جاءت فكرة جامعة الدول العربية بشكلها الحالي، ولايعرف أساسها حتى الان لوقف التعاون الاقليمي الجدي الذي انتهى قديما بتشكيل دولة كاملة كالولايات المتحدة الأمريكية والمانيا وايطاليا، كما انتهى حديثا بتشكيل اتحاد اقتصادي، بعد ان استطاعت أوروبا خلق تعاون جدي يطلق عليه حاليا «الاتحاد الأوروبي» الذي تشكل في ضوء نجاح السوق الأوروبية المشتركة وبعيدا عن الوحدة السياسية الكاملة حيث تحتفظ كل دولة بحدودها الاقليمية وسلطاتها المحلية وجيوشها العسكرية. ان فكرة جامعة الدول العربية نشأت للتشويش على فكرة «الولايات العربية المتحدة» التي كانت قد ظهرت الى الوجود في أوائل الاربعينيات بعد استقلال بعض الدول العربية، من بينها مصر ولبنان والعراق والاردن وسوريا، وبايحاء من الدول المستعمرة «انجلترا وفرنسا»، وهي الدول التي نظرت الى قرون مقبلة تستطيع فيها بناء مستقبل زاهر لمواطنيها وتعمير ما خربته الحرب، وذلك على حساب الدول العربية والدول النامية الاخرى التي استعمرتها. وقد ساعد على قيام جامعة الدول العربية والغاء فكرة الولايات العربية المتحدة ما يلي: ـ حسب السيطرة وغريزة التملك التي اتصف بها حينئذ الحكام العرب الذين كانوا يسيطرون على الدول العربية بمساعدة من الدول المستعمرة. ـ قيام جماعة وطنية لا قومية قادتها وطنيتها، الى ضرورة الاستقلال داخل الحدود الوطنية وعدم تجاوزها. ـ عدم مناسبة المناخ العربي لفكرة القومية العربية التي حمل لواءها حزب البعث العربي الاشتراكي منذ البداية والتي حاول جمال عبدالناصر دعمها بعد ان درس وقرأ الكثير عن أهميتها. ـ النزعة الاقليمية والعصبية التي سيطرت على بعض الفئات السكانية والتي أدت في البداية الى كراهية اقليمية وخلقت شبه عصبيات قبلية مازالت بعض المناطق العربية تعاني منها حتى اليوم. أقول قامت جامعة الدول العربية لمنع قيام «الولايات العربية المتحدة» ولم يكن في ميثاقها هدف اقليمي محدد للوصول اليه، وانما اعتقد قيامها على الاقتباس من الأهداف العامة التي نشأت الأمم المتحدة من اجل تحقيقها في مجال إقامة تعاون دولي ومنع المنازعات الدولية وفض الاشتباكات الاقليمية والمحلية، وفي ضوء ذلك انشأت جامعة الدول العربية منظمات عربية مشتركة اقتباسا وعلى نهج المنظمات الدولية المتخصصة والتابعة للأمم المتحدة. بدأت المنظمات العربية المشتركة بانشاء المجلس الاقتصادي والاجتماعي ثم مجلس الوحدة الاقتصادية العربية ثم المنظمات العربية المتخصصة التي يوفق عددها اليوم 22 منظمة، وكان ذلك استمراراً للدور المعيق لقيام تنظيم عربي اقليمي، ونشأت اتحادات ونقابات على المستوى الاقليمي لدعم التعاون العربي، كما قيل حينئذ، ولابعاده عن أي بناء قومي يمكن ان يؤدي الى اتحاد عربي كامل تكون له آليات مركزية يتحرك فيها كوحدة على المستوى الجماعي، وآليات فرعية تتحرك فيها كل دولة عربية على حدة. بذلك فإن ما تم تخطيطه للمنطقة العربية من البقاء المحلي والمشاحنات الحدودية المستمرة بين الدول العربية ساعد على قيام اسرائيل في هذه المنطقة وبناء على «وعد بلفور» الذي تم تنفيذه مثلما أرادوا، ومازالت الجامعة العربية تتحرك في اطار هذا التخطيط، لم يحدث تغيير ولاتطوير بالرغم من مرور نصف قرن كامل وانعقاد آلاف المؤتمرات العربية التي اجتمعت لبحث القضية الفلسطينية وتحويل التعاون العربي الى تنظيم اقليمي يقود الى سوق عربية مشتركة. ومن هنا فان الإدارة العربية الجديدة لجامعة الدول العربية والتي على رأسها عمرو موسى، مطلوب منها ثوب جديد ترتديه جامعة الدول العربية ولتحقيق ما يلي: أولا: ان يكون هناك هدف محدد للتعاون العربي الاقليمي حتى لايكون تعاوناً عشوائياً، هدف وحدوي أو اتحادي، قد لايكون في النواحي السياسية ولا العسكرية، ولكن يتعين أن يكون في النواحي الاقتصادية والاجتماعية حيث أصبحت في عصر اقتصاديات الحجم، وعلى