أصيبت أسواق المال العالمية على مدى تعاملات الأسبوع المنتهي 14/9/2001 بهبوط حاد لم تشهدها من قبل اثر الهجمات التي تعرضت لها الولايات المتحدة الأمريكية على مركز التجارة العالمي في نيويورك ومبنى البنتاجون في واشنطن وذلك يوم الثلاثاء الماضي الذي لقب «بالثلاثاء الأسود» لأسواق المال العالمية. ويعد مركز التجارة العالمي في نيويورك عصب المال والأعمال في الولايات المتحدة لذلك كان انهياره بمثابة انهيار للأسواق المالية سواء الأمريكية التي بادرت باعلان اغلاقها أو العالمية خاصة الأوروبية واليابانية التي تأثرت بشدة في شبه كارثة مالية لم تشهدها الأسواق منذ سنوات عديدة. وكانت أسواق المال العالمية قد بدأت تعاملات الأسبوع الماضي منخفضة نتيجة اعلان بيانات البطالة الأمريكية الأسبوع قبل الماضي وزيادة المخاوف من استمرار تباطؤ الاقتصاد الأمريكي ومن ثم الاقتصاد العالمي. ومالبثت الأسواق أن تستقر حتى اصيبت بكارثة «الثلاثاء الأسود» الذي أودى بمليارات الدولارات في العديد من المؤشرات العالمية التي كان أكثرها خسارة هو مؤشر فايننشيال تايمز الذي تبخرت منه نحو 98 مليار دولار في ساعات محدودة فور اعلان انباء التفجيرات، كذلك هوى مؤشر نيكي في بورصة طوكيو الى أدنى مستوى له منذ 17 عاماً، فيما ارتفعت أسعار الذهب والسندات نظراً للاقبال الشديد عليهما من قبل المستثمرين باعتبارهما ملاذاً آمناً ومستقراً وسط تدافع غير مسبوق من المتعاملين في أسواق المال العالمية على بيع الأسهم. وشهدت الأسواق نوعاً من الاستقرار النسبي خلال تعاملات الخميس الذي تميزت تعاملاته بالهدوء وذلك نظراً لانشغال الادارة الأمريكية بعمليات الانقاذ، لكن سرعان ما تبدد هذا الاستقرار فور اعلان الولايات المتحدة عن نيتها واعتزامها القيام برد عسكري على افغانستان في حال ثبوت إدانة حركة طالبان التي بادرت بأنها سوف تواجه أي هجمات أمريكية محتملة. ووسط هذه الأحداث تأثرت الأسواق بشدة عند اغلاق أمس الأول حيث هبطت اسعار الاسهم الاوروبية قرب ادنى مستوياتها في ثلاثة اعوام عند اغلاق أمس الأول مع اقبال المستثمرين على بيع اسهمهم خشية تهاوى اسعار الاسهم في وول ستريت التي ستستأف نشاطها غداً بعد الهجمات التي اذهلت الاسواق العالمية. وقال جون هيثرلي مدير صناديق الاستثمار في مؤسسة ام اند جي في لندن هناك الكثير من الامور التي لا يمكن التكهن بها. فاننا نحارب في الظلام. وهبط مؤشر يوروتوب الذي يضم اسهم 300 شركة اوروبية ممتازة بنسبة 5% الى مستوياته المتدنية التي بلغها في نوفمبر من عام 1998 بحلول موعد اقفال معظم البورصات. وهوى هذا المؤشر القياسي بنسبة 9% خلال الاسبوع ومعظم تلك الخسائر تقريبا تكبدها بعد الهجمات التي تعرضت لها الولايات المتحدة. وكانت المعنويات في المراكز المالية في اوروبا مفعمة بالكآبة مع توقف حركة التعاملات في بورصات المنطقة ثلاث دقائق في منتصف الجلسة الصباحية أمس الأول حدادا على ارواح الاف القتلى الذين لاقوا حتفهم في الهجمات على مركز التجارة العالمي في نيويورك ومبنى وزارة الدفاع في واشنطن. وعند الاقفال تهاوت اسعار الاسهم الممتازة في شتى القطاعات مع هبوط سهم شركة فيليبس الكترونيكس الهولندية بنسبة 13.2% ومجموعة فيفندي يونيفرسال الاعلامية الفرنسية بنسبة 12%. وكانت اسهم قطاع البنوك ايضا من بين اكبر الخاسرين مع تهاوي سهم بنك ايه.