يشترط صندوق النقد الدولي ان يدفع كل بلد عضو عند انضمامه الى الصندوق مبلغا معينا من المال يسمى اكتتاب الحصة وهو نوع من رسوم العضوية. وتستخدم الحصص لاغراض متنوعة. اولا، هي مجمع من الأموال التي يمكن للصندوق استخدامها كمصدر لاقراض البلدان الاعضاء التي تواجه مشاكل مالية. ثانيا، هي معيار يحدد الصندوق على اساسه حجم ما يمكن للعضو ان يحصل عليه من قروض من موارده، او حجم ما يتلقاه دوريا من الاصول الخاصة المعروفة باسم «حقوق السحب الخاصة». ويعني ذلك ان حجم مساهمة العضو يتناسب مع حجم ما يمكن ان يقترضه من موارد الصندوق وقت الحاجة. ثالثا: تعتبر حصة البلد العضو اساسا لتحديد حجم قوته التصويتية. ويقوم الصندوق نفسه بتحديد حجم حصة العضو استنادا الى تحليل يجريه لثروته وادائه الاقتصادي، بحيث تزداد الحصة بازدياد ثروة البلد. وتجري مراجعة الحصص مرة كل خمس سنوات، ويمكن تعديلها بالزيادة او النقص وفقا لاحتياجات الصندوق، وللقدرة الاقتصادية للبلد العضو. وقد تطورت احكام الحصص منذ انشاء الصندوق حتى الآن ففي سنة 1945، ساهم 35 بلدا عضوا بحصص تساوي 7.6 مليارات دولار امريكي، وارتفع الرقم في 1992 الى اكثر من 200 مليار دولار امريكي. وتعتبر حصة الولايات المتحدة وحدها، وهي تمثل اكبر اقتصاد في العالم، اكبر الحصص، اذ تصل الى حوالي 18 في المئة من اجمالي الحصص (نحو 41 مليار دولار امريكي). اما اصغر الحصص فهي حصة «جزر مارشال»، وهي جمهورية جزيرة صغيرة في المحيط الهادي، وتبلغ حوالي 3.9 ملايين دولار امريكي. وقد استقر رأي الدول المؤسسة في عام 1944 على ان افضل سبيل لتأمين فاعلية الصندوق وموثوقية قراراته هو ربط القوة التصويتية للاعضاء ربطا مباشرا بمساهمتهم المالية في المؤسسة من خلال الحصص، بحيث يكون اكبر المساهمين في الصندوق هم اصحاب اقوى صوت في تحديد سياساته. ولذلك فإن الولايات المتحدة تمتلك اليوم حوالي 265000 صوت، أو نحو خمس اجمالي الاصوات، على حين تمتلك جزر مارشال 275 صوتا. تنظيم الصندوق يعتبر صندوق النقد الدولي في نظر الكثيرين مؤسسة ذات صلاحيات واسعة واستقلال كبير، ويفترضون انه يقرر افضل السياسات الاقتصادية التي يتعين على اعضائه اتباعها، ويملي هذه القرارات عليهم ثم يتأكد من تقيدهم بها. ولكن ذلك ابعد ما يكون عن الحقيقة. فالدول الاعضاء لا تنفذ قرارات الصندوق بل هي التي تملي عليه سياساته. وهذا يعني ان حكومات البلدان الاعضاء هي مصدر السلطة في الصندوق وليس العكس. فالصندوق حين يحدد التزامات الاعضاء تجاهه او يضع تفاصيل احد القروض مع احدى البلدان الاعضاء، لا يعمل بوصفه جهازا قائما بذاته، بل كوسيط بين ارادة اغلبية الاعضاء والبلد العضو المعني. ويمثل مجلس المحافظين جهاز السلطة العليا صندوق النقد الدولي، حيث يمثل كل بلد عضو في المجلس بمحافظ واحد يعاونه محافظ مناوب. وعادة ما يكون المحافظون ومناوبوهم من وزراء المالية او محافظو المصارف المركزية، لذلك فانهم يتكلمون رسميا باسم حكوماتهم. وتقدم لهم اللجنة المؤقتة المشورة بشأن عمل النظام النقدي الدولي، بينما تحيطهم لجنة التنمية المشتركة بين البنك الدولي وصندوق النقد الدولي علما بالاحتياجات الخاصة للبلدان الفقيرة. وحيث ان محافظي الصندوق ومناوبيهم يقومون بمسئوليات كبيرة في عواصم بلادهم، فإنهم لا يجتمعون إلا في مناسبة الاجتماعات السنوية لمعالجة امور الصندوق جماعيا في اطار رسمي. وخلال ما تبقى من العام، يبلغ المحافظون رغبات حكوماتهم بشأن اعمال الصندوق اليومية الى ممثليهم في مقر الصندوق بواشنطن، الذين يشكلون المجلس التنفيذي. ويجتمع المديرون التنفيذيون ويبلغ عددهم 24 مديرا تنفيذيا، ثلاث مرات اسبوعيا على الاقل في جلسات رسمية للاشراف على تنفيذ السياسات التي