يبدو أن النظام المالي الياباني يقترب من حافة الانهيار وان الازمة المتعلقة بالسيولة والتي انتظرناها طويلاً قد حلت اخيراً. ويبدي المجلس الاحتياطي الفيدرالي الامريكي وبنك اليابان قلقهما المبرر ازاء الاخطار التي يجلبها هذا الوضع لان البنوك اليابانية قد تضطر الآن إلى بيع سندات الحكومة الامريكية التي تملكها منذ الثمانينيات عندما قامت تلك البنوك بتمويل العجز الكبير في الموازنة الامريكية. ان بقاء البنوك اليابانية بحد ذاته، وبخاصة البنوك الافضل اداء من الناحية التقليدية يعتبر في خطر، وبشكل مستقل عن هذه الازمة، فإن الحكومة نفسها التي تحاول انقاذ البنوك قد اطلقت العنان للنمر الوحشي الخاص بـ «الانفجار الكبير» للفوضى في السوق المحلية. اذن هناك ارتباك بهذا الشأن. فهل تريد الحكومة اليابانية للبنوك الضعيفة ان تبقى موجودة او تحاول انقاذ الاسطول كما فعلت من قبل؟ وفي تناقض واضح وعدت وزارة المالية بأنه لن يكون هناك المزيد من حالات الافلاس للمؤسسات المالية الكبيرة، مع ان «الانفجار الكبير» يعني بالضرورة البقاء للاصلح. ولكن في حقيقة الامر فإن هذا لا يهم فعندما تنهار البنوك اليابانية فانها ستنهار معاً. وتلك هي طبيعة العرف المالي الياباني. فالبنوك اليابانية تميل إلى تشكيل اتحاد فيما بينها لتمويل مشروعات كبيرة. وبالتالي لن يكون هناك بنك آمن تماماً اذا ما افلس احد البنوك الاعضاء في الاتحاد. ان احدى الطرق التي تعافت من خلالها البنوك ومؤسسات الادخار الامريكية بعد الازمة التي ألمت بها كانت عن طريق فصل الجيد عن الرديء. وفي الواقع انه لا يوجد هناك «بنوك جيدة» و«بنوك رديئة» في اليابان. وهذا مرده إلى حقيقة اذا اراد بنك جيد ان يشطب ديونه المعدومة ويفصل نفسه عن الاتحاد، فإن بنوكا اخرى ستهدد بأنها قد تنسحب من المشروعات التي يقودها البنك «الجيد». وهذا هو سلوك قطيع الذئاب. فالذئاب تتجمع للايقاع بالفريسة، ولكن في حالات الجوع المطلق، فانها تقوم فجأة بمهاجمة الفرد الاضعف في القطيع. وحتى الآن كانوا يأكلون واحداً تلو الآخر بدءاً من اسفل المراتب. لكن الوضع يعتبر اسوأ بكثير الآن. يصنف الاقتصاد الياباني بشكل رسمي الآن بانه اقتصاد «انكماشي» لان مؤشر اسعار المستهلكين انخفض خلال العامين الماضيين على التوالي. وهذا امر جدير بالثناء من وجهة نظر المستهلك. فاسعار السلع والخدمات في طوكيو كانت الاعلى من نظيراتها في كافة دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية. ويعتبر العمل على تخفيض هذه الاسعار إلى المستوى الطبيعي افضل نتيجة للاقتصاد المفتوح. والامر لا يعتبر انكماشاً وانما عودة في الاوضاع إلى طبيعتها في عالم بلا حدود. وفي ظل وجود معدل بطالة عال طوال الوقت يبلغ 4.8%، توقف المستهلكون عن انفاق الكثير وتصاعدت عصبيتهم ايضاً. غير انهم لا يشعرون بالخجل من شراء ما يرغبون حقاً في اقتنائه وما يرغبون بالفعل في القيام به مثل السفر إلى اوروبا للتسوق وتناول الوجبات الغذائية. غير ان الخيارات السياسية في الداخل الموجهة لتجنب انهيار كبير يبدو انها استنفذت، حيث فقدت وزارة المالية وبنك اليابان اللذان كان لهما مجدهما في يوم من الايام المصداقية في عقل الجمهور لتوجيه الاقتصاد عبر الطريق الزلقة التي تواجهه. والواضح ان اليابان ستنزلق إلى الاسفل اكثر من ذلك وربما تتعرض حتى للانهيار. ولكن حتى في هذه اللحظة، فإن