فترة باليورو. وفيما يلي نص الحوار الذي اجرته «البيان» مع محافظ البنك المركزي العراقي: ـ بعد مرور حوالي 11 عاماً من الحصار الدولي للعراق ما تقييمكم للوضع الاقتصادي في بلادكم في المرحلة الراهنة؟ ـ خلال فترة الحصار حدثت مظاهر متعددة في الاقتصاد العراقي تمثلت في فقدان الناتج المحلي الاجمالي لحوالي 45% منه بسبب ايقاف تصدير النفط الخام وتوقف الكثير من المشروعات الاقتصادية خصوصاً الصناعية منها بسبب صعوبات الاستيراد الصناعية وعدم توافر التحويلات الخارجية وتدهور عام في الاداء نتيجة الحصار وتجميد الارصدة العراقية بالخارج وعدم تمكنه من التصدير. كل ذلك بالاضافة الى الكساد العام في الاقتصاد وتوقف عجلته في كثير من القطاعات مما انعكس سلباً على الأوضاع النقدية والمالية فظهر لدينا عجز كبير في ميزانية الدولة يزيد عن 60% اضطررنا معه للاعتماد على التمويل بالعجز عن طريق الاقتراض من الجهاز المصرفي لذلك لم يكن امام البنك المركزي العراقي إلا ان يواصل عملية الاصدار النقدي بوتائر عالية فحدث عرض نقدي كبير مقابل شحة حادة في المعروض السلعي ناجمة عن توقف الاستيرادات وتعثر الانتاج حيث ادى ذلك كله الى تفاقم حالة التضخم حتى وصل الى اكثر من 60 الف كرقم قياسي لاسعار المستهلك. كما تدهور سعر الصرف مما يتراوح بين دولارين وثلاثة دولارات للدينار العراقي الواحد حتى اصبح سعر الدولار حوالي 2000 دينار عراقي. تباطؤ التدهور ـ وفي ظل هذا الواقع الاقتصادي الصعب الذي وصفته ما هي ابرز الخطوات التي اتخذت من قبل الجهات المختصة بالعراق لمجابهة هذه الظروف؟ ـ كان هدف الادارة المالية للاقتصاد العراقي في الفترة الماضية ايقاف هذا التدهور.. وقد نجحت بالفعل في احداث تباطؤ في التدهور وليس ايقافه.. ونحن نعتقد بأن اجراءات مثل مذكرة التفاهم بين العراق والامم المتحدة لمقايضة النفط بالغذاء والدواء قد قلصت من حجم المشكلة الاقتصادية في العراق إلا ان الحل الوحيد يبقى رفع الحصار الشامل والكامل لذلك نجد موقف العراق بعد مضي حوالي 11 سنة على فرض الحصار هو عدم القبول بأي حلول جزئية والعراق يرفض اية محاولة لتمييع الموقف مؤكدا انه لا بديل لرفع الحصار مع اعتقادنا الجازم بأن الولايات المتحدة الامريكية لن تدع مجلس الامن يعيد قراراً برفع الحصار مهما فعلنا ومهما ثبت من عدم توفر ما يدعى باسم اسلحة الدمار الشامل. ـ ولكن وسط هذا الوضع المتشائم ألا توجد اية بواد ايجابية؟ ـ البوادر الايجابية تتمثل في اننا نرى ان الحصار سينتهي بالتآكل التدريجي وهناك مظاهر كثيرة لهذا التآكل بدأت تظهر من ابرزها تحسن الوضع الاقتصادي العراقي خلال العامين الماضيين واتساع علاقاتنا الاقتصادية مع الاقطار العربية بالدرجة الاولى خصوصاً بعد عقد اتفاقيات لاقامة منطقة حرة بين العراق و5 دول عربية، شملت تونس ومصر وسوريا والاردن واليمن.. كما ان لنا علاقات واسعة مع كافة الاقطار العربية ومنها دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية فعلى سبيل المثال يبلغ حجم التبادل التجاري بين العراق والسعودية خلال عام 2000 حوالي 7000 مليون دولار ويتجاوز حجم التبادل التجاري مع الامارات هذا الرقم وان كان يصعب تحديده بدقة نظراً لتركزه بصورة اكبر عن طريق رجال الاعمال والقطاع الخاص في البلدين. ويستورد العراق من دول مجلس التعاون المنتجات البتروكيماوية والانابيب البلاستيكية للبلديات ولوزارة الزراعة بالاضافة لمواد صناعية اخرى. اكثر من جيدة ـ وما تقييمك لمستوى العلاقات الاماراتية العراقية عموماً وخصوصاً في المجال الاقتصادي والتجاري؟ ـ بلاشك كانت العلاقات بين العراق والامارات دائماً خلال فترات الحصار اكثر من جديدة. فموانيء الدولة كانت دائماً منفذاً رئيسياً للعراق. ونحن نستورد من الامارات الكثير من السلع المصنعة محلياً او التي ترد من اطراف ثالثة. والموقف العام للامارات سياسياً واقتصادياً يحوذ رضانا ونحن متأكدون من ان الشعور القومي لدى الامارات رئيساً وحكومة وشعباً هو معين لشعب العراق وهو يواجه ازمة الحصار. ـ وإلى أية مرحلة وصل القطاع المصرفي العراقي بعد سنوات الحصار؟ ـ اتجهت الدولة خلال فترة الحصار نحو تشجيع القطاع الخاص ومنه القطاع الخاص المصرفي ففي بداية عقد التسعينيات كانت لدينا مصارف حكومية فقط ولم يكن هناك اي مصرف خاص او اهلي. اما في الوقت الحاضر فلدينا 16 مصرفاً اهلياً أو خاصاً مملوكة للقطاع الخاص وستة مصارف حكومية فقط. ولا يوجد بالعراق مشروع لمصارف اجنبية وفقاً للانظمة المعمول بها منذ عام 1964. ومعظم التعاملات خارج نطاق الدولة في مجالات التجارة الخارجية تتم عن طريق المصارف الخاصة عبر فروعها التي تجاوزت 200 فرع منتشرة في انحاء العراق. كما تأسست اكثر من 400 شركة لممارسة الصيرفة والتحويل بين العملة الوطنية والعملات الاجنبية. وعموماً فقد تميزت سياسة الدولة خلال فترة الحصار بالمرونة وتم تعديل الكثير من القرارات والقوانين التي تحد من قدرة القطاع الخاص على التحرك ومن امثلة هذا التوجه شيوع استخدام العملة الاجنبية بالتعاملات وايفاء الالتزامات وممارسة النشاط الاقتصادي دون شرط او قيد. مراهنة على اليورو ـ لوحظ في الفترة الاخيرة اتخاذ العراق لقرارات تتعلق بالتوجه نحو التركيز على التعامل باليورو الاوروبي بدلاً من الدولار الامريكي. رغم ان اليورو لم يصبح بعد عملة حيوية للاستثمار او التجارة او كعملة في الشارع بدول العالم. فهل هذا الامر مدروس وغير سلبي على الاقتصاد العراقي؟ ـ قرارنا بالعراق في التحول من استخدام الدولار إلى اليورو له جانبان في الاول سياسي والثاني اقتصادي فبالنسبة للجانب الاول فيتمثل في ان الولايات المتحدة الامريكية استخدمت كافة اسلحتها المتاحة لمحاربة العراق بسبب ما نعتقده من مواقفه القومية والوطنية ووجدنا ان من حقنا ان نستخدم السلاح الذي يتوفر لدينا للضغط على الدولار الامريكي. اما الجانب الاقتصادي وهو الذي يضمن بحكم الاختصاص.. فأقول بأن هذا التوجه مراهنة على مستقبل اليورو فنحن نعتقد ان مستقبل اليورو سيكون افضل وبالفعل ففي بداية تحولنا نحو اليورو لحقت بنا خسائر ناجمة عن التذبذب والتدهور في سعر صرف اليورو ولكن حالياً نحن نحقق ارباحاً من عقود وقعناها باليورو عندما كان بحوالي 80 سنتاً والآن نجني الارباح عندما وصل لقرابة 90 سنتاً. وحاليا حسابات الدولة في العراق باليورو وحسابنا المعلق لدى الامم المتحدة يكون في معظمه باليورو. اما تعاملات القطاع الخاص فمازالت بالدولار الامريكي. ونتوقع تحول هذه التعاملات الى اليورو في العام المقبل.. ونحن بالفعل نراهن على اليورو. مصير الدينار ـ برأيك ما مصير الدينا العراقي بعد التراجع الكبير في قيمته.. وهل هناك نية لاصدار عملة جديدة اقوى كما حدث بالسودان مثلا؟ ـ هناك سيناريوهات عديدة لمستقبل العملة العراقية.. افضل عدم الخوض فيها حالياً مازالت قيد الدراسة وتطبيقاتها في علم الغيب.. ولكن بالتأكيد هناك تصورات لمستقبل العملة العراقية.. لانه كما تعلم فإن صحة العملة وعافيتها من صحة الاقتصاد وعافيته.. وانه مع خروج العالم من قاعدة الذهب فإنه لا توجد احتياطيات للعملات في العالم انها تعتمد على قوة الاصدار المصدر لها وعندما يستعيد الاقتصاد عافيته سينعكس ذلك على عملتنا الوطنية. حوار: عبدالفتاح منتصر