تضعها الحكومات الاعضاء من خلال مجلس المحافظين. ومن بين هؤلاء المديرين التنفيذيين يوجد ثمانية في الوقت الحاضر يمثل كل منهم بلدا واحداً، وهذه البلدان هي الصين، وفرنسا، والمانيا، واليابان، وروسيا، والمملكة العربية السعودية، والمملكة التحدة، والولايات المتحدة الأمريكية. وتنقسم بقية العضوية الى مجموعات يمثل كل منها مدير، يصل عددهم معا الى ستة عشر مديرا. ويندر ان يتخذ المجلس التنفيذي قراراته عن طريق التصويت الرسمي، اذ يعتمد اساسا على تكوين اجماع بين اعضائه. ومن شأن هذا الاسلوب ان يخفف الى اقصى حد ممكن من احتمالات الاختلاف بشأن القضايا الحساسة، كما يشجع على الاتفاق على القرارات التي تم التوصل اليها. ويبلغ عدد موظفي صندوق النقد الدولي حوالي 220 موظفاً، يرأسهم المدير العام، الذي يعمل ايضا كرئيس للمجلس التنفيذي. والمدير العام يعينه المجلس، وهو اوروبي وفق التقاليد المتبعة، او على الاقل غير امريكي (رئيس البنك الدولي امريكي حسب التقليد المتبع). وينتمي موظفو الصندوق الى حوالي 114 بلدا، والتخصص الغالب بينهم هو الاقتصاد، لكن منهم اختصاصيون في الاحصاء، وباحثون وخبراء في شئون المالية العامة والضرائب، ولغويون ومحررون، بالاضافة الى موظفي الادارة والسكرتارية. ويعمل معظم الموظفين في مقر صندوق النقد الدولي في واشنطن، لكن عددا قليلا منهم يعمل في مكاتب صغيرة في باريس وجنيف ومكتب الصندوق في مقر الأمم المتحدة بنيويورك، كما ان بعضهم يمثل الصندوق في بعض الدول الاعضاء في اطار مهام مؤقتة. وعلى عكس المديرين التنفيذيين الذين يمثلون مصالح بلد او بلدان معينة، فإن موظفي الصندوق هم موظفون مدنيون دوليون مسئولون امام جميع البلدان الاعضاء عن تطبيق سياسات الصندوق، ولا يمثلون اي مصالح وطنية. عمليات الصندوق يتعهد البلد العضو عند انضمامه الى صندوق النقد الدولي باطلاع سائر البلدان الاعضاء على الترتيبات التي يتخذها لتحديد قيمة عملته بالقياس الى عملات البلدان الاخرى، كما يتعهد بالامتناع عن فرض قيود على صرف عملته بعملات اخرى، وانتهاج السياسات الاقتصادية التي تؤدي بشكل بناء ومنتظم الى زيادة ثروته الوطنية وثروة جميع البلدان الاعضاء. ويلزم الاعضاء انفسهم باتباع قواعد السلوك المتفق عليها. وكما ذكرنا من قبل، فإن صندوق النقد الدولي لا يملك اي وسيلة لاجبار اعضائه على تنفيذ تعهداتهم، وإن كان يستطيع، بل ويمارس، ضغطا معنويا لتشجيعهم على الالتزام بالقواعد والانظمة التي وافقوا طوعا على مراعاتها. غير انه في حالة استمرار العضو في تجاهل التزاماته، يحق لكل الاعضاء الاخرين إعلان عدم اهليته للاقتراض من الصندوق، بل قد تلجأ الدول الاعضاء في نهاية المطاف الى الزامه بالانسحاب من المؤسسة. غير ان الوضع الطبيعي المسلم به هو ان العضو يرغب في التعاون قدر الامكان لتحقيق الأهداف العامة للصندوق (وإلا لما كان قد انضم اليه)، وان اي تخلف عن تنفيذ التزاماته العضوية، التي تعهد بها العضو اختيارا، انما يرجع الى عوامل خارجة عن السيطرة المباشرة للبلد العضو. وعلى ضوء تطوير احتياجات المجتمع الدولي، القت البلدان على عاتق صندوق النقد الدولي عبر السنين واجبات جديدة ومتنوعة، وبرهن الصندوق على مرونته الفائقة في اداء هذه المهام. فهو مكلف حاليا بمسئولية الاشراف على نظام تعاوني للصرف بين العملات الوطنية، كما يمنح القروض الى البلدان القائمة باعادة تنظيم اقتصاداتها حتى تستطيع ان تتعاون بشكل افضل داخل النظام. وعلاوة على ذلك يقدم الصندوق خدمات اخرى، تشمل المساعدة الفنية في مجالات متعددة، لمساعدة الأعضاء علي تنفيذ سياسات تعم فوائدها على جميع البلدان الاعضاء. ترتيبات الصرف تعهدت جميع البلدان لدى انضمامها الى الصندوق في السنوات الأولى