بي.ان. امرو بنسبة 11.8% وبنك بي.اس.سي.اتش. الاسباني بنسبة 9.8% وشركة ايجون الهولندية للتامين بنسبة 9.5%. وسوق الاسهم الامريكية مغلقة منذ اربعة ايام بعد الهجمات وهي اطول فترة تتوقف فيها عن العمل منذ الحرب العالمية الاولى. واذا نجحت تجارب التشغيل التي تجرى حالياً فستسأتنف سوق نيويورك للاسهم وسوق ناسداك وهما اكبر بورصتين في العالم نشاطهما الساعة 1330 بتوقيت جرينتش غداً. وقال متعاملون ان السوق تراجعت ايضا من جراء الشكوك المثارة ازاء الموعد الذي من المتوقع ان ترد فيه الولايات المتحدة على الهجمات الارهابية. وفي لندن سجلت بورصة لندن هبوطا شديدا أمس الأول بعد يوم كئيب وخسر مؤشر فيناننشيال تايمز المؤلف من اسهم 100 شركة بريطانية كبرى الجانب الاكبر من الانتعاش الذي حققه بعد وصوله لادنى مستوياته في ثلاثة اعوام عقب الهجوم. وساور المستثمرون القلق ازاء احتمال قيام الولايات المتحدة بعمل عسكري انتقامي واتجاه سوق وول ستريت عندما تستانف نشاطها غداً بعد اغلاقها اربعة ايام. وتسببت اسهم قطاعات البنوك والاتصالات والادوية في خسارة المؤشر اكثر من مئة نقطة فيما يدرس المتعاملون العواقب الاقتصادية والسياسية لاحداث الاسبوع الماضي. وهوى سهم شركة الخطوط الجوية البريطانية بنسبة 15.8% بسبب القلق ازاء تأثير الهجمات التي استخدمت فيها طائرات مختطفة على قطاع النقل الجوي الدولي. واغلق مؤشر فيناننشيال تايمز منخفضا 187.9 نقطة بنسبة 3.8% الى 4755.7 نقطة بعد ان هوى 200 نقطة في اتجاه ادنى مستوى له في ثلاثة اعوام البالغ 4651.8 نقطة الذي وصل اليه يوم الاربعاء. وهوى المؤشر المتضرر اصلا بسبب المخاوف من الركود قبيل تلك الهجمات بنسبة 24% تقريبا منذ بداية العام الجاري. وفي طوكيو ارتفع مؤشر نيكي الرئيسي للاسهم اليابانية عند الاغلاق يوم الجمعة لينهي تعاملات الأسبوع عند أعلى من مستوى عشرة الاف نقطة بعد تقارير اعلامية عن ان شركة ميكال لمتاجر التجزئة تخلت عن محاولة اعادة بناء نفسها وبدأت اجراءات اشهار افلاسها. وقال متعاملون ان هذه الخطوة من جانب شركة ميكال اثارت الامال في التخلص سريعا من القروض المتعثرة لدى البنوك. وقال هيدينوري كاراكي المدير العام لقسم الاسهم بشركة ميتسوبيشي بيرسونال لتداول الاوراق المالية ان السوق تمر بمرحلة تقييم اثر هذا النبأ من الناحيتين الايجابية والسلبية. لكن يبدو ان المستثمرين يعتبرونه علامة ايجابية يمكن ان تؤدي للاسراع بالتخلص من القروض المتعثرة لدى البنوك. وارتفع مؤشر نيكي القياسي السريع التأثر باسهم التكنولوجيا والمكون من اسهم 225 مؤسسة يابانية كبرى 395.80 نقطة اي بنسبة 4.12% الى 10008.89 نقطة في نهاية جلسة التداول. وزاد مؤشر توبكس الاوسع نطاقا 30.30 نقطة اي بنسبة 3.02% الى 1033.81 نقطة. وعلى صعيد العملات فقد هوى الدولار الى ادنى مستوياته في اكثر من ستة اشهر مقابل العملات الاوروبية والين عند نهاية تعاملات الأسبوع وسط تنامي التشاؤم. وتسبب تصاعد حدة القلق ازاء اداء الاقتصاد الامريكي بعد