بالامكان تجنب حدوث الاسوأ بشرط ان تكون الحكومة صادقة وتشرح الوضع لا للشعب الياباني فحسب وانما لباقي العالم ايضاً حيث ان هذه المسألة تعتبر ذات اهتمام وعواقب عالمية. وكبداية تملك حكومة اليابان اكثر من 4 تريليونات دولار اذا ما ارادت ان تسيّل اصولها المخفية والممتلكات الواردة في بيان الموازنة العمومية. وهذا المبلغ يعتبر اكثر من كاف لشطب جميع مشكلات اليابان، ويعتبر كافياً حتى لتغطية جميع الديون العالقة في آسيا. وبالاضافة إلى ذلك فإن المستهلكين في اليابان يملكون 12 تريليون دولار على شكل مدخرات شخصية و28 تريليون دولار على شكل اصول ثابتة. واليابان بخلاف جيرانها الآسيويين الآخرين الذين تضرروا بفعل الازمة المالية، لا تدين للآخرين بالمال. ومشكلة اليابان هي مشكلة داخلية محضة، وهي مثال بسيط على سوء الادارة. وهي لا تزال تملك قطاعاً استهلاكياً قوياً جداً وصناعات قوية ذات قدرات هائلة على التصدير. وفوق كل ذلك شعب مجتهد. وقد تفاقمت المشكلة لأن الحكومة حاولت ان تخفي الحقائق وتنقذ الصناعات الخاطئة على حساب دافعي الضرائب. ولو كانت لدينا الرؤية والارادة السياسيتين لكان اصلاح الوضع في اليابان مسألة بسيطة نسبياً. وملخصها هو ان ندع البنوك والشركات المفلسة تخرج من السوق وان نفتح الاقتصاد امام البنوك والشركات القادرة على المنافسة عالمياً. وفي خضم عملية اعادة الامور إلى طبيعتها في اليابان فان الاسواق الامريكية وغيرها من الاسواق ستهبط قليلاً لكن الانتعاش سيأتي سريعاً. واذن وبدلاً من المطالبة بقيام اليابان بانفاق المزيد على الاشغال العامة وايجاد فرص عمل بشكل مصطنع لجماعات المصالح الخاصة، فإنه يتعين على الحكومة الامريكية ان تعمل مع اليابانيين على تحسين نوعية الحياة باقل تكاليف المعيشة وذلك من خلال السماح للسلع والخدمات بالقدوم من اي مكان في العالم. ولسوء الطالع فإن طائرتي الجمبوجت مرتبطتان معاً بنظاميهما الهيدروليكيين. وتروس التحكم لدى الطيارين الامريكيين مرتبطة بجناحي طائرة الجمبو اليابانية والعكس صحيح. ولهذا، فإنه اذا قامت الحكومة اليابانية بتطبيق نصيحة جورج دبليو بوش لرئيس وزراء الياباني السابق يوشيوو موري التي تقضي بتنظيف الزوائد من المؤسسات المالية اليابانية، فإن من المتوقع ان تؤدي ازمة السيولة الناجمة عن ذلك إلى اعادة الاموال اليابانية المتجمعة في الولايات المتحدة إلى الوطن. الامريكيون قد يسمون ما يحدث «هروب رأس المال» واليابانيون قد يفسرونه بانه عودة مرحب بها للوطن. وبالتأكيد فإن هذه النتيجة لم تكن ادارة بوش تقصدها خاصة وانها ربما لا تزال غير معتادة حتى الآن على الترابط المالي المعقد بين اليابان والولايات المتحدة. ان ازدهار اسواق الاسهم والسندات الامريكية قد تحقق بفعل اجتذاب رأس المال من جميع انحاء العالم ومن خلال مطالبة حليفها الياباني في بعض الاحيان بتطبيق معايير لمحفزات اقتصادية مدمرة وحتى سعر فائدة لا يتجاوز الصفر. ومن الواضح ان هذه السياسة لا تملك مقومات البقاء وسيتعين وقفها. وبوجود طيار بارع فان الرحلة المضطربة ستنتهي في غضون بضع سنوات. وحالما يبدأ الاقتصاد الياباني بسحب الاسواق الامريكية إلى الاسفل، اثناء عودتها إلى طبيعتها، آمل بألا تتراجع ادارة بوش عن مطالبتها اليابان بترتيب بيتها الداخلي. ـ المدير الاداري لشركة اوهما وشركاه ومؤلف كتب عديدة حول العولمة والاقتصاد