لتأسيسه باتباع طريقة واحدة في حساب قيمة صرف عملاتها وفق ما كان يعرف بنظام القيمة التعادلية. وفي تلك الفترة كانت قيمة الدولار الأمريكي تتحدد على أساس ان أوقية الذهب الواحدة تساوي 35 دولاراً. ودعمت الحكومة الأمريكية هذا الوضع فكانت على استعداد دائم لاستبدال الذهب بالدولارات عند الطلب بالسعر المذكور. وتعين على كل البلدان عند انضمامها الى الصندوق تحديد قيم صرف عملاتها استنادا الى الذهب أيضا. وحيث ان المقدارين المساويين لثالث متساويان، فقد أمكن لأسباب عملية تحديد قيمة كل عملة بالقياس الى الدولار الأمريكي. وكانت البلدان الاعضاء تحافظ على قيمة عملاتها داخل هامش مقداره 1% على جانبي مستوى التعادل. وفي حالة شعورها بأن تغيير قيمة العملة سوف يفيد الاقتصاد، فإنه يتعين عليها قبل اجراء التعديل مناقشته مع أعضاء الصندوق الآخرين للحصول على موافقتهم قبل التنفيذ. وقد تمتع نظام القيمة التعادلية بميزة مهمة تتمثل في المحافظة على استقرار العملات وإمكانية معرفة قيمتها مسبقا، وساعد ذلك بشكل كبير عمليات الاستثمار والتجارة والسياحة على الصعيد الدولي. لكن مساويء النظام تبلورت على مر السنين، فقد كانت تجربة تغيير قيمة عملة بالنسبة لأي حكومة تجربة عسيرة ومحفوفة بالمخاطر السياسية، بل ان أي تغيير في القيمة التعادلية لاحدى العملات الرئيسية يكاد ان يرقى الى مستوى الازمة التي تؤثر على النظام النقدي بأسره. غير ان هذا النظام قد خدم العالم لمدة 25 عاما تقريبا، الى ان توقف العمل به في مطلع السبعينيات عندما ثبت ان احتياطيات الولايات المتحدة من الذهب لاتكفي لتغطية الطلب على الذهب مقابل الدولار، من جانب هولاء الذين رأوا ان دفع 35 دولارا مقابل أوقية من الذهب صفقة رابحة لاتقاوم. ومنذ التخلي عن نظام القيمة التعادلية، اتفق أعضاء الصندوق على السماح لكل عضو باختيار طريقته الخاصة في تحديد قيمة صرف عملته. ويشترط لذلك فقط ان يتخلى البلد عن الذهب كأساس لتحديد قيمة العملة، وان يطلع سائر الاعضاء على الأسلوب البديل المتبع. والواقع ان الاختيارات المتاحة حسب النظام الجديد واسعة ومتنوعة، فكثير من البلدان الصناعية الكبرى تسمح بتعويم عملاتها، أي ان أسعار عملاتها تتحدد وفقا للعرض والطلب في السوق، وهناك بلدان أخرى تقوم بربط قيم عملاتها بواحدة أو أكثر من العملات الرئيسية، بحيث ترتفع قيمة العملة المربوطة بالدولار مثلا مع ارتفاع قيمته. وهناك بلدان أوروبية كثيرة تحدد قيمة عملاتها في اطار نطاق محدد مسبقا للعملات الاخرى الداخلة في المجموعة الأوروبية. الرقابة قد يبدو للوهلة الأولى ان الانتقال من نظام القيمة التعادلية الى نظام الصرف المفتوح المتبع حاليا قد أضعف من نفوذ صندوق النقد الدولي ولكن ذلك غير صحيح، لأن الوضع الحالي يقتضي من الصندوق متابعة أعمق لسياسات اعضائه الاقتصادية التي تؤثر على قيمة العملات. وعند الانتقال الى النظام الحالي، طلبت البلدان الاعضاء من الصندوق ان يتجاوز في عمله قضية قيمة العملات، التي تعتبر في نهاية الأمر محصلة نهائية للسياسات الاقتصادية المتبعة، وان يقوم بدراسة كافة العوامل التي تؤثر على تحديد قيمة الصرف الفعلية في اقتصاد البلد العضو، وتقييم الاداء الاقتصادي لكل عضو بشكل صريح. ومجمل القول ان النظام الحالي اقتضى مزيدا من الشفافية في ايضاح السياسات الاقتصادية للبلدان الاعضاء، وأتاح للصندوق مجالا أوسع لرصد هذه السياسات، وهو ما يعرف في لغة الصندوق «بالرقابة»، أو الاشراف على سياسات الصرف المعمول بها لدى البلدان الاعضاء، ويستند الاشراف الى الاقتناع بأن قوة وتماسك السياسات الاقتصادية المحلية يؤديان الى استقرار أسعار الصرف، وبالتالي الى نمو الاقتصاد العالمي وازدهاره. اعداد: مصطفى عبدالعظيم