تلك الهجمات في تدافع المستثمرين على العملات الآمنة مثل الفرنك السويسري الذي قفز الى مستويات قياسية مقابل اليورو وبلغ اعلى مستوى له امام الدولار في ثمانية اشهر أمس. وقال بيتر مكتيج المتخصص في استراتيجيات أسواق السندات الحكومية في مؤسسة جرينتش كابيتال ماركتس «من الواضح ان المستثمرين الاجانب اصيبوا بالفزع وهذا ما ظهر في تراجع الدولار». ويعاني الاقتصاد الامريكي من تباطؤ حاد حتى قبيل الهجمات واظهرت بيانات اقتصادية اعلنت أمس الأول ان الانتاج الصناعي الامريكي تراجع للشهر الحادي عشر على التوالي منخفضا بنسبة 0.8% في اغسطس. وسعت البنوك المركزية لتخفيف حدة الاضطرابات التي تعانيها الاسواق عبر ضخ كميات كبيرة من السيولة الا ان القلق ازاء اداء اكبر اقتصاد في العالم يتنامى. كما يساور المستثمرون ايضا القلق ازاء ما سيجري غداً عندما تستانف اسواق الاسهم الامريكية نشاطها. وبضخ مجلس الاحتياطي الاتحادي «البنك المركزي الامريكي» لآخر دفعة من السيولة التي بلغت قيمتها اكثر من 81 مليار دولار الى الاحتياطيات المصرفية المؤقتة تكون البنوك المركزية العالمية الرئيسية قد ضخت اكثر من 270 مليار دولار في الاسواق المالية العالمية في اعقاب الهجمات. وابرم البنك المركزي الامريكي اتفاقات مقايضة مع البنكين المركزيين الاوروبي والكندي لمساعدة البنوك الاوروبية التي تأثرت بالكارثة الامريكية على الوفاء بحاجاتها من السيولة. وجرى تداول اليورو امام الدولار قرب مستوى 92.12 سنتا مرتفعا بنسبة 1.15% عن اقفاله السابق في الولايات المتحدة الا انه دون اعلى مستوى له قي ستة اشهر البالغ 92.48 سنتا طبقا لبيانات رويترز. ومقابل الين بلغ الدولار حوالي 117.08 ينا منخفضا بنسبة 1.50% من اغلاقه السابق في الولايات المتحدة. وجرى تداول الدولار مقابل الفرنك السويسري قرب 1.6221 فرنك منخفضا بنسبة 1.57% الا انه فوق ادنى مستوى له في سبعة اشهر والبالغ 1.6212 فرنك. وحقق الدولار الامريكي بعض المكاسب أمام الين أمس الأول لكن حركة التعامل ظلت بطيئة بينما استمر الغموض يلف رد فعل الاسواق الامريكية للهجمات عندما تستأنف نشاطها. وتمثلت المعاملات في تنفيذ أوامر فورية للمتعاملين وتعديلات المراكز من جانب المتعاملين بينما تتهيأ السوق لاعادة فتح بورصة الاسهم في نيويورك. وقال ياسوجي ياماناكا نائب المدير العام بشركة نيكو تراست اند بانكنج انه من المؤكد تقريبا ان الاسهم الامريكية ستنخفض عندما يعاد فتح الاسواق الاسبوع المقبل. لذلك فمن المحتم ان يتعرض الدولار لضغوط. لكن السوق اتسمت بالهدوء بينما قال المتعاملون انهم يشعرون ان من الخطأ من الناحية الاخلاقية ان يقبلوا على التعامل بينما تسود حالة من الحداد مختلف انحاء العالم. كذلك لا يريد الكثيرون المخاطرة بابرام صفقات قد تتعرض تسوياتها للخطر رغم ان العوائق التي تحول دون التسويات لا تذكر. بل ان رد فعل السوق اتسم باللامبالاة على أنباء تخلي شركة ميكال اليابانية لمتاجر التجزئة عن محاولة اعادة بناء نفسها والشروع في اجراءات اشهار افلاسها. وفي أواخر المعاملات أمس الأول بلغ سعر الدولار 119.01/119.06 ينا متراجعا عن 119.18 ينا وذلك بالمقارنة مع 118.85 ينا في أواخر المعاملات في الاسواق الخارجية. وفي أسواق المعادن النفيسة فقد قفزت اسعار الذهب في العقود الاجلة بقوة بعد ظهر أمس الأول لتصل الى 300 دولار للاوقية «الاونصة» في اول تعاملات تجريها بورصة السلع في نيويورك «كومكس» بعد الهجمات. وجرت التعاملات باستخدام نسخة جديدة من نظام اكسيس للتعاملات الالكترونية بعد ساعات العمل والذي سارعت السلطات بتشغيله بعد اغلاق كومكس وسوق نيويورك التجارية «نايمكس» يوم الثلاثاء. وكان من المقرر ان تستمر الجلسة حتى الساعة 17.00 بتوقيت شرق الولايات المتحدة لكنها توقفت بعد فترة وجيزة من بدء العمل لاسباب فنية. وفي البداية قفز سعر الذهب في العقود الاجلة لتسليم ديسمبر اكثر من 26 دولارا الى 300 دولار للاوقية «الاونصة» مسجلا اعلى مستوياته منذ 21 مايو تمشيا مع الاقبال على الذهب كملاذ آمن في لندن منذ هجمات الثلاثاء. لكنه ما لبث ان تراجع الى 290 دولارا ليكون بذلك مرتفعا 16.30 دولارا. وارتفع سعر الفضة في عقود ديسمبر في كومكس 10.7 سنتات الى 4.30 دولارات للاوقية. وقال متعاملون ان القلق المرتبط بالرد الانتقامي الامريكي على الهجمات الارهابية وتهديدات حركة طالبان الحاكمة في افغانستان بالثأر رفع اسعار الذهب والفضة والبلاتين والبلاديوم في اوروبا. وقال متعامل انه من الواضح ان القضايا المحركة للسوق تتمثل فيما يبدو انه رد امريكي وشيك على الهجمات من ناحية وتهديدات طالبان من ناحية اخرى. وفي نهاية المطاف تراجعت الاسعار واغلق الذهب في التعاملات الفورية على مستوى بلغ 285.30/287.30 دولارا. وحذت اسعار الفضة حذو الذهب واغلقت في التعاملات الفورية مرتفعة الى 4.26/4.29 دولارات للاوقية صعودا من 4.21/4.24 دولارات عند الاقفال السابق. كما اغلقت ايضا اسعار البلاتين والبلاديوم على ارتفاع اذ بلغت اسعار البلاتين في التعاملات الاخيرة 470/480 دولارا ارتفاعا من الاقفال السابق البالغ 451/459 دولارا. وبلغ سعر البلاديوم في التعاملات الاخيرة 455/465 دولارا ارتفاعا من اقفال يوم الخميس البالغ 445/455 دولارا. من جهة اخرى رد محللون في وول ستريت بغضب أمس الأول على تحذير مؤسسة ستاندرد اند بورز للتصنيفات الائتمانية من ان حالة عدم اليقين التي تسود بين المستثمرين بعد الهجمات على الولايات المتحدة ستحد قطعا من قدرة الاقتصادات الناشئة على الاقتراض من اسواق المال الدولية وربما تؤثر سلبا على بعض التصنيفات السيادية. وقال ارتورو بورزيكانسكي رئيس قسم استراتيجية الديون واقتصاديات الاسواق الناشئة في مؤسسة ايه.بي.ان. امرو «في وقت كهذا يكون من السهل للغاية اطلاق تصريحات استشرافية لكنني اجد ان مثل هذا الامر لا يتسم اطلاقا بتقدير المسئولية». وقالت المؤسسة في وقت سابق انها تراجع الخطط المالية الطارئة التي تتبناها حكومات دول الاقتصادات الناشئة ذات الحاجة الكبيرة للاقتراض من الخارج. وقالت ستاندرد اند بورز ان كلا من الارجنتين والبرازيل وتركيا ولبنان تواجه عجزا كبيرا في التمويل فيما يتعلق باحتياطات النقد الاجنبي. ومن الدول الاخرى المعرضة لخطر تقليص قدرتها على الاقتراض من اسواق المال الدولية كولومبيا والفلبين وجامايكا. ـ الوكالات اعداد: مصطفى عبدالعظيم