لن يكون تحديد الخسائر المالية التي ترتبت على تفجيرات الثلاثاء الماضي في واشنطن ونيويورك امراً سهلاً. إلا ان من المنطقي في كل الاحوال ان ينتهي الامر بحصر فاتورة هذه التفجيرات على نحو أو آخر. فما يدفع يحسب، ليظهر في نهاية المطاف رقم واضح ومحدد لمجموع ما ستتكبده الشركات والمؤسسات الفيدرالية كي تعيد الامور الى ما كانت عليه قبل ذلك الثلاثاء الذي لن ينسى. الامر الذي يصعب حسابه مع ذلك هو الخسائر غير المباشرة التي نجمت عما حدث. فإذا وضع البعض فاتورة تفجيرات الثلاثاء ـ المباشرة ـ عند رقم 35 مليار دولار كما يتردد الآن، فإن الفاتورة اللاحقة ستزيد على ذلك كثيرا، كما ان رصد ارقامها سيكون امرا بالغ الصعوبة بحق. ذلك ان تفجيرات الثلاثاء جاءت في مرحلة عانى خلالها الاقتصاد الامريكي من تباطؤ متزايد دفع به الى حافة الركود. ويتفق ابرز الخبراء الاقتصاديين الامريكيين على ان تفجيرات الثلاثاء ستدفع بهذا الاقتصاد من فوق هذه الحافة. اذ لم يكن الامر يحتاج الى جهد كبير على اي حال. فمعدل نمو الناتج المحلي الاجمالي في الولايات المتحدة خلال الربع الثاني من العام لم يتجاوز 0.2%. وبعد احداث الثلاثاء تشير التوقعات السائدة الى ان معدل النمو هذا سيتراجع بنسبة 0.5% ويعني ذلك ان الحصيلة النهائية خلال الربع الثالث، وربما الرابع ايضا ستكون ذات اشارة سالبة. اي ان ذلك سيكون بمثابة اعلان رسمي عن بدء الركود الاقتصادي في الولايات المتحدة. ولا يمكن افتراض ان مؤشر ثقة المستهلك ـ بعد احداث الثلاثاء ـ سيقفز قفزة ايجابية مفاجئة، اذ ان العكس بالضبط هو المتوقع وذلك على ضوء قلق الامريكيين من العملية الانتقامية المتوقعة، ومن التبعات التي ستليها. إلا اننا لو افترضنا ان مؤشر ثقة المستهلك سيبقى على ما كان عليه يوم الاثنين السابق للتفجيرات فإن ذلك يكفي لتوقع المزيد من التراجع في اداء الاقتصاد الامريكي. ذلك ان ارقام المؤشر في اغسطس كانت تشير الى ما يشبه الدوران للخلف. مبيعات السيارات تراجعت، ومبيعات المنازل في الشهر الممتد من 10 اغسطس الى 10 سبتمبر، اي قبيل انفجارات نيويورك وواشنطن تراجعت بدورها. ويرجع ذلك في المقام الأول الى افتقاد المستهلك الامريكي للثقة في استقراره الوظيفي، اي في بقاء الشركة التي يعمل بها مفتوحة الأبواب من الاصل. ويعني ذلك ان مؤشر ثقة المستهلك كان مرشحا ـ قبل الثلاثاء ـ للتراجع. فإذا اضيف الى ذلك ان احداث الثلاثاء ستلحق اضرارا ضخمة ـ يتوقعها المراقبون من الآن ـ بقطاعي السياحة والسفر، فإن ذلك يعني انه لا مفر امام هذا المؤشر من الانزلاق إلى ادنى مما كان عليه. فثمة مدن ومنشآت وفنادق تعتمد بصفة اساسية على هذين القطاعين. ويعني تراجع نشاطهما انخفاض عدد العاملين فيها، ومن ثم زيادة ارقام البطالة التي كانت قد وصلت قبل ايام من احداث الثلاثاء الى اعلى مستوياتها على امتداد السنوات الثماني الماضية. ولكن كيف يمكن قياس الخسائر التي ستلحق بقطاعي السياحة والسفر من جراء احداث الثلاثاء، ليس ثمة طريقة لقياسها، فضلا عن انها لا تدخل اصلا في بنود الفاتورة المباشرة لتلك الاحداث. انها ستلحق ببنود الفاتورة التالية التي تضم كل الخسائر غير المباشرة التي نجمت عن مأساة ذلك اليوم الدامي. وبالاضافة الى الارقام التي نشرتها وكالات الانباء عن الخسائر المتوقعة لشركات التأمين والتي تبلغ ما يتراوح ما بين 10 الى 15 مليار دولار، فإن القطاع المالي سيتكبد خسائر اخرى ـ غير مباشرة ـ ستزيد على ذلك كثيرا. فهناك مشكلة عجز شركات كثيرة الآن ـ بعد ان فقدت طاقمها او اغلب عناصره ـ عن مواصلة العمل بنفس الكفاءة. مدراء هذه الشركات يقولون ان من الصعب عليهم استئناف عملياتهم بدون هؤلاء الموظفين الذين راكموا خبرة طويلة بالمستثمرين والعملاء وبالحركة اليومية للاسهم، وبدون مكاتب، وبدون ملفات.. بلاشيء تقريبا. ويقول المختصون في الولايات المتحدة ان ما لوحظ قبل احداث الثلاثاء من خروج تدريجي عن نطاق الدولار الى نطاق اليورو، ومن تراجع في حجم التدفقات الاستثمارية الى الولايات المتحدة، ومن تزايد عمليات بيع سندات الخزانة الامريكية، لابد ان يستطرد بسرعة اكبر بعد هذه التفجيرات المروعة. صحيح ان وزير الخزانة بول اونيل مصّر على الابقاء على سعر صرف الدولار مرتفعا. وصحيح ايضا ان حاكم الاحتياطي الفيدرالي آلان جرينسبان مستعد لضخ اطنان من الدولارات الى النظام المصرفي على امل انعاش سوق الاوراق المالية، ولكن ذلك لن يؤدي الى نتائج تذكر. فالاساس هو الاداء الاقتصادي. اذا كان هذا الاداء بطيئا ـ كما هو الآن ـ فإن اي اجراءات من هذا النوع ـ اي ذات صفة ادارية لا صلة لها بقوانين السوق ـ لن تفلح في تعديل مساره. ستبرهن الشهور القليلة المقبلة على ان الفاتورة المباشرة لانفجارات الثلاثاء الدامي في نيويورك وواشنطن هي الشق الاسهل من خسائر تلك الانفجارات. اذ يتحتم الآن على الولايات المتحدة ان تواجه الركود الذي دفعها اليه صباح واحد. واشنطن ـ عصام الدين عبدالعزيز: