يواجه قطاع التأمين كغيره من القطاعات غير الحكومية نقصا حادا في عدد الموظفين المواطنين، والسبب الرئيسي لايختلف عن سواه من الاسباب التي تدفعهم الى العمل في القطاع الحكومي بدءاً من المغريات الوظيفية وصولا الى الرواتب والامتيازات الاخرى، ما يجعل المعادلة بين هاتين الجهتين صعبة خاصة في ظل غياب السياسات والاستراتيجيات الصحيحة من جهة، وغياب التنسيق والاهتمام من جهة اخرى، فالسواد الأعظم من الشباب اليوم يحاول الحصول على الوظائف الآمنة التي تسمح لهم الوصول الى المراكز العليا من خلال التدرج الوظيفي. لقد باتت معظم أسباب «الهرولة» نحو القطاع الحكومي معروفة، إلا ان موضوع التوطين في بعض المؤسسات الخاصة لايمكننا تجنب الحديث عنه نظرا لما يشكله من أهمية على المديين القريب والبعيدوانعكاساته على مستقبل الاقتصاد الوطني، لأن تلك المؤسسات تشكل العمود الفقري له. ولاتقل مسألة التوطين في مجال التأمين أهمية عن المصارف أو السياحة.. على الرغم من أن هذا الموضوع لم يتم التطرق اليه بجدية كالتي حظيت بها المصارف، مع العلم ان التأمين علم قائم بحد ذاته يدرس في أرقى الجامعات في العالم، ولكن ما وجدناه «غريبا» خلال محاولتنا التطرق الى هذه المسألة كما تطرقنا الى مسائل مشابهة مثل المصارف والفنادق، هو ان معظم شركات التأمين العاملة في الدولة وعلى اختلاف جنسياتها حاولت التملص من الرد على اسئلتنا إذا لم نقل انها رفضت الحديث لأسباب لم تكن مقنعة أو «لغاية في نفس يعقوب» كما وصف الأمر بعض المتابعين. ولكن الأمر لم يتوقف عند هذا الحد، فالمفاجآت كانت تتكرر كلما حاولنا الوقوف على رأي بعض المواطنين العاملين الذين اختاروا التأمين مهنة لهم، نجد ان حالات طرد لمواطنين الاماراتيين تتكرر، أو ان الأبواب توصد في وجه البعض منهم دون أي مبررات، وذلك على حد قول بعض الذين واجهتهم هذه المشكلة على الرغم من ان المواطنين العاملين فيه لايتجاوزون في أفضل الحالات حدود 1%. وفي إطار البحث في هذا الملف التقت «البيان» بعض المدراء العاملين في شركات تأمين بدبي في محاولة منها للوقوف على الأسباب التي تؤدي الى ذلك. يقول أحمد محمد أمين الكاظم العضو المنتدب والمدير العام للشركة العربية الاسكندنافية للتأمين: ان مجال التأمين يحتل مكانة بارزة بين القطاعات الاقتصادية الاخرى، وهو يأتي في المرتبة الثانية بعد المصارف لجهة الأهمية الاقتصادية الوطنية وإدارة رؤوس الأموال، وبالتالي لابد من وضع استراتيجية طويلة الأمد تقوم بالدرجة الأولى على التوعية والتوجيه خصوصا في المراحل التعليمية التي تسبق الانتساب الى الجامعات. ويضيف «ان الشباب المواطن يتحمل أيضا جزءا من المسئولية لعدم إبداء رغبتهم بالدرجة الأولى للعمل في القطاع الخاص والتوجه لاشعوريا نحو القطاع الحكومي الذي بات يعج بالكثيرين منهم، بالاضافة الى عدم إلمامهم بمدى أهمية العمل في قطاع التأمين الذي يؤمن لهم بدوره حوافز مهمة لايعلمون بها». ويرى الكاظم انه يتوجب على هؤلاء، عدم المبالغة في الاتكال على العمل في الدوائر الحكومية لتخفيف الضغط عنها، في حين ان العمل في قطاع التأمين يعتبر فرصة لتغيير أسلوب العمل وطريقته، كما انه يؤمن مستقبلهم. ويذكر الكاظم في هذا الاطار بقرار «اللجنة العليا للتأمين» تفرض على شركات التأمين تعيين 10% من المواطنين فيها لكن المشكل ان الغالبية من هؤلاء سواء الخريجين أو حملة الثانوية يعملون لفترة وجيزة ثم يتركون العمل دون سابق انذار». ويتابع «ولكن في اعتقادي ان من أهم العوامل التي تتسبب في نشوء مثل هذه المشكلة هي فترة العمل اليومي حيث ان عدد ساعات العمل اليومي في القطاع الخاص أكثر منها في القطاع العام. ويضيف العضو المنتدب ومدير عام العربية الاسكندنافية للتأمين ان هناك تعاوناً بين الشركة والجهات الحكومية المختصة مثل وزارة العمل ومعهد الامارات للدراسات المصرفية والذي ينظم دورات تأهيلية للموظفين في مجال التأمين. ويأسف الكاظم لتدني أعداد المواطنين العاملين في الشركة حيث يبلغ عددهم 7 أشخاص من أصل 62 عاملاً، كما يخشى ان يترك هؤلاء المواطنون السبعة أيضا للعمل لدينا. على صعيد آخر، يقول كاظم ان أوضاع سوق التأمين الحالية تشهد بعض التقلبات مما ينعكس في أحيان كثيرة على أرباح الشركات التي تشهد بدورها تقلبات، فعلى سبيل المثال ان الأرباح السنوية للاسكندنافية للتأمين تشهد في بعض الاحيان تراجعا، الا انها تتحسن في احيان أخرى. أما فيما يتعلق بالاسباب الرئيسية التي تسبب الخسارة لشركات التأمين فإن الكاظم يرجع السبب الى تكاثر حوادث السيارات، مشيرا الى ان العربية الاسكندنافية للتأمين قد حققت نتائج ايجابية خلال العام 2001 مقارنة بالعام 1999 إذ بلغت الارباح الصافية حوالي 3.08 ملايين درهم. ويعتبر عبدالمطلب مصطفى محمد المدير العام لشركة عمان للتأمين ان القطاع الخاص العمود الفقري لأي اقتصاد وطني نظرا للدور الحيوي ومساهمته الايجابية في النمو والازدهار، كما انه يشكل مستقبل الافراد فهو يعطي فرصة للابداع والتطور في القطاع الحكومي ويتركون القطاع الخاص لتسيطر عليه الجنسيات الأخرى. ويضيف ان «عمان للتأمين» جربت أساليب عدة لاستقطاب الشباب المواطن وقد نشرت اعلانات في الصحف والمجلات الصادرة في دولة الامارات لهذه الغاية، كما أعلنت عن عدد من الوظائف الشاغرة لديها وأعطت الافضلية للمواطنين، الا ان أحدا منهم لم يتقدم بطلب للعمل في مكاتبنا. ويقول: «أعتقد ان من الدوافع التي جعلت الشباب لا يرغبون في العمل في القطاع الخاص هو عدم وجود الرغبة وروح المغامرة لديهم بالاضافة الى تهربهم من المسئولية بالدرجة الأولى، أضف الى ذلك أسباب أخرى منها تدني الرواتب الشهرية وعدم وجود حوافز اخرى تشجع على ذلك، كما ان فترة العمل اليومية أطول من الفترة المعمول بها في القطاع الحكومي.. مع الاخذ بالاعتبار ان الشباب يبحثون دائما عن الوظائف السهلة والتي تكون ساعات العمل فيها قصيرة وتقدم امتيازات متعددة. ويضيف عبدالمطلب انه من خلال التعاون القائم بين الشركة ووزارة العمل والشئون الاجتماعية لتعيين المواطنين لاحظنا ان معظم الذين تقدموا بطلبات توظيف يحملون شهادات في اختصاصات بعيدة عن مجال عملنا وأغلبهم يحمل شهادات في علم الاجتماع أو الفلسفة مما لا يمكنهم من العمل في أقسام الشركة المختلفة لعدم تناسب مؤهلاتهم العلمية بالوظائف المتوفرة في الشركة والتي تركز على الادارة والمحاسبة والاقتصاد والقانون والهندسة. وتقوم الشركة بتنظيم دورات تدريبية داخلية وخارجية للموظفين بهدف زيادة مهاراتهم الوظيفية ويساهم في تجذرهم بوظائفهم. ويشير عبدالمطلب الى ان 10 مواطنين فقط كانوا يعملون لدى شركة «عمان للتأمين» من أصل 220 موظفا، ثم بدأوا يتناقصون ليتدنى عددهم الى 3 أشخاص، والسبب الرئيسي لذلك يعود الى عدم استعدادهم لتحمل المسئولية والمساءلة التي تتميز بها القطاعات الخاصة، والتي تهدف الى زيادة الانتاجية بعكس القطاعات الحكومية التي قد يتم فيها في بعض الاحيان «غض الطرف» إذا لم يكن هناك انتاجية بالمستوى المطلوب. وحاولت «البيان» في هذا التحقيق الوقوف على تجربة بعض المواطنين الذين عملوا في هذا القطاع، كما تطرقنا الى إحجام البعض الآخر عنه وخصوصا أولئك الذين تخرجوا حديثا من الجامعات، ولكن يبدو ان هناك نقاط عديدة مشتركة تقاطعت مع آراء الشركاء وخصوصا فيما يتعلق بالرواتب الشهرية والحوافز الاجتماعية الاخرى التي تتوفر بشروط أفضل بكثير من القطاع العام، في حين ان شريحة كبيرة من الشركات في القطاع الخاص لن تستطيع استقطابهم للأسباب آنفة الذكر. وتقول سوسن حسن الصفار التي تعمل في احدى شركات التأمين انها قد عملت سابقا في شركة للتأمين لكن مستوى الرواتب المتدني وعدم توفر الحوافز الأساسية الأخرى ولو بالحد الأدنى منها، بالاضافة الى سوء المعاملة قد أجبرها على الاستقالة أدخلها في دوامة البحث عن حقوقها، التي حصلت عليها بعد طول عناء، حيث أمضت وقتا طويلا في المحاكم لانتزاعها ولكن بعد سنتين من تاريخ تركها للعمل. وتضيف: «بالفعل عانيت كثيرا من جراء عدم قبول الشركة الاستقالة وأصبت بنوبة من الاحباط جراء ذلك». وتقول ان الشركة المعنية قد ادعت بأنها قامت بتدريبي وتأهيلي للقيام بهذا العمل، وبالتالي لا يمكن التخلي عني بهذه السهولة، لكن ذلك لا يعني انني يجب ان أبقى فترة طويلة مرتهنة لها في ظل ظروف عمل لا أحبذها، خصوصا ان استمراري معها سوف يكبدني الكثير من الخسائر بالاضافة الى انني لا أشعر بالأمان معها. وتتابع سوسن: «ان العمل في قطاع التأمين بشكل خاص وفي القطاعات الاخرى بشكل عام يكسب الفرد الكثير من الخبرات منها فن التعامل مع الآخرين وتنمية القدرات الثقافية والاجتماعية مع الاخذ بالاعتبار اننا بتنا جزءا من مجتمع قائم على الاعمال ويواكب وتيرة الحياة المتسارعة نحو عالم يتميز بالاعتماد على التقنيات الحديثة بشك اساسي». وتستطرد «ولكن نحن المواطنين العاملين في هذه القطاعات نواجه صعوبات متعددة خاصة المنافسة غير الشريفة من قبل البعض. والمحاربة المستمرة التي تكاد تكون يومية من قبلهم، وفي المقابل نرى ان المزايا المتوفرة في القطاع الحكومي ومنها الرواتب المرتفعة نسبيا وفترة العمل بنظام النوبة الواحدة جعلت المواطنين يفضلون العمل في هذا القطاع دون سواه على سبيل المثال لا الحصر القطاع المصرفي والذي يتميز بتدني الرواتب ساعات العمل الطويلة». وتقول سوسن ان عملية التوطين في القطاعات الاخرى عامة وقطاع التأمين خاصة شبه عقيمة وهناك فوضى في قوانينها وتلاعب ملحوظ، لذا نناشد الجهات المعنية البدء بتوجيه تعليماتها وزيادة دورها الرقابي، والعمل على توفير مناخ مناسب للعمل في هذا القطاع يقوم على ايجاد حوافز مشجعة مثل الضمان الاجتماعي وغيره». من جهتها تقول آمنة ابراهيم حسن وهي تعمل ايضا في قطاع التأمين «لقد حاولت ان اعمل في المؤسسات او الدوائر الحكومية الا انني لم اوفق في ذلك، وتبين لي انه على ان انتظر طويلا لاتمكن من ذلك وان الامر قد يستغرق اكثر من عام، ونظراً لحاجتي الماسة للوظيفة توجهت للقطاع الخاص، وعلى الرغم من ذلك اذا توفرت لي فرصة للعمل في القطاع الحكومي لن اتردد بقبولها من دون تردد اذا تم حصولي على وظيفة مناسبة في القطاع الحكومي لن اتردد، فالضمانات المتوفرة له مغرية مقارنة بما انا عليه الآن. وتضيف «اتمنى بالفعل من ان يحظى القطاع الخاص بالاهتمام اللازم وايجاد القوانين والحوافز المناسبة لتشجيع الانضمام اليه والتخفيف عن كاهل الحكومة فيما يتعلق بايجاد فرص العمل المناسبة لكل مواطن. وعلى الرغم من النقص الفادح لعدد المواطنين العاملين في القطاع الخاص وفي شركات التأمين بالتحدي، يمكن في الوقت ان نرى امورا لا تسير في الاتجاه الصحيح وتصب في مصلحة التوطين في تلك القطاعات، كان يحصل بعض حالات طرد لموظفين مواطنين من شركات تأمين من دون مبرر سوى ان الشركة المعنية تريد الاستعانة بغير مواطن على الرغم من ان عدد المواطنين العاملين لديها يكاد لا يذكر، وهذا ما حصل بالفعل مع احد المواطنين الذين توجهوا إلى مكاتب البيان لعرض مشكلته. ويشرح المواطن سعيد المعمري مشكلته قائلا انه كان يعمل لدى احدى شركات التأمين في دبي والتي استغنت عن خدماته من دون سابق انذار او حتى شرح الاسباب الاساسية لطرده من العمل مما دفعه إلى الالتجاء إلى المحاكم للفصل في هذه القضية، ويضيف انه رب اسرة يعيل زوجته خصوصا نحن على ابواب المدارس والاستعداد لهذا الفصل يترتب عنه تكاليف باهظة، ويتساءل كيف له ان يلبي احتياجاتهم بعدما تم طرده من عمله؟ ويقول المعمري: عملت في شركة التأمين لمدة خمس سنوات التحقت خلالها بعدد من الدورات التدريبية التي تقيمها معهد الامارات للدراسات المصرفية خصوصا اللغة الانجليزية واستخدام الكمبيوتر، واستفدت كثيرا من وظيفتي في الشركة في قسم المطالبات واكتسبت مهارات عدة مثل فن التعامل مع الآخرين، ولكني اصبت بنوبة بالاحباط عندما اعلمت بقرار الاستغناء عن خدماتي في الشركة، واصررت على معرفة السبب، لكن الادارة امتنعت عن التعليق على الموضوع واكتفت بالجواب التالي نظراً لاعمال التطوير التي تقوم بها الشركة قررنا الاستغناء عن خدماتك. ويتابع متسائلاً لا ادري اين هي القوانين الخاصة التي تقول ان على شركات التأمين تأمين نسبة 10% من عدد موظفيها من المواطنين في هذا القطاع، ومن هذا المنطلق تبرز قضية تلاعب تلك الشركات بتلك القرارات تحت حجج واهية لكي تتمكن من استخدام عمالة لا تكلفها الكثير ضاربة عرض الحائط بالقرارات الحكومية. مستغلة دور الرقابة الفاعلة في هذا المجال، مما يفسح الطريق امام المنافسة من قبل العمالة الاجنبية ويجعلها معدمة بالنسبة للمواطنين». ويطالب المعمري بضرورة ايجاد قانون صارم يردع هؤلاء من الاساءة او التحكم بالمواطنين العاملين في القطاعات الخاصة، وعدم الاتكال على الوظائف الحكومية والابتعاد عن القطاعات الخاصة وتركها في يد الغير، حيث ان الرجال اكثر قدرة في تحمل طول ساعات العمل الذي تتميز به القطاعات الخاصة، كما ان ظروف الرجال اكثر قدرة في تحمل طول ساعات العمل الذي تتميز به القطاعات الخاصة، كما ان ظروف المرأة كقيامها بدورها وواجباتها الاسرية تحول دون التحاقها للعمل في الشركات الخاصة. ويرفض محمد حسن علي طالب وهو موظف في مصرف الامارات الدولي بشدة العمل في قطاع التأمين، بسبب القوانين التي تتبعها شركات التأمين إلى جانب وجود الروتين اليومي الذي يعطل من تقديم الموظف فكرة جديدة تواكب العصر او حتى الابداع في وظيفته. ويضيف ان من الاسباب التي دفعت الشباب إلى تفضيل العمل في الدوائر الحكومية هي ساعات العمل القصيرة والرواتب العالية على عكس القطاعات الخاصة التي تنتهج سياسات مغايرة في شأن ساعات العمل ورواتب العاملين فيها، كما ان الشركات الخاصة قد تواجه الخسارة في اي وقت فيخشون العمل فيها. اما سيد عبدالله الذي ينتظر الفرج في صفوف العاطلين عن العمل والحصول على وظيفة سواء في الدوائر الحكومية او الشركات الخاصة والتي يقصدها من عدة سنوات من دون جدوى فيقول «نلاحظ ان القطاع الخاص تسيطر على العمل فيه بشكل عام العمالة الوافدة، كما ان مسألة التوطين في القطاع الخاص تفتقر إلى سياسة محددة، فمكاتب التوظيف لا تمتلك الخبرة الكافية في شأن مسألة التوطين الذي حظى باهتمام ملحوظ من قبل الهيئات المعنية ووسائل الاعلام المختلفة. ويتابع لقد عملت في شركات كبرى في بريطانيا لعدة سنوات واكتسبت مهارات عدة في تلك الاثناء اضفتها إلى خبرتي الواسعة التي امتلكها، وبعد عودتي إلى الدولة قصدت عدة شركات خاصة ومصارف لكن لم اجد اذانا صاغية، ورد فعل ذلك سوف تكون قاسية على خصوصا اذا ما بقيت الابواب موصدة على هذا النحو. تحقيق: أمينة الزرعوني