ألا يبتعد كثيراً عما ورد في المادة الأولى من اتفاقية الوحدة الاقتصادية العربية والتي نصت على ان يسود المنطقة العربية، أو الدول العربية التي تنضم لجامعة الدول العربية، وحدة اقتصادية تحقق النواحي التالية: ـ حرية انتقال الأشخاص ورؤوس الأموال. ـ حرية تبادل البضائع والمنتجات الوطنية والاجنبية. ـ حرية الإقامة والعمل والاستخدام وممارسة النشاط الاقتصادي. ـ حرية النقل والترانزيت واستعمال وسائل النقل والمرافيء والمطارات المؤقتة. ـ حرية التملك والأيصاء والارث. ومن هنا فان المطلوب من جامعة الدول العربية في ثوبها الجديد ان تقوم بتنفيذ الوسائل الكفيلة بتحقيق هذه الأهداف، الوسائل التي تتفق مع المناخ الدولي والاقليمي الجديد والذي تساعد عليه المتغيرات التكنولوجية الدولية مع الاخذ في الاعتبار ظروف وحالةالسكان في الدول العربية بحيث يكون هناك تقارب في مستويات المعيشة بين هذه الدول وفي ضوء تكامل اقتصادي يتعين البدء به فوراً. ان ذلك يعني ان يتغير شكل مجلس الوحدة الاقتصادية وان تندمج فيه كل المنظمات العربية المتخصصة التي تعمل في المجال الاقتصادي العربي وفي مقدمتها صندوق النقد العربي والصندوق العربي للانماء الاقتصادي والاجتماعي، وبحيث يكون هناك مسئول واحد فقط من تحقيق الوحدة الاقتصادية العربية بما تضمه حاليا من منطقة التجارة العربية الحرة التي نشأت منذ ثلاث سنوات، وان يقود هذا الشكل الجديد إلى إقامة سوق عربية مشتركة تتحول فيما بعد الى سوق عربية واحدة ثم اتحاد عربي اقتصادي. ثانيا: ان تختص جامعة الدول العربية بالأمور العامة والمنازعات التي تنشأ بين الدول العربية وبعضها أو بينها وبين الخارج، وان يضم هذا الجناح الادارات العامة غير الاقتصادية وان تدمج فيه المنظمات العربية المتخصصة التي تبحث أموراً غير اقتصادية أيضا، كمجلس الدفاع المشترك والمنظمة العربية للدفاع الاجتماعي ضد الجريمة ومجلس الطيران المدني للدول العربية واتحادات اذاعات وتلفزيونات الدول العربية والاتحاد البريدي العربي والمؤسسة العربية للاتصالات الفضائية.. الخ. ويمكن ان تنضم اليها في ثوبها الجديد أمانة اجتماعات القمة العربية التي أصبحت دورية والتي ستتحمل عبء التجهيز لاجتماعات القمة ثم صياغة القرارات ومتابعتها، علماً بأن القمة العربية هي التي ستقرر مستقبل الشكل القانوني للجامعة العربية وهل ستكون بمثابة اتحاد فيدرالي أو اتحاد كونفدرالي ومدى سلطتها وهل يمكن ان تكون في شكل يقترب من الشكل الذي وصلت اليه الدول الأوروبية في إقامتها للاتحاد الأوروبي، وبذلك تقوم بمهام جديدة على غرار المفوضية الأوروبية التي تشرف على إدارة الاتحاد الأوروبي. انه اقتراح أعرضه على «الأمين العام الجديد واعتقد انه يتفق مع ما ذكره في حوار سابق مع جريدة الأهرام المصرية من انه يزمع إقامة إدارة جديدة وتنظيم جديد لجامعة الدول العربية ونرجو ان يؤدي ذلك الى ارتداء ثوب جديد وملابس جديدة. لقد فشلت الجامعة في جمع كلمة العرب حول سياسة عربية موحدة وظهر بوضوح عدم تضامنهم في معركة فلسطين وفي معارك اخرى عديدة، كما انها فشلت في تحقيق الوحدة الاقتصادية العربية التي وقعت اتفاقيتها عام 1957، وبالتالي أصبح الأمر يتطلب تنظيماً عربياً جديداً يعيد الحياة للمنطقة العربية يأخذ في اعتباره صالح الجميع ولايضحي بمصلحة بعض الفئات لصالح فئات اخرى، ويوقف الاستهزاء الذي جعل اسرائيل تقول انها تمثل نقطة مياه نظيفة وسط بحر من المياه القذرة. ان ما نريد الوصول اليه باختصار هو انشاء هيكل عربي كبير ـ قد يكون في شكل جامعة أو منظمة أو مفوضية ـ له أمينه العام وسلطات واسعة يستطيع بموجبها انشاء تنظيم عربي اقليمي ـ يخرج منه آليتين: آلية سياسية تحقق التعاون السياسي والعسكري المطلوب، وآلية اقتصادية تحقق السوق العربية المشتركة.. والله ولي التوفق. ـ مستشار بوزارة الاقتصاد المصرية